القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية زواج في الظل الفصل الحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بقلم الكاتبة ياسمين عطيه كامله

 رواية زواج في الظل الفصل الحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر  بقلم الكاتبة ياسمين عطيه كامله 




رواية زواج في الظل الفصل الحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر  بقلم الكاتبة ياسمين عطيه كامله 



أركان وقف قدام ليلى، عيناه مشتعلة بالغضب، إيده متشنجة كأنه بيحاول يمنع نفسه من تكسير أي حاجة حواليه منه. بص لها بحدة، صوته كان هادي، لكنه مليان غضب مكبوت:

"الحيوان اللي اسمه مروان ده... لو ينفع أقت*له وأقطّ*عه، أنا هعمل كده."

كان بيحاول يتحكم في غضبه، بس نبرته كانت بتنفضحه. أخذ نفس عميق، مسح وشه بكفه، وكمل بصوت أخف لكنه ما زال محمل بالغضب:

"بس عشان المهمة، لازم إحنا الاتنين نتصرف كأننا ما نعرفش أي حاجة خالص... كأن حد غريب هو اللي أنقذكِ، وأنتِ، ما شفتيش مروان أصلًا، ولا هتشوفيه تاني!"

قرب منها خطوة، نظره كان حاد ومباشر، كأنه بيحفر كلماته في عقلها.

"أنا عايزك ما تطلعيش قصاده نهائي، ولا يشوفك بعد كده! وبعد كده، لا تتحركي خطوة، ولا تعملي أي حاجة من غير ما تيجي تقولي لي أنتِ هتعملي إيه!"

وقف لحظة، عيونه كانت بتراقب ملامحها، بتحاول تستوعب اللي بيقوله. شدد على كلامه بصوت أوضح:

"دي تاني مرة تعرضي نفسك للخطر! أول مرة كان موقف الحمام، ودلوقتي؟ كنتِ هتضيعي نفسك!"

عينه كانت مليانة حاجات كتير، خوف، غضب، إحساس بالذنب، ومسؤولية تقيلة على كتافه. قرب منها أكتر، نبرته بقت أخف لكنها محملة بمعنى أعمق:

"أنتِ أمانة... أمك أمنتني عليكِ، وأنا قلت لها ليلى في أمان، ولازم أكون قد كلامي!"

سكت لحظة، عيونها كانت ثابتة في عيونه، كأنها وعد صامت إنه مش هيسمح للي حصل يتكرر... أياً كان الثمن.

أركان وقف تحت الدش، الميا الباردة كانت بتغسل جسده لكن مش قادرة تغسل أفكاره. عينيه كانت مشوشة من كل اللي حصل مع ليلى. اللحظات اللي قضاها معها كانت غريبة عليه، مشاعر مش قادر يشرحها لنفسه. كان يحاول يطرد صورة ليلى من دماغه، لكن مهما حاول، كانت عينيها تظل تلاحقه، والصوت الهادئ اللي كان بيقول له "أنا بحبك" ما زال بيرن في أذنه.

حاول أن يركز في المية الباردة اللي بتنزل عليه، لكن مش قادر. قلبه كان بيخفق مش عارف ليه. أكيد ده مش طبيعي. ليلى، الفتاة اللي كان شايفها مجرد أداة في المهمة، دلوقتي بقت جزء من مشاعره اللي مش قادر يفرزها. ليلى، اللي كانت دايمًا في باله كجزء من اللعبة، دلوقتي قلبه كان بيخفق لما افتكر ابتسامتها، لما بص ليه بعينيها في لحظة ضعف. مش عارف هو حس إيه بالضبط، بس كان أكيد مش زي الأول.

"يا ترى ده حب؟ ولا مجرد تعاطف؟" سأل نفسه وهو يقف تحت الدش، الميا زي ما هي، ما بتغسلش اللي جواه.

وعيناه اتجهت لصور يارا في دماغه، الفتاة اللي طالما كانت في قلبه. يارا بنت عمه، كانت دايمًا هي اللي في باله، هو كان متأكد إن حبه ليها ما انتهيش، لكنها كانت بعيدة، مش قادرة تكون في حياته بالشكل اللي هو عايزه. لكن ليلى، مع كل المواقف اللي مروا بيها، بدأت تخلخل القشرة اللي حوالين قلبه، هو كان بيشوفها بشكل مختلف. بس ازاي ده؟ هو كان بيحب يارا! ليلى كانت مجرد جزء من مهمة، هل دي مشاعر حقيقية؟ ولا ده كان مجرد اندفاع؟

حس بشوية دموع نازلة من عينيه وهو بيشوف صورة يارا قدامه، كأنها كانت تجذب منه كل جزء من قلبه. لكن دلوقتي، ليلى، عيونها كانت بتذكره بحاجة غريبة، حاجة مش قادرة يفسرها. "إيه اللي بيحصل لي؟" فكر بصوت منخفض.

هو كان في حرب مع نفسه. عايز يركز في مهمته، عايز ينسى مشاعر ليلى، عايز يرجع ليارا، بس في نفس الوقت، قلبه مش قادر يبعد عن ليلى. هو ما كانش مستعد لحب زي ده، مش مستعد للارتباك ده في حياته. لكن الموقف ده، اللي اتعرض له مع ليلى، خلاه يفكر في حاجات كتير.

وهو لسه واقف تحت المية، بدأ يحس بحرارة من نوع آخر، حرارة داخلية مش قادر يوقفها، مش قادر يفهمها. "إزاي ده يحصل؟" قالها بصوت مبحوح وهو بيغلق عينيه، معترفًا لأول مرة في حياته إنه مش قادر يهرب من مشاعره.

كانت قاعدة على السرير، ماسكة هدوم بإيدها، عينيها مثبتة في الأرض. أول ما خرج من الحمام، رفعت رأسها بسرعة وبصت له للحظة، بس ملامحها كانت متوترة. هو ما قالش حاجة، مجرد عدى جنبها وراح ناحية الدولاب، وهي بسرعة قامت ودخلت الحمام.

أركان وقف لحظة، سمع صوت المية وهي بتشتغل، سحب نفس عميق ومسح على وشه بإيده. حس بضغط غريب في صدره، اللي حصل كان لسه مأثر عليه، مش بس الموقف نفسه… لأ، إحساسه وهو قريب منها، وهو شايفها بالحالة دي. زفر بصوت واطي وهو بيحاول يشتت دماغه، لكن عقله كان شغال زي الشريط اللي بيرجع الأحداث ويفكر في حاجات ما كانش لازم يفكر فيها.

قعد على طرف السرير، ظهره للحمام، حاسس إنها لما تخرج هتفضل محافظة على المسافة بينهم، زي ما هو كمان مضطر يحافظ عليها. اللي حصل مش ممكن يتكرر، لازم يفضل مركز، دي مجرد مهمة… وهو ماينفعش يتشتت أكتر من كده.

ليلى خرجت من الحمام، وشعرت بشيء غريب في قلبها. عيونها لمحت أركان وهو جالس على السرير، ظهره موجه ليها، كأن الموقف اللي حصل بينهما خلقت حاجزًا نفسيًا بينهم. كانت دايمًا بتروح تنام في حضنه قبل كده، دايمًا كانت تحس بالأمان فيه. لكن دلوقتي، بعد كل اللى حصل، كل شيء اتغير.

حاولت تتحرك وتروح تنام ، لكن دلوقتي حتى الخطوة دي كانت صعبة. مشاعر الخجل كانت بتطغى على قلبها، وما كانتش عارفة تتصرف إزاي.

أما أركان، فكان قاعد على السرير، وراسه منخفضة. رغم إنه كان عايش في صراع داخلي، لكنه شعر بحاجة غريبة. كان خايف من اللحظة دي. كان عارف إن كل شيء تغير، وكان مش قادر يتخيل نفسه بيحاول يتهرب من ليلى بعد ما كانت جزء من حياته اليومية. دلوقتي، هو حس إن مشاعر الخجل بدأت تطغى عليه زي ليلى، لكنه حاول يحافظ على المسافة.

في النهاية، ما حصلش مثل كل الأيام اللي فاتت. كل واحد قاعد في مكانه، مش قادرين يقتربوا زي الأول. كان واضح أن المسافة النفسية بينهم ما بقتش بس مسافة جسدية.

الصبح طلع، بس الليلة دي ما كانتش زي أي ليلة قبلها.

على السرير الضيق، كل واحد كان نايم في جنب، بعيد عن التاني قد ما يقدر. أركان كان ضهره ليها، عينه مفتوحة، بس ملامحه متحجرة، كأنه بيجبر نفسه إنه ما يفكرش. أما ليلى، فكانت حاسة إنها مشلولة، رابطة جسمها بتحكم غريب بتمنع جسدها يتصرف بتلقائيته المعتادة عقلها كان بيشد اللجام، يمنعها إنها تتهور، إنها تدي لنفسها الحق إنها تقرب.

لما فتحت عينيها، مش قادرة تحدد، هي نامت فعلًا ولا كانت طول الليل بتصارع نفسها؟ كانت بتحاول تقنع عقلها إن جسمها مش هيتحرك نحوه، مش هيدور على الدفا اللي متعودة عليه 

بس لقت نفسها في نفس الوضع اللي نامت بيه،كانت حاسة بجسمها متشنج، كأنها مربوطة بحبال غير مرئية، مش قادرة تتحرك ولا تفرد عضلاتها حتى. أطرافها باردة، نفسُها محبوس في صدرها، ومعدتها معقودة بخوف مش مفهوم. أطرافها متيبسة،  . بصت قدامها، ناحية ضهر أركان، ملامحه ما كانتش باينة.

ليلى قامت من مكانها وهي لسه مش مستوعبة إحساسها الحقيقي، لا عارفة هي نامت فعلاً ولا فضلت تصارع نفسها طول الليل. راحت المطبخ، حضّرت الفطار بسرعة، وحطّته على الترابيزة قبل ما تخرج فورًا من الأوضة متجنبة تمامًا إنها تبص في اتجاه أركان. كانت محتاجة تبعد، تتشغل بأي حاجة تلهي عقلها عن التفكير في اللي حصل.

دخلت الفيلا، وبدأت شغلها كأن الليلة اللي فاتت ما كانتش موجودة أصلاً. وأثناء ما كانت منهمكة في تنظيف السفرة، فجأة سمعت صوت أسماء من وراها:

أسماء بمرح: "ده عفريت اللي واقف قصادي ده ولا إيه؟ يا بنتي مش انتي خبطتك عربية؟ المفروض ما تعرفيش تتحرك!"

