القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية غرام الذئاب الفصل الثاني عشر 12بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )

 رواية غرام الذئاب الفصل الثاني عشر 12بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



رواية غرام الذئاب الفصل الثاني عشر 12بقلم ولاء رفعت (حصريه وجديده في مدونة قصر الروايات )



الفصل_الثاني_عشر


ناديت باسمـك، لا أدري بما اعتصرت

روحـي

أهذا نجـاة؟! أم بداية عمـري؟!

في الليل خوفي قد تهاوى الأمنُ واحترقا

وتاه صوتي بين أصداء الأسى غرقًا

عيناي مغمضة، لكني أبصر الظلما

أرى القيود، أرى شِباك الخوف مُندفقًا


تدخل أحمد بلهجة صارمة، محذرًا إياها 

"علا، احترمي نفسك وخدي بالك إنك بتتكلمي مع أمي"


انفجرت الأخرى غير قادرة على كبح جماح غضبها المكبوت 

"مش لما تحترموا نفسكم أنتم الأول!، أنا من وقت ما جيت المكان الملعون ده وأنا بتذل وبتهان، وأنت شايف وسامع وبتكمل عليَّ، كان عندي حق لما ما صدقتش الأوهام ولا الكدب اللي كنت بتحاول تقنعني بيه، ومش هاستغرب أنت ليه عملت كده، لأنك ابن شيريهان هانم، ابن أمك.... 


وقبل أن تنهي عبارتها، باغتها بصفعة مدوية، تردد صداها بين جدران الغرفة، تاركة الجميع في صدمة مروعة!


كانت الصدمة كالصاعقة التي هوت على رأسها دون سابق إنذار.  

أكانت هذه صفعة؟، بل طامة كبرى ضربت صميم كرامتها!، أكان يثأر لوالدته أم لنفسه؟

نظراته إليها لم تقل صدمةً عن صدمتها، كأنها مرآة تعكس ارتباكه وهو يسأل نفسه، كيف سمحتُ لنفسي أن أفعل ذلك؟


عيناها الغارقة بالدموع، لم تحمل إليه سوى سؤال واحد -لماذا؟-، ذلك السؤال الذي خنق صوتها، ولكنه زأر في صمتها، كأنه طعنة تسري في صدره.  

بينما هي فقد شعرت بمزيج من القهر والخذلان، قهر أشبه بحرقة نيران مستعرة وألم أعمق من أن يصفه الكلام.  

كان ينبغي له أن يكون سندها وحاميها من غدر والدته، لكنه اختار أن يغرس الخنجر في قلبها بدلاً من ذلك، لذا ما فعله لم يكن سوى القشة التي قسمت ظهر البعير، فكيف يمكن أن تلتئم الجراح بعد هذا؟! 


لو كان للمشاعر صوت، لكانت الآن صرخة غضب تجلجل كغليان ماء المهل الذي بلغ الغليان ذروته، داخلها نيران قد بلغت عنان السماء. 

لم ترَ أمامها سوى شيء واحد، شيء لا يحتمل التأجيل، نظرت أولاً إلى حماتها التي كانت تبتسم بشماتة تُشبه سِمًا يتقطر من عينيها، ثم التفتت إلى تلك الدخيلة التي وضعت يدها على فمها كأنها تحاول إخفاء ابتسامة انتصار، لكنها لم تخفَ عنها، كانت نظراتها نسخة أخرى من نظرات شيريهان في مشهد درامي لا يحتمل المجاملة.


عادت لتحدّق إليه، ذلك الذي تجمد في مكانه، وكأن الزمن قد توقف عنده.  

عيناه كانتا مزيجًا من ذهول وندم، لكنه لم يتحرك قيد أنملة. 

وهنا قررت أن تُعيد إليه ما فعله، ولكن على طريقتها! 

فجأةً وفي لحظة لم يتوقعها أحد، رفعت يدها وصفعته صفعة مدوية ملأت المكان، تلتها أخرى دون تردد، وكأنها كانت تسترد شيئاً من كرامتها المسلوبة.


الدهشة علت وجوه الجميع، لكنه كان الأكثر ذهولاً بينهم. 

فذلك الغضب الكامن في أعماقها كان أقوى من أن يُحتوى، وأشد من أن يُكبح.

لم تكتفِ بالصفعتين، بل اندفعت تصرخ من ألم قلبها، تضربه في صدره بكل ما أوتيت من قوة، وعيناها تشتعلان غضبًا ووجعًا. 

تردد بصوت منكسر لكنه مزلزل

"ما تمدش إيدك عليَّ، أنا بكرهك، أنا بكرهك"


كان جسده يهتز مع كل ضربة تسددها إليه، لكنه لم يحاول إيقافها. 

ظل واقفًا، مستسلمًا أمام زوبعة انفعالاتها، يراقبها في ذهول غير مصدق للحالة التي وصلت إليها. 

يدرك أنها لم تكن تضربه بقدر ما كانت تفرغ جرحًا نازفًا في روحها.


اجتمع الخدم على وقع صراخها، تكدسوا عند باب القاعة، عيونهم متسعة بالدهشة والخوف. 

لمحتهم شيريهان فانتفضت غاضبة، تصيح بهم في حدة

"إنتم واقفين بتعملوا إيه؟، كل واحد يروح على شغله، بره"


ما إن دوى صوتها في المكان حتى تفرقوا على الفور، كأن رياحًا عاتية دفعتهم بعيدًا.

بينما هو ما إن أدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة، حتى قبض على معصمي علا بقوة ناظرًا في عينيها مباشرةً. 

كانت أنفاسها متسارعة، والدموع تغرق وجهها، لكنه لم يمهلها لحظة أخرى.  

فجأة انحنى وحملها على كتفه بقوة، غير عابئ بصراخها أو تململها، سار بها أمام أمه و داليا التي ظلت تتابع المشهد في صمت، تتأرجح نظراتها بين الدهشة والغضب.


"نزلني، نزلني بقولك، أنا بكرهك"

كانت كلمات صراخ علا و هي تضربه على ظهره، تحاول الفكاك من قبضته، لكنه لم يُعر صراخها أي انتباه، صاعدًا بها درجات السلم بثبات، يتجه نحو غرفته في الطابق العلوي، بينما ضجيج اعتراضها يتردد في أنحاء القصر، شاهقًا كنداء جريح.


و بمجرد أن وطأت قدمه الغرفة، دفع الباب بقدمه خلفه فأحدث صوتًا ارتجت له جدران المكان، ثم أطبق عليه بعنف. وقفت أمامه بثبات، وعيناها تتفحصان المكان حتى أدركت أنها في غرفته. التفتت إليه وشرر الغضب يتطاير من عينيها، فهتفت بحدة

"أنت جايبني هنا ليه؟!، ناوي تاخد حقك مني؟، ولا كرامتك اتجرحت لما رزعتك قلمين؟!، أنت اللي بدأت وأنا حذرتك قبل كده وقلتلك لو مديت إيدك عليا ها.... 


كانت تشير بإصبعها نحوه في تحذير صارم، غير أن كلمتها انقطعت حين جذبها نحوه علي غفوة منها ودون أدنى تمهيد، التهم شفتيها في قبلة خاطفة، سرعان ما تحولت إلى عناق طويل محموم، حمل بين طياته شوقًا جارفًا ورغبة متقدة.


تلاشت حدة الغضب في عينيها، وسرعان ما تحولت من عاصفة هوجاء إلى نسمة وادعة تتهادى بين ذراعيه، كأنها فقدت السيطرة على نفسها، أو كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.  

كان ينهل من شفتيها بشغف، بينما هي غارقة في دوامة من المشاعر المتناقضة، تضيع بين أحضانه وكأنها قبلة المحياه التي أعادت إليها أنفاسها.


وحين بدأ كلاهما يلهث ابتعدا قليلًا، فأسند جبهته إلى خاصتها، يستجمع أنفاسه المبعثرة، ثم همس بصوت خافت تغلفه نغمة ساخرة

"لسه بتكرهيني؟"


جملته باغتتها كصفعة أيقظتها من نشوتها العابرة، كأنها استيقظت من حلم لم ترد أن ينتهي.  

انتفضت و تراجعت خطوة إلى الوراء، حدّقت فيه بعينين متقدتين غضبًا، ثم صاحت

"أيوه، بكرهك ومش عايزة أقعد ثانية واحدة هنا، هاخد ابني وأمشي ومش خايفة لا منك ولا من مامتك، وأظن خلاص هي لاقيت لك الزوجة اللي تليق على أحمد بيه الشريف ابن الأكابر"


راقبها بصمت ثم لمعت ابتسامة خفيفة على طرف شفتيه حين لمح غيرتها الصريحة التي فاضت من كلماتها، لم يكن بحاجة إلى تأكيد، فقد رآها في عينيها قبل أن يسمعها من شفتيها.  

حك ذقنه بنظرة ماكرة وسألها بصوت يحمل من التحدي بقدر ما يحمل من السخرية

"بتغيري عليا؟"


اتسعت عيناها دهشة وأنكرت مشاعرها، يكفيها ضعفًا أمامه، رفعت ذقنها بتحد مصطنع وقالت بجمود

"وهغير عليك ليه؟، فوق من الوهم اللي أنت عايش فيه، أنا مش بحبك ووافقت على الجواز منك عشان خاطر ابني وبس"


تحرك نحوها خطوةً فتراجعت مذعورة، حتى كادت تتعثر في الكرسي خلفها، فامتدت يده في لمح البصر وأحاط خصرها ليمنع سقوطها.  

التصقت أنفاسها بأنفاسه، واشتعلت نظراته ولهًا وهو يهمس بنبرة سلبت عقلها واضطربت لها أنفاسها

"طب واعترافك ليا لما كنا في شقتي؟، وكل اللي حصل ما بينّا هناك؟، واللي شايفه في عينيكي دلوقتي؟، واللي حصل من شوية؟، كل ده ومش بتحبيني؟!"


كانت كلماته تحاصرها كطوفان لا مفر منه، وأذناها تسمعان صوته، لكن قلبها كان قد أعلن العصيان عليها.  

نظرتها المرتجفة تنضح بالعشق، لكن ما إن تذكرت ما فعله بها منذ أن أحضرها إلى الفيلا حتى اشتعلت النيران في داخلها من جديد، خاصة حين لمحت داليا...


همست بصوت متحشرج وكأنها تنتزع الكلمات من قلبها انتزاعًا

"كنت، كنت حبيتك وأمنت لك قبل ما أكتشف خداعك وكذبك عليّ"


كأنما أطفأت كلماتها اللهب في مقلتيه، فاحترقت ملامحه بخيبة مفاجئة.  

صرخ بها بصوت تخللته نبرة خذلان موجعة

"افهمي بقى عشان خاطري و لو لمرة واحدة، أنا عمري ما كذبت عليكي، الكلام اللي سمعتيه بيني وبين أمي هو اللي كدب، هي اللي فهمتك إني بضحك عليكي عشان تفضلي إنتي وحمزة تحت سيطرتنا"


نظرت إليه بغضب لا يهدأ، وهتفت بحدة تتخللها مرارة الشك

"وفرضًا لو أنا صدقت كلامك، ليه بتقولها كده؟ ليه بتخبي عليها مشاعرك ليا؟!، إنت بتضحك عليا ولا عليها! ولا على نفسك!، ولا خايف من إيه بالظبط؟"


ارتجف شيء في عينيه، كأنها أصابته في موضع لم يكن يتوقع أن يُمس.  

أطرق برأسه للحظة، ثم رفعها مجددًا وهزها بسأمٍ وحيرة

"أنتي ماتعرفيش حاجة ولا فاهمة حاجة"


كانت كلماته تلك بمثابة ستار أسدل على المعركة الدائرة بينهما، لكنها لم تكن نهاية الحرب، اضطربت الأجواء و كأن السماء تلبدت بغيوم ثقيلة تعكس ظلمة المشاعر المتشابكة بينهما. 

وقف كلاهما في مواجهة الآخر، بينما كانت نبراتها الحادة تقطع سكون الغرفة كخنجر يشق ستار الليل.