ليلى بابتسامة خفيفة: "عُمر الشقي بقى… وبعدين كانت خبطة بسيطة، أنا أصلاً مش فاكرة حاجة. كل اللي فاكراه إني فتحت عيني لقيت سعيد قصادي في المستشفى، وبعدها جيت هنا. والله حتى العربية اللي بيقولوا خبطتني دي ما شُفتها!"

أسماء وهي ترفع حاجبها بتفكير ومرح: " يمكن فقدتي الذاكرة، بس فاكراه إزاي وفاكراه سعيد إزاي؟ يبقى أكيد فقدتي ثواني بس من الذاكرة!"

ليلى بضحكة خفيفة وهي تكمل شغلها: "حاجة زي كده!"

لكن بعيدًا عن ضحكتهم، كان في حد واقف بيسمع كل كلمة… مروان.

كان واقف على بُعد خطوات، عيونه متضايقة ومليانة غضب. حط إيده على راسه وهو يحاول يفتكر اللي حصل، بس عقله كان فاضي… كأن حد مسح جزء من ذاكرته. حاول يركّب المشهد، رجّع كاميرات المراقبة، بس كل اللي شافه كان اللحظة اللي كان بيهجم فيها على ليلى… وبعدها فجأة كان هو واقع على الأرض! المشهد اللي في النص، اللي فيه حد ضربه، كان مفقود… كأن حد حذفه بمهارة شديدة.

مين ممكن يعمل حاجة زي كده؟ وليه؟

ما كانش فاهم، بس الحاجة الوحيدة اللي كان متأكد منها… إنه مش هيسيب ليلى تهرب منه تاني. المرة دي، هيخد اللي هو عايزه… بأي طريقة.

مروان وهو بيراقب ليلى من بعيد، ابتسامة خبيثة ارتسمت على وشه:

"كويس… كويس إنها مش فاكرة حاجة."

حط إيده على رأسه وهو يحاول يسترجع اللي حصل، بس عقله كان ضايع… كأنه فيلم ناقص منه أهم مشهد. افتكر نفسه وهو بيقرب منها، ابتسامتها اللي كانت مليانة خوف، إيده وهي بتتحرك ناحيتها… وبعدها؟

فراغ.

كاميرات المراقبة ما جابتش غير اللحظة اللي كان بيهجم عليها، وبعدها فجأة كان مرمي على الأرض. المشهد اللي في النص، اللي فيه حد ضربه، كان ناقص… كأن حد مسحه بعناية.

حلقه ناقصه هو هيكتشفها 

لكن الأهم من ده كله… ليلى.

هي ما شافتش حاجة، أو على الأقل مش فاكرة. وده كان أحسن سيناريو ممكن يحصل. لإنه مش هيسيبها تفلت منه المرة دي.

المرة دي، هيكون كل شيء تحت سيطرته.

مروان في نفسه وهو بيضيق عينيه:

"طب نروح نشوف جوزك ده عارف حاجة ولا مغفل زي ما باين عليه؟"

ابتسم ابتسامة جانبية وهو بيتقدم ناحية أركان، أركان كان واقف قدام مروان، جسمه متشنج، كل خلية فيه بتصرخ غضب، بس ملامحه… باردة، متماسكة، ما ينفعش دلوقتي يكشف اللي جواه.كان عايز يفتك بمروان، يدفنه في مكانه، بس لا… مروان مش لازم يعرف إنه عارف، مش لازم يحس إنه مكشوف. المهمة فوق أي حاجة. ما ينفعش تبوظ قبل ما تبتدي

أركان بصله بنفس البرود المعتاد، وصوته كان هادي

مروان وقف قدامه، حاطط إيده في جيبه، وبص له بنظرة مليانة ريبة:

"إزيك يا سعيد؟"

أركان رفع عينه ببرود، بص له نظرة محسوبة، لا ودودة ولا عدوانية، مجرد نظرة فارغة زي أي بواب مالوش في المشاكل:

"الحمد لله، تحت أمرك."

مروان ابتسم بخبث:

"قول لي بقى… مراتك لقيتها فين؟"

أركان ما تغيرش تعبيره، ولا رمش حتى، صوته كان هادي، ثابت كأنه مش شايف اللي قدامه:

"في الشارع، زي ما قالوا، حد شافها رن عليا من تليفونها وقال لي ان عربيه خبطتها وانا اخذتها ورحت المستشفى واستنيت لحد ما بقيت احسن وجبتها وجيت."

مروان قرب خطوة، صوته بقى أهدى، بس نظرته بتدور على أي تلميح، أي حاجة تكشفه:

"غريبة، يعني مش مستغرب هي إزاي كانت في الشقة وبعدين ظهرت في الشارع عربيه خبطها؟"

أركان عمل نفسه بيفكر لحظة، وبعدين هز كتفه بلا مبالاة:

"والله معرفش المهم إنها بخير."

مروان حرك لسانه جوه بقه، عينه لسه بتحلل أركان، لكن مفيش أي خطأ، تصرفاته وتصريحاته طبيعية تمامًا… طبيعية واضح انوا مش عارف حاجه فعلا.

وقف أركان في مكانه، عينيه مسلطة على ظهر مروان وهو بيبعد عنه بخطوات هادية. من بره، شكله كان ثابت، هادي، مجرد بواب عادي بيشوف صاحب الفيلا بيخرج من الجنينة، لكن من جواه… كان الإعصار شغال.

إيده تشدت لا إراديًا، أصابعه تقبضت وكأنها بتلف حوالين رقبة مروان في خياله، أسنانه كانت بتضغط على بعض بقوة لدرجة إنه حس بالألم في فكّه. لو مشدش نفسه، لو سيب لنفسه ثانية واحدة بس… كان هيهجم عليه زي أسد شاف فريسته.

الفكرة إنه مش بس شاف مروان بيحاول يمد إيده على ليلى… دي مراته. حتى لو مشاعره لسه متلخبطة، حتى لو جزء منه لسه مقتنع إنه مجرد دور، في حاجة جواه اتحركت. يمكن فطرة، يمكن إحساس بالمسؤولية، يمكن كرامته كرجل، لكن الأكيد إن الدم اللي فار في عروقه مكانش مجرد غضب، كان حاجة أعمق بكتير.

حبس أنفاسه، لازم يسيطر… المهمة ما زالت شغالة، ولو كشف نفسه دلوقتي، كل حاجة هتنهار. ابتلع غضبه، حرك كتفه كأنه بيتخلص من التوتر، ووقف مكانه… كأنه مجرد بواب بيتابع صاحب الفيلا وهو بيختفي عن نظره.

بس هو عارف… وعارف كويس جدًا إن اللي حصل النهارده، مش هيمر كده.

ـــــــــــــــــ$ـــــــــــــــ

بعد مرور فترة مش صغيرة ولا كبيرة، كل حاجة اتغيرت.

أركان بقى يطلع معاهم المهمات، كل واحدة مختلفة عن التانية، أماكن مختلفة، أشخاص مختلفين، خطط جديدة كل مرة. كان موضوع كبير، لعبة معقدة وهو كان داخلها خطوة خطوة، لحد ما يفهم القواعد، إمتى بياخدوا القرار، إزاي بيخططوا لكل حاجة، وإيه السر ورا النظام الدقيق ده.

بس الحاجة اللي ما كانش متوقعها، إن وجود ليلى هيكون فرق معاه بالشكل ده. البنت اللي ما كانش عايزها معاه أصلاً، اللي حاول يبعدها عن المهمة بكل الطرق، طلعت أكتر حد مناسب للشغل ده. مش بس كده، دي كانت أكتر حد مناسب ليه هو شخصيًا.

أركان افتكر إنه في الأول كان شايف يارا الأنسب، لكن بعد كل اللي شافه، عرف إنها ما كانتش هتستحمل خُمس اللي ليلى استحملته. ليلى كانت مكافحة، صبورة، مش شكّاية، بتعمل أكتر من طاقتها وبتتحمل فوق اللي أي حد ممكن يتحمله. بتعرف تتعامل مع كل الناس، ذكية، مابتتصرفش بتهور، ودايمًا بتركز في الهدف. مش بس كده، دي ما عملتش له مشكلة ولا مرة، بالعكس، كانت دايمًا حل مش عقبة.

وبعيدًا عن الشغل، ليلى بقت جزء من حياته من غير ما ياخد باله. الأكل اللي كانت بتعمله، كان بيحس فيه بكمية حب غريبة، مابقاش قادر ياكل من إيد حد غيرها. وجودها كان بيهون عليه، يخليه يحس إنه مش بعيد عن أهله، وإنه مش لوحده. وعلى قد ما كان متحفظ معاها، وعلى قد ما كانوا عاملين حدود واضحة بعد اللي حصل بينهم آخر مرة، إلا إنه مقدرش ينكر… إن في حاجة جواه اتغيرت ناحيتها.

كان دايمًا بيقنع نفسه إنها مجرد شريكة في المهمة، إنها بس بتسهل عليه الشغل، لكن الحقيقة… إنه مش بس متعود عليها، هو بقى محتاجها.

هي اللي بتشوف التعب في عينيه قبل ما يتكلم.

هي اللي بتعرف هو غضبان من غير ما يبان عليه.

هي اللي بتبقى جنبه حتى من غير ما يطلب.

ومع كل يوم بيعدي، كان عارف إنه مش مجرد "اعتياد" أو "ارتباط بالشغل". كان فيه حاجة تانية… حاجة مش مستعد يعترف بيها، ولا حتى لنفسه.

ــــــــــــــــــــ

في أوضه اركان وليلي 

ليلي واقفة عند الشباك 

فوزية (بقلق): "يا ليلى، انتي وحشتيني.. إزاي يا بنتي ما تقدريش تيجي تشوفيني؟ طب قولي لي مكانك وأنا أجيلك."

ليلى (بتوتر وبحزن، بتحاول تخبي الحقيقة): "ماما، صدقيني والله غصب عني.. شغل أركان صعب، وما فيش وقت.. هو حتى  رافض إني أجي لوحدي."

فوزية (بإصرار): "طب أجي لك أنا!"

ليلى (بسرعة تحاول تقطع عليها الفكرة): "مش هيرضوا يدخلوكي، شروط المكان هنا كده."

صمت لحظة.. صوت نَفَس أمها واضح من التليفون، كأنها بتحاول تستوعب الكلام.

فوزية (بغضب): "ده شغل إيه ده بقى؟ دا لو بيتاجر في المخ*درات مش هيبقى كده! أنا عايزة أشوفك، !"

ليلى (بابتسامه وهي بتحاول تطمن مامتها): "والله يا ماما ما تقلقيش عليا انا كويسه وبخير وزي الفل ومبسوطه ما تخافيش انت عارفه بنتك انا لو في حاجه هقول لك مش هخبي عليكي.."

فوزية (بحزن): "طب إمتى؟ إمتى أشوفك؟"

ليلى (بهمس وخوف من ردت فعلها): "بعد سنة..."

فوزية (بصدمة): "إنتي بتقولي إيه يا ليلى؟ سنة كاملة؟! لا، مش طبيعي.. في حاجة غلط، احكي لي يا بنتي، لو في أي حاجة مش مرتاحة ليها قوليلي."

ليلى (بتسرع تحاول تهرب من الكلام): "ماما، لازم أقفل عشان الحق اعمل العشاء لاركان قبل ما يجي من الشغل.. سلميلي على أميرة، وهكلمك بعدين."

فوزية (بصوت مهزوز، في سرها وهي بتحس إن بنتها مش بخير): "ربنا يسترها عليكي يا بنت بطني..."

تقفل ليلى المكالمة، تحاول تاخد نفس، تمسح دموعها بسرعة 

أركان كان شايفها وهي بتكلم مامتها، كان عارف إنها مستحملة كتير، بس هي بجد قوية، وكل يوم بتثبت له ده أكتر.

 ليلى كانت بتتكلم بحماس، بتحرك إيديها بطريقة عفوية وهو بيتابعها من غير ما يقاطعها.:"أركان، عايزة أحكيلك عن حاجة سمعتها النهاردة في الفيلا!"

أركان (بهدوء): "قولي يا ليلى، سمعتي إيه؟"

ليلى (بتتكلم بحماس وهي بتقعد جنبه): "النهاردة وأنا بنظف مكتب صلاح، سمعته بيتكلم مع أمريكان! كانوا بيتكلموا إنجليزي كده، طبعًا أنا مش فاهمة الإنجليزي بتاعهم، بس حاولت أتصرف.."

أركان رفع حواجبه باهتمام، وبدأ يركز معاها أكتر.

ليلى (بتفخر وهي بتضحك): "وسجلت الصوت على التليفون اللي أنتم مديهوني.. اللي من أيام الهكسوس ده!"

مدت له التليفون وهي بتتكلم بثقة، تحس إنها بتعمل حاجة عظيمة.. وهو فعلاً بدأ يشوفها بشكل مختلف، بقت ذكية أكتر، أسرع في رد الفعل، بتتعلم.. حتى وهي بتتكلم بتلقائية، هو شايفها بقت مختلفة.

أركان (وهو بياخد التليفون)

قبل ما يفتح التسجيل، سمع خبط على الباب.. ليلى قامت بسرعة وهي بتعدل طرحتها، وكأنها مستعدة من قبل ما الباب يخبط.

ليلى (وهي بتلبس جزمتها بسرعة): "أنا هطلع أقعد مع أسماء شوية."

أركان بص لها بنظرة عادية، لكنه ما كانش مستغرب القعدة مع أسماء بقت شيء أساسي في اليوم.. فضل ساكت، لكن في باله كان بيقول: "آهي.. قعدتها مع أسماء دي هي اللي هتهبلها أكتر ما هي هبلة."

وبينما هي خارجة، كان لسه عينه عليها.. مش عارف ليه، بس بقى مهتم بكل تفاصيلها، حتى الحاجات الصغيرة اللي كانت زمان تضايقه، دلوقتي بقت.. مش فارقة، يمكن حتى عاجباه؟!

كانت ليلى قاعدة مع أسماء في الجنينه، مسكين الآيس كريم وبيأكلوا منه بشهية، الجو كان لطيف، بس كلام أسماء قلب الجو فجأة.

أسماء (وهي سرحانة):

"بت يا هنيه.. الشقة اللي كنتِ هتنظفيها.. كانت في المعادي، صح؟"

ليلى رفعت حواجبها باستغراب وهي بتاكل ببطء، صوت أسماء كان غريب، مش مجرد سؤال عابر.

ليلى بسخريه:

"آه.. بتفكريني ليه؟ ده كان يوم أسود من أوله! يوميها كنت صاحية متفائلة وعندي حماس ، ما هو ما كانش ينفع الواحد يبدأ يومه بتفاؤل وضحك.. الضحك مش للي زينا!"

ضحكت ضحكة خفيفة وهي بتحاول تهون، بس أسماء كانت مركزة في حاجة تانية تمامًا.

أسماء (بحذر):

"أصل الموضوع ده.. الفار بيلعب في نافوخي. حاسة إن العقرب.. جوزي ليه علاقة بالموضوع!"

ليلى حسّت قلبها بيرفرف فجأة، ابتسامتها راحت، بس حاولت تبين إنها مش فاهمة حاجة.

ليلى (بتصنع):

"إزاي يعني؟"

أسماء (بصوت منخفض وملامح جدية):

"مش هقول لك كده عشان أخوفك.. بس الصراحة.. هو مش مجرد شكي، أنا ملاحظة من فترة إنه بيبص لك بنظرات مش كويسة. وحاسه.. بيخطط لحاجة."

ليلى حسّت برجفة باردة في ضهرها، بس حاولت تفضل هادية.

ليلى (بتوتر):

"متخوفنيش بقى."

أسماء (بحزم):

"مش بخوفك، بس بقول لك خلي بالك. وما تقلقيش، أنا هراقبه، ولو فكر بس يأذيكِ.. أنا اللي هقف له! هو ما يعرفش مين هي أسماء."

ليلى بصت لها، بحب وفجأة حضنتها بقوة.

ليلى (بابتسامة ):

"أيوه يا أبو الصحاب.. يا جامد إنتِ!"

لكن رغم الحضن والكلام، كانت ليلى حاسة بخوف خفي جوه قلبها.. حاسة إن في حاجة مش مطمئنة، وإن اللي جاي مش سهل.

ـــــــــ&ـــــــــ

كان صباح جديد، بس مش صباح عادي. أركان كان قاعد في مكانه المعتاد عند البوابة، بيشرب القهوة السادة اللي بقت روتينه الصباحي، عينه كانت سارحة في اللا شيء.. بس فجأة، رفع راسه، والمشهد اللي شافه خلاه ينسى كل حاجة.

ليلى.. جاية ناحيته، بس شكلها كان صادم! بطنها كبيرة جدًا، وكأنها حامل في شهورها الأخيرة.. والمصيبة إنها ما كانتش لوحدها، عبد الحق كان ماشي جنبها عادي جدًا، وكأن ده مشهد طبيعي.

أركان حسّ بشيء بارد بيجري في عروقه، وقف بسرعة، نظره متعلق بليلى اللي كانت بتتحرك بخطوات بطيئة، وكأنت مش قادرة تمشي.

ليلى:

"سندني، سعيد.. مش قادرة أمشي."

أركان لف عينه ناحية عبد الحق، نظرته كانت كلها استفهام واستنكار.. إيه اللي بيحصل؟!

أركان (بحدة):

"إيه ده؟"

عبد الحق ضحك بهدوء مستفز، وكأنه كان مستني رد الفعل ده بالضبط.

عبد الحق:

"المفروض تكون اتعودت وفهمت، إيه ده!"

أركان حسّ بشرارة غضب في جسمه، قرب من عبد الحق، صوته كان مليان تهديد.

أركان:

"الشغل يبقى في كل حاجة، بأي طريقة.. إلا مراتي! انت عارف لو جرالها حاجة إيه اللي ممكن يحصل؟"

عبد الحق ضحك تاني، وكأنه بيحاول يستفزه أكتر.

عبد الحق:

"ومن إمتى في شغلنا حاجة بتحصل؟ انت عارف إن شغلنا عامل.."

أركان (مقاطعًا بسرعه بصوت مشحون بالغضب):

"زي شعرة من العجينة! بس أنا مش هخاطر بيها."

عبد الحق (بهدوء قاتل):

"لو عندك اعتراض، روح قوله للحاج.. هو اللي طلب كده، أنا عبد المأمور."

أركان كان بيغلي من جوه، عيناه كانت متعلقة بليلى اللي ملامحها كانت هادية جدًا.. أكتر من اللازم.

عبد الحق مكمل "ونص ساعة.. ونخلص الموضوع! 

اركان (بعصبية، وهو بيضغط على أسنانه): "أنتم هتتعودوا على كده؟"

عبد الحق قرب منه خطوة، صوته كان منخفض لكنه مليان تهديد.

عبد الحق:

"سعيد.. لم نفسك، ما تنساش انت بتكلم مين! ما حدش يقدر يرفض أوامر الحاج، ولو مش عاجبك، الباب يفوّت جمل. بس قلت لك ما تخافش، هنعدي بيها بس من حكومة القاهرة على الحدود، رايحة تولد بسلامة. ولو عايز تاخدها تتفسحوا يومين، خدها يا عم، اجازة على حسابي!"

أركان كان بيحاول يسيطر على نفسه، كل خلية في جسمه كانت بتصرخ إنه يمسك عبد الحق ويوريه الفرق بين التهديد الحقيقي والاستفزاز السخيف اللي بيعمله.. بس قبل ما يتحرك، حسّ بإيدين صغيرة بتتمسك بإيده بإحكام.

ليلى.. كانت بتبص له، نظره هو فاهمها كويس كانها بتقول له عشان خاطر المهمه.

ليلى (بصوت هادي لكنه حاسم):

"يا سعيد، ما فيش حاجة.. ما تخافش، هم أكيد لو الموضوع خطر، ما كانوش ودّوني."

أسماء كانت معدية في الوقت الغلط.. أو يمكن الوقت الصح، لو حسبناها من ناحية التريقة والضحك اللي ماليها من ساعة ما شافت ليلى بالمنظر ده!

أول ما عينيها وقعت على بطن ليلى، وقعت على نفسها من الضحك، بقت تشاور على أركان وليلى وهي مش مصدقة!

أسماء (وهي بتضحك بصوت عالي):

"عملتوها إزاي يا ولاد الذين دي؟! أنا مش سايباكي امبارح فاضية، إزاي أجي ألاقيك الصبح مليانة وهتولدي؟! ده الزمن بقى سريع أوي!"

ليلى كانت متوترة أصلًا، ومش ناقصة أسماء.. مدت إيدها وضربتها على دراعها بخفة، صوتها كان مليان إحراج.

ليلى:

" بس، يا أسماء!"

لكن أسماء كانت مصممة تكمل الهزار، ضحكت أكتر وهي بتبص لأركان اللي كان واقف متشنج، عينيه بتلمع بالغضب المكبوت.