ابتسمت بسخرية ثم قالت بلهجة مشوبة بالتحدي

"لاء، أنا فاهمة كل حاجة يا أحمد بيه، وشايفة بعينيا الحقيقة كلها" 


ابتلعت ريقها الجاف، كأنها تحاول دفع مرارة الكلمات العالقة في حلقها، قبل أن تتابع بصوت أكثر حدة، صوت يشبه احتدام العاصفة قبل انفجارها

"على فكرة أنا مش هضايق ولا هغير عليك زي ما أنت فاهم، لو خطبت أو اتجوزت داليا أو غيرها، ولا فارق معايا أصلاً، بس اعمل حسابك المأذون اللي هاتجيبه عشان تكتب كتابك عليها، هتخليه يطلقنا، وما تقلقش أنا متنازلة عن كل حقوقي، حتى حق ابني في الميراث اللي خايف عليه أنت والهانم والدتك، ولعلمك لو ما نفذتش اللي بقولك عليه هاخد ابني، والمرة دي هاسيبلك البلد كلها، ومش هاتعرف لي طريق جره" 


تغيرت ملامحه في لحظة، كأن صاعقة ضربت قلبه. 

انقبض فكه بشدة حتى برزت عظامه، واشتعلت عيناه ببريق قاتم، يخبرها بصمته أنها تخطت الحدود. 

نظر إليها بثبات لكن توتر عضلاته أفشى عنف العاصفة التي تتخبط داخله. 

فقط فكرة هروبها مرة أخرى كانت كفيلة بإشعال نيران في دمائه، كأنها تضع أصابعها على جرح مفتوح، تضغط عليه بلا رحمة.


أطلق زفرة طويلة، محاولة أخيرة لكبح جموح نفسه ثم قال بصوت هادئ لكنه يخفي وراءه عاصفة لا تقل عن تلك التي اجتاحت ملامحه

"أنا مراعي الظروف النفسية اللي بتمري بيها، وهاعمل نفسي مش سامع حاجة، بس عايزك تفهمي إنك طول ما أنتي معايا، هتبقي في أمان وفي حمايتي" 


رفعت عينيها نحوه بعدم فهم، بينما كان في داخلها إصرار لا يلين على معرفة ما يدور في رأسه.  

تشابكت أفكارها واختلطت بمخاوفها، لكنها لم تتراجع بل واجهته بسؤال جاء كطعنة في صدر صبره المتهاوي

"و عشان أكون في أمانك وحمايتك، أفضل مغصوبة على العيشة هنا تحت رحمة شيريهان هانم؟!، تهيني وتذل فيا؟!" 


كان الصمت الذي تبع سؤالها أكثر قسوة من أي إجابة قد يُلقيها.  

التقت نظراتهما، أحدهما يحمل الغضب والتحدي، والآخر يشتعل بالصراع. 

  في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى صدى أنفاس متوترة، نبضات تتسارع في صدرين يرفضان الانكسار.


أحاط وجهها بين كفيه، وعيناه تفيضان بحنان غامر، كأنما يغترف من معين قلبه ليمنحها الطمأنينة التي فقدتها. 

همس بصوت يلامس نبضات فؤادها

"حقك عليا"


ثم انحنى وطبع قبلة دافئة على جبهتها، كأنما يختم بها عهده المقدس.  

تابع بنبرة حازمة لكنها لا تخلو من الرجاء

"مش هاسمح لحد يهينك أبدًا تاني، بس عايزك توعديني ما تتصرفيش من دماغك وتعملي أي حاجة من ورايا"


أطلق زفرة طويلة كأنما يُلقي بها أعباء أثقلت صدره، ثم أردف بنظرة متوسلة

"اوعديني"


كانت تحدق في عينيه، تقرأ فيهما مزيجًا عجيبًا من الخوف واللهفة، ممزوجًا بعشق تحاول الفرار منه، لكنها تخشى أن يفتك بها الندم إن استسلمت.  

عقلها يصرخ بها ألا تنخدع مجددًا، أن تظل حبيسة حصونها العالية، فأي ضمان لها أن المستقبل لن يكون مرآة للماضي!


وفي لحظة تحفزت ملامحها، وارتدت قناع القوة والتحدي، ثم نطقت ببطء، كأنها تحفر كل كلمة في كيانه

"أوعدك، بس وعد مع أول فرصة مناسبة تجيني هاخد ابني وأبعد عنكم وأكون في أمان، حتى لو كان المكان ده في جهنم، هايكون أرحم ألف مرة من وجودنا معاك إنت والست الوالدة"


نفضت يديه عنها، و وقع كلماتها علي مسامعه احرقت روحه بقسوة، وقف متجمدًا يحاول استيعاب ما تفوهت به للتو. 

بينما هي فقد أدارت ظهرها، ومضت بخطوات سريعة نحو الباب، فتحته وخرجت ثم أغلقته خلفها بعنف، صدرها يعلو ويهبط في اضطراب.


كانت دموعها تتراقص في مقلتيها، لكنها تأبى السقوط، تصارع وجعها الذي ينهشها بلا رحمة.  

أرادت الصراخ، أرادت أن تمزق هذا القلب الذي يعشقه ويصدق كل كلمة قالها، لكنه في الوقت ذاته يكبلها بسلاسله.


و بالعودة إليه، فما إن أدرك أنها غادرت حتى لم يستطع كبح جماح غضبه المتفجر، فإذا به يركل ويقذف كل ما تقع عليه يداه، يقلب محتويات الغرفة رأسًا على عقب، يصيح كليث جريح في أوج عنفوانه.


و خارج الغرفة، كانت و مازالت واقفة، تستمع إلى صراخه الهائج وما يحدثه من دمار، لكن ما أثقل عليها لم يكن صوته، بل صدى كلماتهما الذي ظل يتردد في عقلها كضربات طبل جنائزي. 

لم تحتمل أكثر فاستدارت مسرعة تهبط درجات السلم.


و إءا بها تجد حالها وجهًا لوجه أمام حماتها التي وقفت بجوار غريمتها.

حدقت فيهما بنظرة ملؤها الازدراء، عبرت من خلالها عن كل ما يعتمل في صدرها من احتقار وقهر ثم واصلت ركضها، غير عابئة بشيء حتى وصلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، اسرعت نحو الفراش و امسكت بوسادة صغيرة لتفرغ بها صرخاتها دون أن يسمعها أحد سواها! 


                          ❈-❈-❈


تقود سيارتها عبر الطريق الطويل، حيث بدت وكأنها تسير بلا وجهة، مستغرقة في أفكارها المتشابكة. 

انسابت الأغنية الحزينة من مكبرات الصوت لسيارتها، كأنها تعكس حالتها النفسية المضطربة، لتزيدها انغماسًا في دوامة من المشاعر المختلطة.


في المقعد الخلفي علت أصوات طفليها، كليهما يتشاجران حول اللوح الألكتروني، كل منهما يحاول انتزاعه من يد الآخر.  

لم يتوقف الصغير عن مناداة والدته بإلحاح

"مامي، مامي، زينب مش عايزة تديني التاب بتاعي"


لم تتأخر شقيقته في الرد وهي منشغلة بشاشة الجهاز، قائلة ببراءة دفاعية

"قولتلك يا لوكا هلعب شوية، التاب بتاعي فصل شحن، اسكت بقى هخسر الـGame"


نفخ مالك بضيق وعاود النداء

"مامي، مامي؟"


نظرت إليه والدتع عبر المرآة الأمامية، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تسكته فورًا، إذ تراجع في مقعده مرتعدًا.  

فجأة هدأت سرعتها، ثم أوقفت السيارة بعنف على جانب الطريق، وانفجرت في صرخة مدوية

"مامي، مامي، مامي!، فيه إيه؟، عايزين مني إيه؟!، أقسم بالله يا مالك، كلمة كمان وهلف وارجع على القصر، هسيبك مع دادة زينات، وهاخد أختك ونروح لجدك"


اتسعت عينا صغيرها بحزن وانكمشت شفتاه وهو يحاول كتمان دموعه التي تجمعت عند أطراف عينيه، خفض رأسه والتزم الصمت. 

بينما شقيقته فلم تكن تبالي بما يحدث حولها مستغرقة في لعبتها الإلكترونية.


استدارت إليها صبا بحزم

"زينب؟"


رفعت الصغيرة رأسها ونظرت إليها ببراءة، مجيبة

"نعم يا مامي؟"


"إدي لأخوكي التاب بتاعه، ولما نوصل عند جدو ابقي اشحني بتاعك وألعبي عليه براحتك، سمعاني؟"


أومأت الصغيرة برأسها، إشارة على الامتثال، رغم أنها اعتادت على العناد والمخالفة.


عادت الأخرى تنظر إلى الطريق أمامها، بينما كانت غصة ثقيلة تخنقها.  

رغبة عارمة في البكاء والصراخ كانت تتأجج في صدرها، لكنها تماسكت، خشية أن يشعر أطفالها بشيء.  

لم تكن تريدهما أن يروا هشاشتها، ألا يدركوا ثقل الأحمال التي تنوء بها روحها.


فجأة، اهتز هاتفها الموضوع على المقعد المجاور، نظرت سريعًا إلى اسم المتصل فوجدت أنه هو. 

يبدو أنه قد علم بمغادرتها للقصر، وهو الآن يستعد لفعل ما اعتاد فعله دائمًا.


زفرت بمرارة وهي تدرك في قرارة نفسها أنها لم تعد تحتمل أكثر من ذلك.

إذا بها تنتابها نوبة من البكاء المفاجئ، فانهارت دموعها كالسيل المنهمر، تبكي بحرقة لا تدري منبعها، وكأنها طفلة صغيرة تسكن روحها قد أطلقت من أسرها، فشرعت تبكي بلا قيد.  

أثارت حالتها دهشة طفليها اللذان كانا يلعبان بالقرب منها، فتبادلا النظرات بحيرة ثم هرعا إليها وضعا أيديهما الغضة على كتفيها في حنو طفولي، وسألاها بصوت متداخل

"مالك يا مامي؟"


كفت عن البكاء شيئًا فشيئًا، تسارعت أنفاسها المضطربة وهي تلتقط محرمة ورقية، تمسح بها دموعها التي تركت أثرًا رطبًا على وجنتيها، وتجفف سيل أنفها الذي جرى مع الدموع كأنهما شريكان في الحزن.  

استدارت قليلًا و مالت برأسها لتكون على مستوى نظرهما، ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة تخبرهما بصوت مبحوح، يخفي أكثر مما يبوح

"مفيش يا حبايبي، ألعبوا مع بعض وبلاش تتخانقوا لو بتحبوا مامي"


أومأ الصغيران برأسيهما الصغيرين، ورددا بصوت موحد، يحمل براءة الطفولة وسذاجتها

"أوك مامي"


عادا إلى لعبهما كما لو أن شيئًا لم يكن، بينما عادت هي إلى شرودها، تنظر إلى الأمام بعينين شاردتين، وكأنها ترى ما حدث معها يتجسد أمامها كمشهد سينمائي يُعرض علي شاشة التلفاز... 


"أنا عايزة أتطلق"


أطلقت طلبها، وكانت تتوقع أن يتكرر المشهد ذاته كما في كل مرة تفوهت بها بهذا الطلب قديمًا في بداية زواجهما.

لكنها تلك المرة لم تجد الصدى المعتاد؛ لم يشتعل في وجهها غضبه، ولم ينفجر بصوته الجهوري نافياً مجرد الفكرة. 

بل على العكس باغتها بابتسامة باردة ثم استدار عنها متجهًا إلى غرفة الملابس.


لحقت به بخطوات سريعة وقلبها ينبض بقوة وكأنها تدرك أنها تقف الآن عند مفترق الطرق. 

رأته يفك طوق بنطاله تمهيدًا لنزعه، فازدادت ثورتها. 

عقدت ساعديها أمام صدرها ونبرتها تحمل إصرارًا لم تعهده في نفسها من قبل


"أنا بتكلم جد المرة دي، مش زي كل مرة قبل كده طلبت منك الطلاق، أنا عايزة أتطلق يا قصي" 


لم يلتفت إليها، وكأنها لم تكن.  