أسماء بضحك:

"إنتوا بتلعبوا ولا إيه؟"

ليلى (بتكشر وبتحاول تهرب من النقاش):

"لأ، رايحة شغل."

لكن اللحظة دي كانت كفاية تخلي عقل أسماء يشتغل.. عينها راحت على عبد الحق، والقلق بدأ يتسلل لجسمها. عبد الحق.. هنية.. وشغل؟! يبقى مخدرات؟!

نظرت له بعصبية، صوتها كان مليان شك.

ليلى:

"إنتوا من إمتى شغلكم بيدخل في ستات؟! ومش أي ستات.. ستات من البيت كمان!"

عبد الحق لف لها بنظرة زهق، كأنه كان متوقع الأسطوانة دي.

عبد الحق (ببرود):

"يادي أم الأسطوانة اللي مش هتخلص! خشّي جوه، يا أسماء، وما تتدخليش في الشغل."

أسماء رفعت حواجبها، لكنها استجابت وهي بتبص لليلى نظرة معناها "هنرجع للكلام ده بعدين". أما ليلى، فكانت واقفة مكانها، حاسة إن كل حاجة حوالينها بقت مربكة أكتر مما توقعت.

ليلى كانت ماشية بصعوبة، التعب ظاهر على ملامحها، همست لأركان بصوت واطي وهي بتحاول تتحرك بالـ"بتاع" اللي مربوط على بطنها:

ليلى (بهمس وتعب):

"أركان.. البتاع اللي على بطني ده تقيل أوي، ضهري هيتكسر.."

بصت له بعيون شبه عيون القطط، فيها لمعة استجداء، لكنها بسرعة غيّرت نبرة صوتها لحاجة شبه الهزار.. بس فيها توتر مخفي.

ليلى:

"هو أنا لو اتقفشت دلوقتي، انت هتطلعني، مش كده؟"

أركان بصّ لها بغيظ، ملامحه مش مبسوطة خالص من الموقف اللي هم فيه.

أركان (بتأفف):

"لأ، هديكي مؤبد.. عشان تبقي تسمعي الكلام وتعملي اللي يتقال لك عليه. مش أنا قلت لك بعد كده ما تعمليش أي حاجة غير لما ترجعي لي الأول؟"

ليلى:

"يوه بقى، يا أركان.. حتى لو كنت رجعت لك، كنا هنعمل اللي هو عايزه برضه عشان المهمة، فما فرقتش كتير، بقى!"

أركان بصّ لها نظرة طويلة، كان فاهم هي بتحاول تخفف التوتر بس هو مش قادر يبلع إنها كل مرة تحط نفسها في مواقف زي دي.. بس كان برضه مش قادر ينكر إنها قوية، ومهما حاول يبعد مشاعره عنها، لسه كل حاجة فيها بتحرك جواه حاجة مش عايز يعترف بيها.


زواج في الظل البارت ال ١٢

أركان كان ماشي بخطوات سريعة، عينيه في الطريق، وذهنه لسه مشغول باللي بيحصل.. فجأة، صوت ليلى قطع تفكيره.

ليلى (بتنادي على عبد الحق اللي كان سابقهم شوية):

"هو احنا هنروح القاهرة مشي ولا إيه؟!"

عبد الحق ضحك ضحكة صغيرة وهو بيكمل مشيه:

"خلاص قربنا، عربية الإسعاف مستنيانا آخر الطريق."

ليلى بصّت قدامها ولقت الطريق طويل، بعيد، ولاحظت إن العربية مش باينة أصلاً في آخره.. حطت إيدها على صدرها بصدمة، وبعدها قالت بصوت مذعور:

ليلى:

"يا لهوي!! كل ده!!"

التفتت لأركان بسرعة، وعيونها الواسعة بقت زي عيون القطط المغمضة شوية وهي تبص له بنظرة كلها دهاء.. وبعدها قالت بنبرة حالمة كأنها طفلة بتطلب حاجة ببساطة:

ليلى:

"شلني."

أركان وقف فجأة، وبص لها بنظرة مش مصدق.. رفع حاجبه ببرود:

" نعم ؟"

ليلى (بتبتسم ببراءة وبمرح وهي بتهز كتفها):

" ما هو اللى في بطني ابنك"

أركان نفخ بضيق، وبعدها فجأة ميل وشالها ، كانت حركته أسرع وأقوى، كأن فيها انتقام صغير.. ليلى شهقت، وبعدها غمضت عينيها بحماس وهي بتضحك بخبث.

ليلى (وهي بتلف دراعها حول رقبته بخفة):

"أهو كده.. بجد مش عارفة أنا كنت عايشة إزاي قبل ما تتجوزني!"

أركان شدد إيده عليها شوية وهو بيهمس جنب ودنها بصوت منخفض، فيه تحذير ونبرة خفيفة من التهديد:

أركان:

"عيشي عارفة إنك لو لسه بتلعبي بالنار، النار هتولّع فيكي قريب."

بس ليلى، كالعادة، ما كانتش بتخاف.. وكانت متأكدة إنه مهما هددها، عمره ما هيأذيها.. بالعكس، هو أكتر حد ممكن يحميها، حتى منها هي نفسها.

أول ما قربوا من الكمين، عبد الحق ميل ناحية ليلي وهمس له بتحذير:

عبد الحق :

"اول ما اقول لك صوتي.. تصوتي!"

وفعلاً، قبل ما حتى يقربوا منهم، ليلى بدأت تصرخ وتنوح كأنها فعلاً هتولد في لحظتها، كانت ماسكة بطنها وبتتأوه بطريقة درامية، والضباط اللي في الكمين اتوتروا وهم بيبصوا لبعض.

لكن وسط كل ده، كان فيه ظابط شايف إن الموضوع مش داخل دماغه، قرب منهم وبص بتركيز، وبعدها قال بنبرة شك:

الظابط:

"حالتها خطر؟ جايبينها من الصعيد تولد في القاهرة؟"

بعدها مد إيده ناحية ليلى عشان يفتشها أو يتأكد من حالتها، بس قبل ما يلمسها حتى، فجأة لقوا أركان بيمسك إيده بقوة، وبنبرة عصبية حادة مليانة غيرة، قال له:

أركان:

"بتحط إيدك على مين؟ دي مراتي!"

الظابط اتفاجئ من رد الفعل، وبص لأركان بشك، لكن قبل ما يرد، عبد الحق حاول يلم الموضوع بسرعة قبل ما يتحول لخناقة، ضحك ضحكة متوترة وقال للظابط وهو بيهدي الموقف:

عبد الحق:

"معلش يا باشا، أصله بيحب مراته أوي، وهي حالتها خطر، دي بتولد من إمبارح بالليل!"

الظابط حط إيده على وسطه وبص لهم بتمعن، وبعدها قرر إنه مش هيسيب الموضوع يعدي بسهولة، قرب من العربية وقال بصوت حاسم:

الظابط:

"نزّل يا ابني الناس اللي في العربية دي.. وهات لي الأستاذ أبو دم حامي ده!"

ثم، وبحركة سريعة، مسك أركان من ياقة الجلابية اللي كان لابسها، وقال له بسخرية:

الظابط:

"تعالى لي يا حلو.. أنت!"

ليلى بصت لأركان برعب، وحست إن الموضوع ممكن يقلب بجد، أما عبد الحق فكان بيكتم غيظه وهو بيحاول يلاقي طريقة للخروج من الموقف بأقل خسائر ممكنة.

وووو نكمل البارت السابع 

رايكم هيفرحني 

اللهم أرحم موتانا وموتى المسلمين اجمعين


الكاتبه ياسمين عطيه 

البارت ال١٣

زواج في الظل 

أركان كان لسه في حالة صدمة من اللي حصل، مش مستوعب إن الظابط اللي مسكه من ياقة الجلابيه وحسس الجميع إنه بيعاقبه، كان في الحقيقة بيسلمه رسالة من والده. حرك إيده ببطء ناحية جيب الجلابية، لمس الجهاز الصغير اللي اتحط له، وعقله بدأ يشتغل بأقصى سرعته، لكن قبل ما يلحق يفكر في أي حاجة، عيونه سقطت على ليلى.

كانت واقفة مش بعيد، وشها أحمر من الغضب، وعينيها مليانة دموع، كانت شايفة كل حاجة حصلت، شايفة القلم اللي أركان "اتضربه" واللي في نظرها كان حقيقي، شايفة التوتر في ملامحه

 الضابط وهو بيبص لها وبيقول بجملة قصيرة بس معناها تقيل:

الظابط:

"شكلها بتحبك."

أركان بص لليلى للحظة، ملامحها كانت بتصرخ بكل مشاعرها من غير ما تنطق، وبعدها اتحرك ناحيتها وهو بيحاول يخفي أي أثر للخبطة اللي حصلت. أول ما قرب، ليلى مدت إيديها بسرعة ولمست وشه بحنية وعصبية في نفس الوقت، قلبها كان بيتخبط في ضلوعها، ولما حست بأثر الضربة، شهقت وقالت بصوت مليان زعل وانفعال:

ليلى:

"ض*ربك؟!"

كانت لسه هتكمل، لكن فجأة صوتها علي واتحول لصراخ وهي بتزعق:

ليلى:

"يا ابن الـ...!"

كانت خلاص هتكمل الشتيمة وتقول كلام من العيار التقيل للظابط، لكن أركان بسرعة حط إيده على بقها، وعيونه كانت بتنطق بتحذير واضح، في الوقت اللي عبد الحق كان متعصب وواقف جنبهم وهو بيهز رأسه بضيق:

عبد الحق (بغضب وهو بيبص على ليلى):

"بس بقى! إحنا ما صدقنا سابونا، إنتوا هتودونا في داهية ولا إيه؟ ده أنا واخد عصفورين كناريا معايا!"

لكن ليلى كانت مش في المود تسمع كلام حد، عنيها لسه فيها الغضب والدموع، ورفعت إيديها بحركة مفاجئة وهي بتقول بعصبية:

ليلى:

"أنا ما بحبش حد يضرب حد أنا بحبه! والله لأنزل اضر*به لك!"

أركان كان شايف الانفعال اللي فيها، وكان عارف إنها مش هتهدى بسهولة، قرب منها أكتر وقال بصوت هادي وهو بيحاول يسيطر على الموقف:

أركان:

"ما ضربنيش، كان بيهوّشني بس على وشي."

لكن ليلى ما صدقتش، لمست وشه تاني وبصت له بعيون كلها دموع وقالت بعناد:

ليلى:

"لا ضربك، صوابعه باينة على وشك!"

أركان ضحك ضحكة قصيرة وهو بيتمالك نفسه، حس إنها مستحيل تقتنع، لكن قبل ما يرد، عبد الحق نفخ بضيق وقال بصوت محبط وهو بيتمتم:

عبد الحق:

"بس بقى، أكلتوا راسي!"

*لكن رغم تعصب عبد الحق، ورغم الموقف كله، أركان كان حاسس بحاجة مختلفة وهو شايف رد فعل ليلى.. كان شايف خوفها عليه، غيرتها، غضبها، واهتمامها اللي طالع من القلب، واللي، غصب عنه، بدأ يدق ده يبقى قلبه هو كمان

---------------

كانت المنطقة الشعبية ديقة وزحمة، الأصوات حوالين ليلى كانت عالية، صراخ، ستات داخلة طالعة، وريحة بخور نفاذة مالية المكان. الجو كله كان خانق، والمشهد كان حقيقي لدرجة إنها لأول مرة حسّت إنها ممكن تنهار.

مسكت دراع أركان غصب عنها، أصابعها تشدّت عليه وهي بتهمس بصوت مهزوز:

- هو أنا هولد بجد ولا إيه؟

عبد الحق بص لها من غير تعبيرات، بعينيه المستخفة وهو بيشاور لها تسكت، وبعدها قال بصوت واطي:

- اسكوتي يا شاطرة، دخلتي اللعبة يبقى كمّليها.

دخلوا أوضة صغيرة مضلمة، ريحتها مش مريحة، وفجأة ظهرت المعلمة حسنية، ست في أواخر الأربعينات، بملامح حادة وابتسامة مريبة وهي بتبص لعبد الحق وقالت بضحك:

- كل مرة بتبهرني، إنت مخك ده كنز، شغلانتكم دي دماغها عالية، جايبلي البضاعة المرة دي في بطن واحدة! والله أنت بتكيفني أكتر من البضاعة نفسها.

بعدها بصت لليلى من فوق لتحت ورفعت حاجبها وقالت بنبرة آمرة:

- يلا يا شابة، اخلعي وتعالي نزلي اللي في بطنك بسرعة.

ليلى رجعت خطوة لورى، عينيها دارت في المكان، نظرتها وقعت على أركان تلقائيًا، كانت مكسوفة ومرعوبة، بس متأكدة إنه مش هيسيبها تتأذى. قالت بسرعة وهي بتبعد عن حسنية:

- ما ينفعش هنا، مفيش مكان... يبقى أنا وانت؟!

حسنية ضحكت ضحكة سخيفة وهي تبصلها باستغراب:

- هو انتي محترمة وكده؟! أمال اللي ماسكة فيه ده مين؟

ليلى شدت أركان أكتر وقالت بسرعة:

- جوزي!

حسنية رفعت إيدها استسلامًا وقالت بسخرية:

- خلاص، خلي جوزك في الأوضة، وإحنا هنخلص كل حاجة... ومعلش بقى هنطرد عبد الحق برة، لازم أبقى موجودة وأشوف بضاعتي وهي بتتولد.

حسنية قعدت على طرف الكنبة المتهالكة، حطت رجل على رجل، وبصّت لليلى باهتمام مصطنع وهي بتسألها بفضول مستفز:

- اسمك إيه يا شاطرة؟

ليلى بلعت ريقها وقالت بسرعة:

- هنية.

حسنية ابتسمت بسخرية وهي بتشاور لها تقرب:

- هنية مين؟ إنتِ إيه اللي جابك هنا وسط الرجالة دي؟

ليلى :

- شغالة عندهم في الفيلا، بنضف، بعمل أكل، قالولي أساعدهم في مشوار فمقدرتش أرفض.

في اللحظة دي، كان أركان واقف جنب الحيطة، عامل نفسه بيسمع الحوار، لكنه في الحقيقة كان بيحط جهاز التصنت في زاوية ضلمة فوق رف خشب قديم، بحركة سريعة ومتقنة من غير ما حد يحس بيه.

ليلى وقفت مكانها، حاسّة إن قلبها بيخبط في ضلوعها وهي شايفة حسنية – الداية – مستنيّة تنفذ. نظرتها راحت لأركان اللي كان واقف عند الحيطة، ملامحه متماسكة، لكن عينيه بتراقب كل تفصيلة.

حسنية بصوت مستعجل وبخبث:

- يلا يا شاطرة، ارفعي هدومك وخليّنا نخلص. العيل ده لازم يخرج دلوقتي!

ليلى بلعت ريقها، إحساس التوتر خانقها، إيديها بتترعش، رفعت طرف جلابيتها ببطء وهي مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. كانت متوترة جدًا، لكن أركان كان ثابت في مكانه، ملامحه صلبة كأنه مش متأثر، بس عنيه كانت راصدة كل حاجة.

حسنية قربت، إيديها الخشنة شدت الرباط اللي ماسك البطن المنتفخة المستعارة، وبحركة واحدة، البطن نزلت على الأرض…

لحظة صمت قاتلة…

حسنية فتحت عينيها على الآخر، اتكلمت بدهشة وضحكة مكتومة وهي تبص للربة اللي نزلت، وفجأة انحنت وشدت القماش اللي مغطيها، لتتفاجئ بالكيس المضغوط جوّاها.

ضحكت بصوت عالي وهي تقول بصوت كله خبث:

- الله ينور… شغل نضيف أوي، ومعمول بحرفنة… ما حدش يقدر يشك لحظة!

ليلى واقفة متسمّرة مكانها، قلبها بيدق بسرعة، حسّة برجليها هتخونها وتقع، لكن مسكة إيدها اللي كانت بتشد في دراع أركان غصب عنها كانت الحاجة الوحيدة اللي مثبتاها.

حسنية رفعت عينيها ليها، قربت وهمست بصوت بارد:

- إنتِ مالك مرعوبة كده ليه يا بنتي؟ دا مش أول شغل ليكِ، ولا إنتي كنتِ فاكرة نفسك حامل بجد؟

ليلى حاولت تفتح بُقها ترد، لكن أركان سبقها، بصوته التقيل والواثق وهو بيرد بدلها:

- لسه جديدة، بس هتتعلم بسرعة… مش كده، يا هنية؟

ليلى رفعت عينيها ليه، نظراته كانت جامدة، كأنه مفيش حاجة حصلت، لكنه الوحيد اللي هي متأكدة إنه مش على طبيعته… كان بيوصل لها رسالة، وسط كل الدوشة، وسط كل الخوف، وسط كل حاجة… كان بيقول لها من غير كلام: "متخافيش".

ليلي وهي بتشده من ايده و خارجين من المكان :يلا بسرعه 

 بصلها ببرود وقال بسخرية هادية:

- مش كان قلبك جايبك وجاية لي في ببطنك؟ ماشيه تتعوجي قدامي، ودلوقتي متكتفة زي الفرخة؟

- ليلى رفعت عيونها ليه بارتباك، وقبل ما يبعد إيده، مسكتها بسرعة، شدّت عليها، صوتها كان شبه همس وهي تقول:

- أركان… أنا ما كنتش متخيّلة إن الموضوع بالرعب ده… يا ماما… يا رب ما ياخدوني معاهم تاني في حاجة… أنا خايفة… أنا خوافة!

نظرة سريعة بينه وبينها، لحظة صامتة… كانت بتدوّر على أمان، وهو كان بيدوّر على حاجة تانية خالص… حاجة  مش فهمها.

العربية كانت ماشية بسرعة في شوارع القاهرة، الجو كان هادي بره، بس جوّا العربية كان مليان توتر صامت. ليلى كانت قاعدة جنب أركان في الكنبة الخلفية، عينيها سابحة في الفراغ، وإيدها لا إرادياً كانت بتشد طرف هدومها.

عبد الحق من قدام، وهو سايق بصوت هادي بس فيه نبرة تريقة:

- هي هنية مالها ساكتة كده؟ مش كنتِ جامدة ومتماسكة؟ ولا المواقف الحقيقية حاجة تانية؟

ليلى من غير ما تبص له، بصوت واطي لكن فيه رعب حقيقي:

- أنا فعلاً ما كنتش متخيّلة إن الموضوع بالشكل ده… إحنا كنا في عش الدبابير بجد…

أركان كان ساكت، عيونه على الطريق، ملامحه متماسكة كعادته، لكنه كان واخد باله من كل نفس بتاخده ليلى، كل رعشة خفيفة في جسمها. قرب منها شوية، صوته كان هادي لكن فيه نبرة أمر:

- نامي، لسه الطريق طويل الصعيد 

الطريق كان هادي، الجو برد شوية، بس ليلى ما كانتش حاسة بأي حاجة… كانت نايمة بعمق، سندة رأسها على كتف أركان كأنها لقت أخيرًا مكان ترتاح فيه. أركان كان ساكت، سايبها، لكنه كل شوية يبص لها من طرف عينه… كان متعود يكون لوحده، متعود إنه ما يسمحش لحد يقرب بالشكل ده، بس ليلى… ليلى بتعدي كل الخطوط الحمراء من غير ما تاخد إذن.

– قدام الفيلا –

العربية وقفت، عبد الحق نزل الأول، فتح الباب الخلفي، وقبل ما يتكلم، لقى أركان شايل ليلى بخفة، وكأنها ولا حاجة في إيده.

عبد الحق بضحكة خفيفة:

- يا حبيبي، ده أنت غرقان غرقان…

أركان ببرود وهو ماشي بيها للداخل:

- اسكت.

 خطواته كانت هادية وثابتة، وصل أوضته، ومدد ليلى على السرير بحذر، كأنها حاجة قابلة للكسر. وقف لحظة، بص لها… كانت نايمة بملامح هادية، عكس كل اللي عاشته النهارده.

أركان وهو بيحس بضيق غريب لأول مرة 

مد إيده،مسك التيشيرت، حس إنه مخنوق، ما فكرش كتير، وقلعه ورماه على الكرسي، قرر ينام بالبنطلون، حاجة كان بطّل يعملها من اول يوم دخلت ليلي حياته، لكنه فجأة رجع للعاده دي… بس في اليوم الغلط.

ما لحقش يبعد، حس بحركة خفيفة، وبلا أي مقدمات… ليلى سحبت نفسها، ونامت في حضنه.