ارتدى بنطالًا قطنيًا، ثم قميصًا بنصف أكمام برزت من خلاله عضلات جسده المشدود.  

أنهى ارتداء ثيابه و ألقى نظرة على هيئته في المرآة، هندم خصلاته التي تبعثرت قليلًا. 

كل هذا وكأن حديثها كان مجرد همهمة عابرة لا تستحق حتى الرد.

استدار نحوها أخيرًا، وعيناه تحملان برودًا نقيضًا لطبيعته الثائرة. 

مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة وقال بنبرة هادئة تُغضبها أكثر 

" هعمل نفسي ما سمعتش حاجة، وأحسن كده عشان مصلحتك"


ثم غمز لها بعينه، ودفعها بكتفه لتتنحى جانبًا وهو يعبر خارجًا.  

وقفت في طريقه بعناد، عيناها تتوهجان بالتحدي والإصرار، وأخبرته بصوت ثابت

"تمام، طالما بتستهزئ بكلامي وواضح إنك مش هتنفذ اللي أنا عايزاه، فأنا هسيب لك القصر وهاروح أقعد عند بابي، وهو اللي هيعرف يتصرف معاك، لأن أنا خلاص فاض بيا منك" 


ظهر على ثغره نصف ابتسامة بزاوية، ذلك التعبير الذي تعرفه جيدًا؛ عندما يكون في أوج غضبه، لكنه يُحكم إخفاءه خلف قناع من اللامبالاة.  

اقترب منها بخطوات محسوبة، وربت بأطراف أصابعه على أسفل خدها بلمسة حادة تحمل من الاستهزاء أكثر مما تحمل من الحنان، ثم همس بصوت منخفض لكنه حاد

"لو قد الكلام اللي لسه قايلاه اعمليها وساعتها مش هتلومي غير نفسك" 


في تلك اللحظة، شعرت وكأن البث قد انقطع عن الشاشة، فعادت مجددًا وهي أسيرة حزنها.

تخشى العواقب الوخيمة لقرارها، وهي التي ستدفع الثمن في النهاية.  

لكنها كلما تذكرت إهاناته المتكررة، كلماته الجارحة وتهديداته، ازداد إصرارها على ألا تعود عن قرارها.


لقد حسمت أمرها، ستتركه وتذهب إلى والدها. 

وإن خذلها هذه المرة كما فعل سابقًا، ستلجأ إلى زوجة والدها التي هي أيضًا زوجة والده.  


أدارت المحرك و انطلقت بسرعة، متجهة نحو وجهتها الوحيدة الآن-قصر والدها-


                         ❈-❈-❈


تصب الشاي في الفنجان أولًا ثم تضيف إليه الحليب ببطء، تراقب زوجها بعينين يملؤهما القلق.  

فكان زوجها شاردًا، ينظر إلى اللاشيء وكأنه يحمل على كاهله ثقلًا من الهموم لا قبل له به.  

لم تستطع أن تصمت أكثر، فوضعت الإبريق برفق على الطاولة، ثم سألته بحنو واضح

" مالك يا عابد؟، من وقت ما بدأنا نفطر مكلتش غير لقمة صغيرة وقاعد سرحان مع نفسك، هما صبا وقصي كويسين؟"


رفع رأسه إليها، ابتسم ابتسامة واهنة. كانت تفهمه دون أن ينطق وكأن ما بينهما لم يكن مجرد زواج بل رباط روحي يتجاوز حدود الكلمات.


تنهد بعمق ثم أجاب بصوت منخفض

" خايف أوي على صبا من دماغها وطبع العند اللي عمره ما بيتغير، بل بيزيد مع الوقت، أنا عارف إن قصي بيحبها وبيعشقها كمان، لكن كل واحد فينا ليه طاقة تحمل، وخوفي إنهم يوصلوا لنقطة صعبة، وأنتي فاهمة إيه اللي ممكن يحصل لا قدر الله"


تركت الإبريق على الطاولة، ثم وضعت يدها برفق على يد زوجها، كأنها تحاول أن تنقل إليه بعضًا من سكينتها.  

نظرت إليه بعينين مطمئنتين، وقالت بهدوء

"ما تقلقش يا حبيبي، أمورهم بإذن الله هتتحل" 


ترددت للحظات وكأنها تحاول أن تزن كلماتها قبل أن تنطق بها، لكنه كان ينظر إليها نظرة تحثها على إكمال حديثها، فتابعت بصوت خافت

"أنا كنت زيها في يوم من الأيام، بس الفرق بيني وبينها إنها حبت جوزها رغم إنكم أجبرتوها على الجواز في البداية، هي كمان عشقته، طبيعي يحصل بينهم مشاكل واختلافات زي أي اتنين متجوزين، المشكلة الحقيقية إنهم مايعرفوش إزاي يتعاملوا مع المشاكل دي صح، يمكن اللي بيحصل ده مجرد نتيجة ملل وفتور، أو يمكن هي عايزة تلفت انتباهه واهتمامه بيها، عشان كده بتعند معاه، يمكن محتاجة دلع" 


توقفت قليلًا، ثم تابعت بنبرة أكثر عمقًا

" قصي حنين جدًا، بس عيبه نفس عيب باباه الله يرحمه، على قد ما هو حنون على قد ما لما بيقلب بتتحول الحنية لقسوة، لأنهم للأسف ما بينسوش الإساءة وبيحبوا ياخدوا حقهم، حتى لو من أقرب الناس ليهم"


كان يستمع إليها بإمعان، كأن كلماتها تحفر داخله، لكن قبل أن يتمكن من الرد، قطع صمت اللحظة صوت جرس الباب. نهضت إحدى الخادمات لتفتح وسرعان ما اندفع الصغيران إلى الداخل، يهللان بفرح لرؤية جدهما والسيدة جيهان التي بمثابة جدتهما.


وقف عابد متوجهًا نحو ابنته التي دخلت إلى بهو الاستقبال، لكنها توقفت في مكانها فجأة، وكأن قدميها عجزتا عن التقدم. 

لم تمر سوى لحظات حتى اقترب منها، فما كان منها إلا أن ارتمت في حضنه، وانفجرت في بكاء مرير.