أركان تجمد… جسمه اتكهرب لحظة، واللعنة الحقيقية كانت لما خد نفسه واتحركت معاه، كأنها بتدور على الأمان في وجوده. قلبه كان هادي، لكنه حس باضطراب، مش عارف دي صدمة من الموقف، ولا من الإحساس الغريب اللي خبطه فجأة

أركان بداخل عقله وهو بيضرب نفسه على الفكرة الغبية اللي خلته ينام من غير التيشيرت:

- الهدنة خلصت… وجت في أسوأ وقت ممكن.

كان ممكن يقوم، يبعد، يلبس التيشيرت… بس حاجة جواه منعته، وكأنه لأول مرة في حياته قرر يسيب الأمور تمشي لوحدها، من غير ما يتحكم في كل شيء.

غمض عينه، وأخيرًا… نام.

الليل كان هادي، الفيلا كلها ساكنة، والوقت متأخر جدًا… بس عيون نسرين ما كانتش نايمة.

كانت واقفة عند شباك الأوضة، في الضلمة، بتبص جوه…

شافت ليلى وهي في حضن اركان 

مش بس كده، أركان مش لابس التيشيرت، ووشه قريب منها…

نسرين حسّت النار بتاكلها من جوه. 

بالنسبه ليها هنيه اللي هي ليلى مجرد خادمة في ازاي تعيش عيشه زي دي وتتحب من واحد بالجمال ده.

شافت أركان راح معاه عشان يحميها وجابها بنفسه من المهمة وهو شايلها… مشي بيها بين إيديه كأنها حاجة غالية عليه… والآن؟ نايمة في حضنه… ووشها دافي على صدره العاري.

-"أنا اللي كنت المفروض أكون مكانها."

-"أنا اللي كنت المفروض أكون تحت جناحه، مش هي!"

عيونها كانت مسمّرة عليهم، عقلها بدأ يسرح… أفكار سوداء، خيالات مسمومة، صورتها مكان ليلى، بين دراعاته، وسط دفء حضنه…

أغمضت عيونها… واستسلمت للحظة.

بس فجأة… أركان تحرك!

نسرين شهقت بصمت، قلبها وقف. بسرعة اختفت في الضلمة قبل ما يحس بيها.

بس كانت متأكدة من حاجة واحدة…

دي مش النهاية.

هنيه لازم تخرج من الصورة… وبأي تمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ضوء الشمس تسلل من الشباك، خبط خفيف على عيون ليلى، خليها تتحرك بكسل وهي لسه في غيبوبة النوم.

كانت دافية… مرتاحة… كأنها في أمان مش حسته من زمان، بس فجأة بدأت تستوعب…

إحساس بشرة دافية تحت خدها… أنفاس هادية ومنتظمة…

لحظة… إيه ده؟!

ليلى فتحت عيونها ببطء… واستوعبت الكارثة.

كانت نايمة في حضن أركان… تاني!

مش بس كده، ده مش لابس التيشيرت أصلاً!!

-"يا نهار أسود…"

جسمها تصلب، قلبها دق بسرعة، والحرارة ضربت في دماغها. هي ليه رجعت تعمل كده؟! كانت بطّلت خلاص! كانت مكسوفة منه أصلاً عشان اللي حصل قبل كده!

حاولت تتحرك ببطء، تفلت من الموقف قبل ما يصحى… بس وهي بتبعد، حسّت بأنفاسه قرب أذنها، كأنه اتحرك معاها…

-"لا لا لا، مش وقته، يا رب ما يكونش صاحي."

كانت على وشك تقوم، لكن فجأة سمعت صوت أنفاسه العميقة… كان شكله نايم.

-"الحمد لله… نجوت."

بهدوء شديد، وبعد معركة استغلت فيها كل مهاراتها في التسلل، قدرت تبعد، وقامت من السرير، هربت!

لكنها ما كانتش تعرف إن أركان… كان صاحي من أول لحظة.

أول ما حس بيها بتتحرك، كانت غريزته يقوم، يبعدها، أو حتى يعلق بكلمة زي كل مرة… بس لأول مرة، ما عملش كده.

لأول مرة، قرر يعمل نفسه نايم.

مش عشان ما يحرجها… عشان نفسه ما تحرجش أكتر.

لسبب غامض، خلاها تاخد راحتها وتبعد لوحدها… من غير ما يرمي عليها تعليق سخيف زي كل مرة.

أول ما خرجت من الأوضة، فتح عينه، وبص للسقف… مش مصدق هو لسه سايبها تعمل كده؟!

-"يا نهار أسود…"

غمض عينه تاني، وعارف إن النهارده… مش هيكون يوم عادي.

بعد ما ليلى خرجت من الاوضه أركان قام من على السرير، دخل الحمام، وبعد ما خرج لبس هدومه، ولقي الأكل محطوط على الترابيزة. وأثناء ما كان قاعد بيفطر، تليفونه رن.

بص في الشاشة، ولما شاف الاسم، فتح بسرعة ورد بصوت رسمي:

- عرفتوا توصلوا لحاجة؟

صوت عدلي جه واثق، تقيل زي ما أركان متعود عليه:

- بفضلك يا ابني بينكشفوا قدامنا واحد ورا واحد. كل تاجر صغير بيوقع اللي أكبر منه، وإحنا ماشيين وراهم لحد ما نقطع راس الأفعى.

أركان ضغط شفايفه بتفكير، عينه كانت بتلمع بحدة وهو بيقول:

- حلو… لسه اللي فوق مهم، أهم من كل دول.

عدلي بهدوء:

- متستعجلش، احنا وراهم، بس خليك في اللي في إيدك دلوقتي. المهمة مش هتخلص غير لما نكون قافلين على الكل.

أركان سكت لحظة، وبعدها قال بتركيز:

- حاضر يا فندم.

ــــــــــــــــــــــــــ

أركان كان لسه هيخرج من الأوضة، لكنه فجأة لقى نسرين بتزيحه لجوه وتقفل الباب وراه. رفعت راسها له، نظرتها متحدية، عيونها مليانة نوايا واضحة:

— "انت النهارده بتاعي."

أركان اتجمد في مكانه، استغرب جرأتها، لكنه بسرعة شد نفسه ورد بصوت حاد:

— "تقصدي إيه؟"

نسرين قربت، صوتها ناعم بس فيه خبث:

— "مراتك النهارده عندها شغل… لا بالليل مش هتفضى. وانت في حد قاعد بدالك على البواب. يعني أنا وانت… هنقضي وقت حلو مع بعض."

عينيها كانت ثابتة عليه

اركان، بصوت مليان غضب وقرف:

— "انتي مجنونة؟"

نسرين كانت واقفة قدام أركان، عيونها بتلمع بتحدي، مشاعرها كلها مكشوفة قدامه. حاولت تقرب، تحط إيديها عليه، لكنه صدها بقوة، بصوت بارد: — "إنتِ بتعملي إيه؟"

ضحكت ضحكة صغيرة، ساخرة، عيونها فيها لمعة غريبة: — "إيه يا أركان، خايف عليَّ؟… متقلقش، ما بقتش البنت اللي تخاف على نفسها… خلصت الموضوع ده من زمان… فاكر إن اللي بيني وبين طاهر كان حب؟ لا… كان قرار… كان خطوة… كان تذكرة حريتي، دلوقتي مفيش حاجة تمنعني من أي حاجة أنا عايزاها."

لحظة صمت تقيلة سادت بينهم، ونسرين قربت أكتر، لكن أركان كان ثابت، نظراته

الجو كان مشحون بصمت تقيل، مفيش غير صوت أنفاسهم المتوترة وهي بتتحرك ناحيته بخطوات بطيئة. عيونها مرفوعة له، بتلمع بنظرة غامضة… مزيج بين التحدي والرغبة والانتصار، وكأنها أخيرًا وصلت للحظة اللي كانت بتخطط لها.

وقفت قدامه، المسافة بينهم تكاد تكون معدومة، مدت إيديها ببطء… لمسته أول ما حطت كفها على صدره، إحساس دقات قلبه تحت إيديها خلى ابتسامتها تعلو. كانت عايزة تحس إنه مش متحكم، إنه مش قادر يوقفها.

أصابعها اتحركت بهدوء، بتمشي على قماش قميصه، بتنزل تدريجيًا من على صدره لبطنه، بتحس بكل عضلة تحتيهم، بتنقل لمستها ببطء متعمد… لكن قبل ما تلمس الحزام، إيده أمسكت بمعصمها بقوة، وقفتها في لحظة.

نسرين اتنفضت من المفاجأة، رفعت عيونها لعيونه… لكنها ما لقتش فيها أي ضعف، ولا تردد، ولا حتى انبهار. بالعكس، نظراته كانت مليانة حاجة واحدة بس… اشمئزاز.

كان بيبصلها كأنها حاجة حقيرة، كأنها عملت شيء يثير القرف مش الرغبة. ضغط على إيدها أكتر وهو بيبعدها عنه بخشونة، صوته طلع بارد، حاد، ومليان احتقار:

— "إنتِ إزاي؟"

كلمة واحدة بس، لكن معناها كان واضح. إزاي واحدة متجوزة تعمل كده؟ إزاي تكون بالحقارة دي؟ إزاي تكون فاكرة إن أي راجل ممكن يضعف قدامها لمجرد إنها قربت؟

نسرين حاولت تستعيد توازنها، لكن وقع الإهانة كان أقوى من إنها ترد بسرعة. ابتلعت ريقها، وبدل ما تتراجع، رفعت دقنها بتحدي مصطنع:

— "إيه… خايف تنجرف؟"

لكنه ضحك بسخرية، ضحكة باردة مفيهاش ذرة إعجاب:

— "إنتِ فعلاً مش فاهمة حاجة، صح؟ فاكرة نفسك مغرية؟ لأ، إنتِ مثيرة للشفقة."

عيونه اخترقتها، كشفها بالكامل. مشاعرها، دوافعها، مخططاتها… كانت بالنسبة له مجرد حيلة رخيصة، وده خلاها تحس بحاجة جديدة تمامًا… لأول مرة في حياتها، نسرين حست بالخوف.

كانت عيونها مليانة صدمة، صدمة إنه رفضها، صدمة إنه ما وقعش في المصيدة اللي جهزتها له من زمان. إيدها اترعشت وهي بتسحبها من قبضته، لكنها ما تراجعتش… بالعكس، كانت بتغلي، مشاعرها انقلبت من الغرور للاحتقار، من الثقة للغضب.