                          ❈-❈-❈


داخل قاعة المؤتمرات في مدينة العلمين، حيث يُقام تكريم لأشهر الفنانين التشكيلين.


في المقاعد القريبة من المنصة، جلس كلا من يونس وكارين متجاوران، يتبادلان الهمسات، بينما تعلو وجهها ابتسامة مشرقة، تتخللها بين الفينة والأخرى ضحكات خافتة.  

لكن ذلك المشهد لم يكن ليعبر بسلام أمام ذاك الجالس على مقربة منهما، عينيه تتابعهما بريبة. 


فجأة، قطع صوت مسئولة الإعلام شروده

"والآن، سيتم توزيع الجوائز المقدمة برعاية الشركة الراعية، والتي يملكها الأستاذ مهند عبد الرحمن"

"أستاذ مهند، اتفضل"


بخطواتٍ واثقة، نهض وتسربت إلى شفتيه ابتسامة باهتة، ثم أومأ برأسه تحيةً قبل أن يصعد إلى المنصة. 

وما إن التقت عيناه بعيني يونس، حتى تلاشت ابتسامة الأخير، حل محلها وجوم شديد وسرت في أوصاله نار غضب مكتوم.


أخذ يتمتم بين أسنانه، صوته بالكاد يصل إلى كارين، لكنه كان مشبعًا بالاستياء "كنتي عارفة إن الزفت ده معانا هنا؟"


تداركت كارين الموقف، وهمست إليه بلهجةٍ مهدئة، تحاول امتصاص انفعاله "والله ما كنت أعرف إنه هيبقى من أكبر السبونسر للحفلة، لسه عارفة زيي زيك دلوقتي"


لكن كلماته التالية جاءت أكثر حدة، خرجت من بين أسنانه كأنها تهديد محكم

"أنا ممكن أقوم أخدك من إيدك، نعمل تشيك أوت ونمشي"


رفعت نظرها إليه بتوسل ثم ألقت نظرة خاطفةً حولها، لتدرك أن بعض الحضور قد بدأوا يلتفتون إليهما بفضول خفي.

اقتربت منه أكثر، وهمست بحذر

"اهدى يا يونس، الناس عمالة تبص علينا"


ارتفع صوت مسئولة الإعلام من على المنصة معلنة بصوت مميز

"ومع صاحبة الجائزة الأولى، الفنانة كارين رسلان العزازي، فلتتقدم إلى المنصة"


نهضت كارين ببطء، تتراقص أنفاسها بين التردد والقلق، عيناها تتنقلان بين زوجها الذي بدا كبركان يوشك أن ينفجر، والمنصة التي تنتظر صعودها. 

خشيت أن ينفذ صبره في لحظة طائشة فيثير فضيحة تقلب هذا الحفل رأسًا على عقب. 

التفتت نحو يونس الذي أومأ إليها على مضض، إيماءة أقرب إلى الأمر منها إلى التشجيع.


ازدردت ريقها ثم توجهت إلى المنصة بخطوات محسوبة، لا تخلو من الرهبة. كان ثوبها الأزرق ينحت جسدها برقي، يُبرز انحناءاتها دون ابتذال، يزيدها سحرًا فوق سحرها الطبيعي.  

بدا وكأن اللون قد وُجد خصيصًا ليعانق بهاء بشرتها، بينما خصلاتها الذهبية المرفوعة في أناقة، فقد أضفت على عنقها الأبيض المياس إشراقةً ملكية.


وحين بلغت المنصة، وجدت نفسها تقف أمام مهند، عيناها اصطدمتا بعينيه، فتلبثت للحظة.  

نظراته لم تكن عادية، بل حملت شيئًا جعل قلبها يجفل في صدرها.  

أصابها التردد في مد يدها لتستلم الجائزة وكأن تلك المسافة الضئيلة بينهما صارت فجوة متسعة.

اقترب منها برأسه قليلًا وهمس دون أن تفارق عينيه عينيها

"أهلًا وسهلًا يا فنانة، نورتي المؤتمر"


ابتسمت و اجابت بصوت لم يخل من التوتر

"أهلًا"


قطع جملتها بابتسامة جانبية، وهو يمد لها الجائزة

"اتفضلي و بالتوفيق"


مدت يدها، لكنها ما إن لمست الجائزة حتى أحست بحرارة أنامله تلامس أناملها للحظة خاطفة. 

رفعت عينيها إليه مجددًا فوجدته يبتسم ابتسامة خفيفة و غامضة، وكأنه يدرك تمامًا ما يفعله.


بينما الجهة المقابلة في الصفوف الأمامية، كان يونس يراقب المشهد بعينين تضيقان شيئًا فشيئًا حتى كاد الشرر يتطاير منهما...


مازال مهند يحدق نحو كارين بعينين متربصة بكل تفصيلة بها، تلتهم حضورها الجليل بنظرات جريئة. 

شعرت بوخزة من الانزعاج فقبضت على الجائزة سريعًا وسحبت يدها مبتعدة،  خطت خطوات رصينة إلى منتصف المنصة، تقف بثبات أمام الحضور، تتنفس بعمق وتحاول أن تزيح من عقلها ذلك الشعور غير المريح.


أمسكت بالميكروفون وابتسمت ابتسامة متزنة قبل أن تقول بصوت صاف يفيض امتنانًا

"أحب أوجه كل الشكر لكل المسئولين والمقيمين على الحفل، والشكر كله للحضور الكريم اللي شرفنا النهارده، لكن قبل أي حاجة، كل الحب والامتنان لشخص واحد، شخص وقف جنبي من أول خطوة في مشواري وبفضله بعد ربنا بقيت صاحبة أكبر جاليري في مصر، أنا بهدي له الجايزة وبقوله شكرًا على وجودك في حياتي، يا أغلى نعمة ربنا رزقني بيها"


ما إن فرغت من كلماتها حتى نهض يونس من مجلسه، لم يستطع أن يخفي أثر تلك العبارات على وجهه، ابتسم رغم ثقل المشاعر التي اجتاحته واتجه إلى المنصة بخطوات ثابتة. 

وحين بلغها وقف جوارها، رفع يده برفق ليقبل رأسها أمام الجميع، كأنما يختم على حبها أمام الملأ، يعترف به في صمت يضج بالمعاني.


امتدت يد المسئولة الإعلامية، تناوله الميكروفون فتلقفه بتردد، ألقى نظرة خاطفة على كارين قبل أن يتحدث بصوته العميق، الذي بدا متأثرًا رغم محاولاته أن يبدو متماسكًا

"أنا في الطبيعي مش بعرف أتكلم في المناسبات اللي زي دي، لكن لو هقول حاجة، فأنا اللي عاوز أشكرها، كارين مش بس زوجتي دي أمي وأختي وصاحبتي وكل عيلتي، اللي عارفين قصتنا عارفين إحنا عدينا بإيه عشان نكون مع بعض في الآخر، وده بعد ما وقفت معايا قصاد أي تحديات أو صعوبات واجهناها مع بعض، يعني هي اللي تستحق الشكر و الجايزة و كل حاجة حلوة، شكرًا يا حبيبتي إنك موجودة في حياتي"


وضع يده حول خصرها، كأنما يعلن أمام الجميع أن هذا المكان لا يليق إلا به، قبّل رأسها من جديد، لكن هذه المرة، لم تكن قبلة امتنان فحسب بل إعلان ملكية، رسالة واضحة، لم يكن يعني بها الحضور، بل رجلًا بعينه! 


توقف بصره عند مهند، كان ينظر إليه نظرة حازمة، مشبعة بالتحذير، أو ربما كانت أكثر من ذلك، كأنه يقول له دون أن ينطق-لا تقترب ولا حتى بالنظر-. 


                        ❈-❈-❈


جلست كلا من جيهان وصبا على أحد المقاعد الحجرية المزينة بالنقوش الأندلسية في حديقة قصر والدها.  

بدا عليها أنها قد انتهت لتوها من البكاء، إذ كانت عيناها محمرتين، ووجهها يشوبه الشحوب.

نظرت إليها جيهان بحنان وقالت بصوت هادئ يحمل لمسة من العتاب اللطيف

"أظن كفاية عياط، وجه الوقت اللي تقولي اللي جواكي، ولو مش عايزة تحكي، ممكن تقومي تطلعي تغيري هدومك و تنزلي تفطري، وبعدها تنامي وتريحي دماغك خالص من التفكير"


اطلقت الأخرى زفرة طويلة، وكأنها تحاول التخلص من عبء ثقيل يضغط على صدرها، و بصوت خفيض متحشرج اخبرتها

"وهي فين الراحة يا چيچي؟!، أنا وصلت لمرحلة إنه خلاص كل شيء انتهى، البعد أريحلي، ليا و ليه"


لم تحتمل جيهان رؤيتها بهذا الانكسار، فنهضت من مقعدها وجلست بجوارها، وأمسكت بيدها برفق، كمن يحاول أن ينقل دفء الأمان والاطمئنان إليها.


"بيتهيألك إن البعد هو الأسهل، بس للأسف هو الأصعب، اللي بينك وبينه مش مجرد حب وعشق وهيام، اللي بينكم حياة وولاد زي القمر ما شاء الله"


صمتت لحظة، تراقب انعكاس كلماتها على ملامح صبا، ثم أضافت بنبرة تحمل يقينًا عميقًا

"كبريائك اللي بيتكلم، لكن عينيكي بتقول عكس كده، بتقول إنك بتعشقيه، ومش هتقدري تبعدي عنه، وفي نفس الوقت زعلانة منه جامد وموجوعة أوي من جواكي"


رفعت صبا عينيها إلى زوجة والدها، نظرة الغريق الذي يتشبث بقشة في بحر هائج، ثم همست بصوت مهزوز

"طب والحل؟!، أعيش معاه من غير كرامة؟!"


هزت الأخرى رأسها نفيًا بحزم، ثم شدت على يدها برفق

"لأ طبعًا، مش هرضى لك بكده، أنتي بنتي يا صبا، زيك زي ملك عشان كده بنصحك بالصح، وليكي حرية الفعل في النهاية، الحل لمشكلتك مع جوزك إنكم لازم تقعدوا مع بعض، تتكلموا أو حتى تروحوا لثيرابيست أو استشاري لحل المشاكل الزوجية، تحكوا لهم عن كل حاجة إيه اللي بتحبوه في بعض، وإيه اللي بيضايقكم من بعض، مش عيب ولا حرام تلجأوا لحد متخصص وفاهم، على الأقل دي تبقى أول خطوة في علاج المشاكل اللي بينكم، وطالما في مودة ورحمة وترابط، يبقى الأمل موجود"


ابتسمت جيهان ابتسامة هادئة وأخذت تربت على يد صبا بحنان عميق، ثم استطردت بثقة

"أنا واثقة إن قصي بيحبك وبيموت فيكي، وما يقدرش يبعد عنك، حتى لو كان قاسي، مش بعيد يكون دلوقتي قاعد بيلوم نفسه، وأول ما يعرف إنك سيبتي القصر، هييجي على طول عشان يصالحك ويرجعك على قصركم"


رفعت وجهها ونظرت إلى زوجة والدها نظرة ممتلئة بالشك والألم

"ما أظنش إنه هيعمل كده، ده هددني لو سيبت القصر وجيت هنا مش هلوم غير نفسي،انتي ما تعرفيش حاجة يا چيچي، ومش كل الكلام ينفع يتقال"


كادت جيهان أن ترد عليها، لكن انتباهها تحول إلى اقتراب عابد منهما، يمسك بهاتفه ووجهه يحمل مزيجًا من القلق والجدية.  

ما إن وصل إليهما حتى سأل بصوت هادئ لكن قاطع

"إيه الأخبار؟، بقت كويسة؟"


أجابت جيهان بسرعة، محاولة أن تبدد قلقه

"الحمد لله، هي بقت أحسن إن شاء الله"


جلس زوجها بجوار ابنته، ثم نظر إليها وقال بنبرة واثقة

"على فكرة، قصي لسه قافل معايا حالًا، قال لي إنه جاي في الطريق، عشان ياخدك أنتي والأولاد"


ارتجفت أناملها لوهلة، ونظرت إلى والدها بذهول، وكأنها لا تصدق ما سمعته.  