بصت له بقهر، بصوت مش ثابت، لكنه مليان غضب مكتوم:

— "إنت فاكر نفسك مين؟ فاكر نفسك أطهر من الكل؟ فاكر إنك صعب المنال؟"

ضحك بسخرية، ضحكة باردة زودت اشتعال غضبها أكتر. قربت منه، بقت بينه وبينه خطوة واحدة، عيونها اتملت شرارة حقد وهي بتصرخ فيه:

— "ده أنا عملت كل حاجة عشانك!! فاهم؟ كل حاجة!"

اتنفس ببطء، نبرته بقت أخطر وهو بيرد:

— "كل حاجة؟ وضّحي أكتر."

لكنها ما استنتش يسأل، هي بنفسها قررت ترمي القنبلة في وشه، تفرج عليه وهو يشوف قذارتها، تشوف لو هيحس بالذنب زي ما هي حسيت لما اكتشفت إنه مش زي ما كانت متخيلة.

صرخت:

— "أنا نمت في حضن طاهر عشانك!! فاهم؟ عشان اللحظة دي! عشان ما يبقاش عندي حاجة أخسرها! عشان تبقى حقي وقت ما أنا عايزة!"

سكتت لحظة وهي بتتنفس بسرعة، عيونها مسلطة عليه، مستنية تشوف أي ردة فعل… صدمة؟ ندم؟ ارتباك؟ أي حاجة؟ لكن اللي لاقته كان شيء أبشع من أي حاجة توقعتها.

احتقار صافي.

عيونه كانت تقيمها، تحكم عليها، تدفنها تحت التراب بدون كلمة زيادة. رفع حاجبه بسخرية، صوته طلع بارد، جاف، وما فيهوش ذرة تعاطف:

— "عايزه تخوني جوزك عشان حاجه مستحيله من الأساس؟ انتي مريضه عايزه تتعالجي"

هزت راسها بعنف:

— "مش مستحيلة! انت اللي عامل فيها شريف وابن ناس! انت اللي بتكبر دماغك! بس أنا عارفة، عارفة إنك مش كده، وعارفة إنك عايزني… بس عامل فيها ملاك و وكملت بسخريه وبعدين اكيد هنيه مش مكفياك انا اجمل منها بكثير  !"

اتكلم بهدوء، لكن كلماته كانت زي الس*كين اللي بيقطعها حتة حتة:

— "عارفة يا نسرين… أنتِ أرخص من إن حد يشتهيكي ومن انك تحركي شعره من راسي ومراتي اللي مش عاجباكي حركه واحده منها بتهز كياني كله ."

بعدها… سابها واقفة في مكانها، بتترنح من وقع الصفعة اللي ما جتش من إيده… لكن من كلماته.

نسرين فضلت واقفة مكانها، أنفاسها مضطربة، وإيديها متشنجة على جنبها. الشعور اللي كان ماليها من لحظات—الثقة، القوة، الانتصار—اختفى تمامًا، واستبدل بإحساس أشبه بالسقوط في هاوية سحيقة.

إزاي؟

إزاي رفضها؟

إزاي نظرته كانت بالشكل ده؟

كان لازم يقول أي حاجة غير اللي قاله… كان لازم يتلخبط، يتوتر، يبان عليه إنه حتى لوهلة اتأثر… لكن لأ. هو سحقها. بكلمة واحدة، بسخرية قاتلة، بمشاعر باردة كأنها مجرد نقطة تراب على هدومه، ينفضها ويمشي.

صوت خطواته كان بعيد، لكنه كان بيرن في ودانها، كأنه بيتردد جوه دماغها بصدى سخريته. فجأة، شعرت بوخزة في قلبها، إحساس بالحرقان، مش غضب… لأ، ده كان أعمق.

انكسار.

ولأول مرة، نسرين حست إنها الطرف اللي خسر المعركة.

لكن… المعركة لسه ما انتهتش.

اتعدلت في وقفتها، رفعت راسها، ومسحت دموع كانت على وشك إنها تنزل. مفيش حاجة خلصت. بالعكس، اللعبة لسه في أولها، وهي عمرها ما كانت بتقبل الخسارة.

ابتسمت ابتسامة باهتة، لكنها ما كانتش فرحانة. كانت ابتسامة حد بيحاول يقنع نفسه إنه لسه في اللعبة، رغم إنه عارف جواه… إنه خسر أول وأهم جولة.

ـــــــــــــــــــــ$ـــــــــــــــــــــ

أركان خرج من الأوضة ولقي ليلى في وشه، كانت جاية ناحيته بخطوات عفوية، عيونها بريئة وملامحها هادية وهي بتقول ببساطة:

— "أنا طالعة مع أسماء نشتري طلبات."

لكن أركان، في اللحظة اللي عيونه وقعت عليها، حس بحاجة غريبة… حاجة هزته من جواه.

لسه من لحظات كان بيقول لنسرين إن لمسة واحدة منها مش هتحرك فيه حاجة، وده كان حقيقي… لكن ليلى؟ مجرد إنها واقفة قدامه، بتكلمه عادي، بتعامله كأنه شخص عادي في حياتها، ده كان كفاية إنه يحس باضطراب جواه، كأن حاجة مش مفهومة بتجري في دمه، كأن فكرة إنه مش يقدر يلمسها أو يضمها جوه حضنه بتخنقه.

سرح للحظة… بس صوتها قطعه وهي بتمد إيدها قدام وشه، بتحرك صوابعها كأنها بتحاول تفوقه:

— "فينك؟ أنا بكلمك! بقولك هخرج مع أسماء نشتري حاجات وكده."

رمش بعينيه، رجع للواقع، بسرعة طلع فلوس من جيبه ومدها لها بدون كلام، صوته كان هادي لكنه فيه أمر خفي:

— "خدي… لو عايزة تشتري حاجة ليكي، هاتي اللي إنتِ عايزاه."

ليلى اتكسفت، بس في نفس الوقت ما قدرتش ترفض، لإنها عارفة إن ده أسلوبه… من أول ما اتجوزته، هو دايمًا مسؤول عنها ماديًا، حتى لو جوازهم مجرد ورق، حتى لو عمرها ما طلبت حاجة منه، كان دايمًا سابقها بخطوة، يسيب لها فلوس من غير ما تسأل. بالنسبة له، القوامة للرجل، وده شيء ما بيتناقش فيه.

مسكت الفلوس بين صوابعها، رفعت عيونها له بلحظة تردد، كأنها عايزة تقول حاجة، لكنه كان لسه مركز فيها… مركز فيها بزيادة.

فجأة، ليلى حست بحاجة مش مفهومة… ليه عيونه بالشكل ده؟ ليه بيبصلها بالعمق ده؟

كانت هتتكلم، بس قررت تسكت…



زواج في الظل البارت ال ١٤

:في المول – قسم الملابس

كانت أسماء وليلى واقفين وسط قسم الملابس، ميتين على نفسهم من الضحك، أصواتهم العالية ملفتة، وعيونهم بتلمع من المرح. ليلى كانت ماسكة طرف طرحتها بتلفها بين إيديها وهي بتحاول تاخد نفسها من الضحك.

ليلى وهي بتبص لأسما بابتسامة واسعة: "يا أسماء بجد كفاية كده بقى! لو هتشتري حاجة يلا اشتري، عشان عايزة أروح أعمل الغداء لجوزي."

أسماء بصوت فيه تهكم وهي تهز رأسها: "هو في حاجة عجباني."

ليلى بضحكة مكتومة وهي ترفع حاجبها: "ولا هتبقى في حاجة تعجبك طالما إنتِ ماشية تتريّقي على اللبس كله! كل ما ندخل محل نقعد نتفرج ونسأل ونزهق صاحب المحل، لحد ما يبقى ناقص يشتمنا."

أسماء وهي ترفع كتفيها ببراءة قبل ما تضحك: "هي دي الخطة!" وكملت بغمزة: "وبعدين إنتِ مش هتشتري حاجة؟"بصت للشنطة اللي في ايد ليلى، قبل "غير التيشيرت اللي جبته لجوزي."

ليلي بضحكة وهي تخبطها على كتفها ومشيت قدام اسماء 

اسماء وهي بتجري عليها بمرح وبضحك "يا خراشي على اللى بتتكسف! بت هو إنتوا لسه بتحبوا بعض جديد ولا إيه؟ أصل بصراحة، مش باين عليكم إنكم متجوزين خالص!"

ليلى وهي تشيح بوجهها للجانب بكسوف، صوتها واطي: "إحنا يعتبر لسه متجوزين... ما بقلناش غير سنة."

أسماء بغمزة وهي تطبق إيديها قدامها بمبالغة: "آه، لسه عرسان بقى! بس عرسان قمرات." وفجأة هاجمت ليلى بزغزغة وهي بتضحك بصوت عالي.

ليلى شهقت من المفاجأة وهي تحاول تبعد إيد أسماء عنها، ضحكتها كانت مليانة حياة وهي تجري بعيد عنها وسط المحل: "يا بنتي كفاية، الناس بتبص علينا!"

وقفوا فجأة قصاد الجهاز اللي فيه الدباديب اللي ، لمعت عيون ليلى وهي تبص للدباديب جوه، وقعدوا يدفعوا فلوس قد كده بس ما كانوش عارفين يمسكوا حاجة، لحد ما ليلى أخيرًا مسكت واحد.

ليلى وهي ترفع الدبدوب بفرحة طفولية: "أنا هديه لسعيد!"

أسماء بضحكة وهي تحط إيديها على وسطها: "يبخت سعيد! متجوز واحدة بتفكر فيه الـ24 ساعة أكتر من نفسها! عايزة تروح بدري تعملي له عشا! بدل ما تشتري لنفسك، اشتريت له لبس! لما جبتي الدبدوب، هتديه له!" رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة: "ده سعيد هيبقى سعيد أوي بيكي والله!"

ليلى وهي بتضحك وتحاول تخبي كسوفها وهي تلمس أذن الدبدوب: "غيرانة صح؟ خلاص يا ستي، هروح أشتري آيس كريم ناكله مع بعض."

أسماء وهي تضع إيديها على قلبها بتمثيل الزعل: "آه، أيوه! اضحكي على عقلي الصغنوني بآيس كريم!"

ليلى وهي بتتحرك ناحية عربة الآيس كريم وتلف وشها وراها بابتسامة مرحة: "ما تزعليش يا سماسيمو... يا عسل!"

أسماء كانت واقفة قصاد محل، وفجأة وقعت عينيها على فستان معروض، عيونها لمعت وهي تمد إيدها تشاور لليلى قبل ما تقول بحماس: "يا هنّية، أنا هدخل أشوف الفستان ده... عجبني!"