تُرى، هل يكون هذا اللقاء بدايةً لنهاية أزمتها، أم مجرد محطة أخرى في دوامة الألم؟

                       ❈-❈-❈


في قاعة الاحتفال، حيث تعالت الأحاديث وتناثرت الضحكات في الأرجاء، كان المشهد ينبض بالحياة.  

بعد انتهاء مراسم التكريم، انتقل الضيوف إلى قاعة أخرى أُعدت بعناية لاستقبالهم، حيث امتدت الموائد الفاخرة تحمل أشهى الأطباق وألوانًا من الحلوى والمشروبات.


الأضواء الدافئة تنعكس على الأسقف المزخرفة، فيما يتسلل صوت الموسيقى الهادئة ليضفي على الجو لمسة من الألفة والبهجة.


جلست كارين برفقة زوجها حول إحدى الطاولات، لكن الضيق كان جليا على ملامحها وهي تقلب هاتفها بين يديها، لتتمتم بغيظ

"الفون هايفصل ومفيش شبكة، الله يسامحك"


رفع زوجها عينيه نحوها، ممسكًا بشوكة طعامه بينما يلوك الطعام ببطء، ثم رد بنبرة لا تخلو من اللامبالاة

"وأنا ذنبي إيه طيب؟"


رمقته بامتعاض، وملامح الاستياء تزداد على وجهها

"لأنك أول ما وصلنا مادتنيش فرصة لأي حاجة، وخلتني نسيت أشحن الفون وعايزة أطمن على چولي و رسلان"


دون أن يظهر تأثرًا بشكواها، أخرج هاتفه من جيبه ومده إليها قائلًا

"خدي كلميهم من عندي، وأول ما تخلص الحفلة هانطلع السويت بتاعنا، هاشحن لك الفون وصاحبته كمان"


اختتم عبارته بابتسامة تحمل من المكر ما يكفي ليُفصح عن نواياه، فالتقطت كارين الإشارة على الفور، وزاد ضيقها به. تبسمت بغيظ وهي تميل نحوه قليلاً، لتهمس بنبرة ساخطة

"أنت فايق ورايق أوي"


دفعت الكرسي إلى الخلف ونهضت، أكملت وهي تتحرك مبتعدة

"أنا قايمة هاشوف signal بره في اللوبي"


راقبها زوجها بنظرة مرحة قبل أن ينهض بدوره، يمسد ذقنه بتفكير وكأنه يدرس خطواته القادمة، ثم قال وهو يتجه صوب طاولة البوفيه

"وعقبال ما تخلصي مكالمتك، هاروح أنا للبوفيه أجيب لنا كام طبق، دول عليهم نجريسكو تهوس"


توقفت كارين في منتصف الطريق، قبضت أصابعها بقوة وهي تجز على أسنانها، ثم زفرت بضيق قبل أن تتابع سيرها، تقاوم رغبتها في الالتفات إليه وإلقاء أي شيء على رأسه.


في بهو الفندق، حيث الأضواء المعلقة تنثر وهجًا ناعمًا على الأرضية الرخامية، وقفت تحاول التقاط إشارة جيدة لهاتفها.


تنفست بعمق وأوشكت أن تجري المكالمة، لكن فجأة اجتاحها ألم حاد في صدرها، كأن سكينًا باردة انغرست في ضلوعها.  

تذكرت أنها لم تتناول أقراص الدواء منذ قدومها إلى هنا، وما زاد الألم توترها الذي ازداد كثافة، كضباب ثقيل يحيط بها من كل جانب.


حاولت مرة أخرى، غير أن يدها ارتجفت على غير إرادتها، فانزلقت منها أناملها على الهاتف، ليسقط أرضًا محدثًا صوتًا خفيفًا لكنه دوى في أذنيها كأنه إعلان عن كارثة.  

شهقت بفزع وانحنت لتلتقطه، لكن صوتًا جهورًا أوقفها بلطف حازم

"متوطيش"


رفعت رأسها سريعًا، فوقع نظرها عليه. كان واقفًا أمامها، ينظر إليها بثبات، عيناه تحملان ذلك المزيج الغريب من الحدة والغموض.  

انحنى ببطء والتقط الهاتف، ثم مده نحوها قائلاً بنبرة هادئة ولكنها آمرة

"اتفضلي"


تناولته منه دون أن ترفع نظرها إليه، ثم قالت بجفاء وهي تهم بالمغادرة

"عن إذنك"


كادت تخطو مبتعدة، لكنه أمسك بمعصمها، قاطعًا عليها طريق الفرار. انتفضت تحت وطأة لمسته، والتفتت إليه بحدة، لكن نظراته كانت أشد وطأة من قبضته. 

عينيه اخترقتاها كأنهما تفتشان عن شيء خفي داخلها، ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ، كمن اعتاد أن يُطاع

"فين كلمة شكراً؟"


لم تأبه لسؤاله، بل لم تعبأ حتى بإلحاحه، فما كانت تريده فقط هو أن يترك يدها، فهتفت بغضبٍ مكتوم

"سيب إيدي يا أستاذ مهند"


لكن بدلاً من أن ينصاع لطلبها، شد قبضته أكثر، فاضطربت أنفاسها وتضاعفت نبضات قلبها الضعيف.  

التوتر، الألم والخوف، اجتمعوا جميعًا ليشكلوا دوامة اجتذبتها نحو الهاوية.


تلاحقت أنفاسها، شعرت بجفاف حلقها، ثم بدأت الدنيا تظلم شيئًا فشيئًا من حولها.  

ترنّحت فهرع لاحتضانها قبل أن تهوي أرضًا، نظر سريعًا إلى الجانبين، متفحصًا المكان. 

لم يكن ثمة أحد يعرفها أو يعرفه، مجرد موظفين وعاملين غير مبالين بما يحدث.


لم يتردد لحظة، بل انحنى وحملها بين ذراعيه، ماض بها إلى المصعد بخطوات سريعة! 


يتبع.... 


تكملة الرواية من هناااااا

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات

التنقل السريع