خرجت أسماء من المحل وهي مبتسمة، الفستان في إيديها، وعينيها بتدور على ليلى عشان توريها الفرحة. كانت هتنده عليها، لكن فجأة، الفرحة اللي في عينيها اتبدلت بذهول مرعب.

خطواتها تباطأت، عنيها فتحت على آخرها، وكأنها مش مصدقة المشهد اللي قدامها.

الآيس كريم وقع على الأرض، الشنطة اللي فيها التيشيرت مقلوبة، وشنطة الدبدوب مترمية جنبها… لكن ليلى مش موجودة!

الهواء في المول كان هادي، بس جواها كان فيه عاصفة. قلبها ضرب بعنف، وإيدها اللي كانت ماسكة الفستان بقت بترتعش.

ابتلعت ريقها بصعوبة، صوت عقلها بيصرخ: "هنيه راحت فين؟!"

أسماء بدأت تتحرك بخطوات سريعة، عنيها بتدور في كل الاتجاهات، تحاول تلاقي أي أثر ليها.

لكن لما لقيت نفسها واقفة لوحدها، وسط كل الزحمة، وحسّت بالعجز لأول مرة… صوتها خرج بدون تفكير، عالي، مرتجف، مليان خوف:

"هِنّية!!"

صرختها شقت الجو، خليت الناس تبص عليها، بس ده ما كانش فارق معاها. كانت بتحاول تسمع أي رد… أي حاجة تدلها على صاحبتها.

لكن المكان كان صامت… بشكل مرعب.

كانت أسماء واقفة في وسط المول، عنيها مليانة دموع، وكل اللي حواليها مجرد أشباح مش شايفاهم. كل اللي حاسة بيه هو الفراغ اللي سابته ليلى، والصمت المرعب اللي حل مكان صوت ضحكتها من لحظات.

أسماء بصوت مبحوح، مليان انهيار: "هِنّية!!"

بدأت تدور في كل مكان، تجري بين الناس، تسأل بعشوائية، لكن ماحدش كان عنده إجابة. صوتها كان بيتقطع وسط العياط، والدموع كانت عاملة ضباب في عينيها، مش قادرة تشوف قدامها.

أسماء وهي بترتعش، مسكت التليفون: لازم أتصرف… سعيد، لازم أكلمه.

لكن لما مسكت الموبايل، صوابعا كانت بتتهز، وصوتها لما حاولت تتكلم ماطلعش. ابتلعت ريقها بالعافية، ودموعها نزلت على خدها، ضغطت الرقم بصعوبة… :

 ماكانتش عارفة هتقول إيه، بس لازم تكلمه. الجرس كان بيدق، قلبها كان بيدق أسرع…

أركان وهو بيرد بصوته القوي: "مين؟"

أسماء بانهيار، صوتها متكسر: "أنا أسماء…"

أركان وقف في مكانه، إحساس غريب ضربه في قلبه، إحساس بشع، مش مفهوم، لكنه عارفه كويس. القلق بدأ ياكل ملامحه وهو بيقول بصوت متوتر:

"مالك؟ صوتك معيط ليه؟ انتي كويسة؟ انتي وهِنّية؟"

أسماء بصوت مختنق، مابين العياط: "هِنّية… مش لاقياها، مش عارفه راحت فين… اتخطفت!!"

ــــــــ&ـــــــــــ

إيه اللي هيحصل بعد كده؟

مين الناس اللي خطفوها؟ وليه؟

ردت فعل أركان إيه بالضبط؟

هل دي النهاية… ولا مجرد بداية لحاجة أخطر؟

الإجابات… جاية قريب.

نكمل البارت ال١٥

صلوا على النبي 

وادعوا ل بابا بالرحمه


الكاتبه ياسمين عطيه 

البارت ال١٥

زواج في الظل 

أسماء بصوت مختنق، مابين العياط: "هِنّية… مش لاقياها، مش عارفه راحت فين… اتخطفت!!"

في اللحظة دي، الدنيا اسودّت في عين أركان. قلبه وقع، حرفيًا، لأول مرة في حياته يحس إن الأرض بتتسحب من تحته.

أركان بصوت جامد، لكنه مليان ذعر مكتوم: "إنتي فين؟ قوليلي المكان حالًا!!"

أسماء قالت له اسم المول، وأركان ماضاعش ثانية، طلع يجري وهو بيحس إنه هيتجنن.

ركب العربية، إيديه كانت بتضغط على الدركسيون بعصبية، قلبه بيدق بسرعة مرعبة، والمشاهد كانت بتجري قدام عنيه، لكنه مش شايف حاجة غير وش ليلى… وهي مش موجودة .

أركان بصوت متوتر وهو بيتصل بعدلي:

"بابا…!"

عدلي، اللي كان قاعد في مكتبه، أول مرة في حياته يسمع ابنه صوته كده. قام بسرعة، قلبه شد، لكن حاول يفضل متماسك:

"حبيبي، انت كويس؟ حصل إيه؟"

أركان بعصبية، وضغطه بيزيد: "ليلى يا بابا… اتخطفت من مول… اعمل اللازم، ارجوك، لازم نلحقها بسرعة!!"

عدلي بصوت حاسم، لكنه مليان قلق: "هتصرف حالًا، بس انت ركز ومتتهورش… خلي بالك من نفسك، أركان، ماتكشفش نفسك."

لكن أركان، اللي كان بيضغط بإيده على الدركسيون لدرجة إنه ممكن يكسره، ماكانش سامع غير صوت واحد في دماغه:

"لو مروان اللي خطفها… هقت*له."

 أركان وصل إلى المول

العربية وقفت فجأة قدام مدخل المول، إطاراتها سابت علامة سودة على الأرض من كتر السرعة. قبل ما حتى العربية تهدى، الباب كان مفتوح، وأركان نزل منها بخطوات سريعة، تقيلة، وعنيّه بتدور في كل الاتجاهات، ملامحه كانت متجهمة، والشر بيلمع فيها.

الجهاز في ودنه كان شغال، صوت عدلي كان بيتكلم، بيقول تعليمات، لكن أركان ماكانش سامع. كل حاجة حواليه كانت ضباب، أصوات الناس، الإضاءة، حتى رجال الأمن اللي كانوا واقفين عند البوابة ماخدوش اهتمامه. كل اللي كان شايفه قدامه هو أسماء، قاعدة على الأرض، ملامحها باهتة، عنيها محمرة من كتر العياط، وإيديها بتضغط على الشنطة بتاعتها كأنها متمسكة بحاجة وسط الخراب اللي حواليها.

أركان خطفها بنظرة، قلبه كان عمال يضرب بقوة في صدره، لكنه ما أظهرش ده، وجهه كان متجمد، لكن جوه… جوه كان في عاصفة.

أركان بصوت هادي، لكنه مليان غضب مكبوت: "احكي لي اللي حصل؟"

أسماء رفعت رأسها بسرعة، أول ما شافته، كأنها كانت ماسكة نفسها بالعافية، قامت على طول، وقربت منه وهي بتتكلم بانفعال:

"سعيد… اختفت! هنيه كانت هنا، ولما  رجعت لها، لقيت شنطتها والآيس كريم واقعين على الأرض… كأنها تبخرت! سألت كل الناس… ماحدش شاف حاجة!"

أركان شد نَفَسه ببطء، عينه نزلت على الأرض… شاف الحاجات اللي كانت معاها مرمية، دبدوب صغير، التيشيرت اللي اشترته له، وبقايا آيس كريم داب على البلاط.

إيده اتقبضت جامد، ضراعه اتشنج، وعينه نعست بخطورة.

أركان كان بيتحرك بسرعة وهو بيجمع حاجات ليلى اللي كانت متبعثرة على الأرض—الشنطة، التيشرت، الدبدوب اللي كانت لسه ماسكاه من دقايق. إيده كانت بتضغط عليهم بقوة، كأنهم الحاجة الوحيدة اللي ماسكة أعصابه من الانفجار.

رفع عينه بسرعة، بص لأسما اللي كانت واقفة في حالة انهيار، الدموع مغرقة وشها، بتبص حواليها كأنها متوقعة تلاقي ليلى تخرج من أي ركن.

أركان بحزم، وعينه مليانة نيران: "أسماء، امشي انتِ… وأنا هجيب هنية وأجي."

ما استناش رد منها، لف على طول، خد نفس عميق وهو بيخرج موبايله، وصوته كان مليان توتر وغضب وهو بيكلم حد في الناحية التانية:

"عاوز كل الكاميرات، كل المخارج، وكل واحد دخل أو خرج من المكان ده آخر نص ساعة… دلوقتي!"

ما كانش في مجال للتردد. ليلى كانت في خطر، وأركان مش هيسيب المكان ده من غيرها.

" بيتحرك بسرعة لجهاز الأمن عند مدخل المول.

رجال الأمن استوقفوه، لكن لمحة واحدة من عينه الباردة، وطلع لهم الكارنيه بسرعة خاطفة، خلّتهم يفسحوا له الطريق فورًا.

"هاتوا تسجيلات الكاميرات دلوقتي."

ماكانش أمر… كان تهديد.

الدنيا حوالين أركان كانت بطيئة، لكن دماغه كانت شغالة بسرعة غير طبيعية. إحساس غريب كان شغال جواه، مش مجرد قلق… دي رهبة.

لأول مرة في حياته، يحس إن الخوف حقيقي… وإنه ممكن يفقد حاجة غالية عليه، قوي.

أركان وقف قصاد شاشة المراقبة، ضهره مشدود وإيده متشنجة على الترابيزة. واحد من رجال الأمن كان بيقلب في التسجيلات بسرعة، لكن بالنسباله، كل ثانية بتعدي كانت بتشعل نار جواه.

"هنا… ارجع شوية."

أركان قالها بحدة وهو يشاور على الشاشة. اللقطة كانت بتعرض ليلى وهي واقفة عند عربة الآيس كريم، ماسكة الشنطة، وبتضحك. قلبه قبض وهو شايفها، المشهد كان طبيعي… لحد ما…

"وقف هنا!"

الصورة تجمدت… ليلى واقفة، لكن في الخلفية، كان فيه راجلين واقفين مش بعيد عنها، ملامحهم مش واضحة، لكن وضعيتهم كانت مشبوهة.

"شغل ببطء."

الفيديو استأنف الحركة، أركان ركز بكل حواسه… في اللحظة اللي أسماء دخلت فيها المحل، واحد من الرجالة قرب من ليلى، كأنه بيكلمها، وفجأة… التاني جه من الناحية التانية، وبعد ثواني، اختفت من الكادر.

"رجّع الصورة… ببطء أكتر."

رجع الفيديو، والعينين الجامدة لأركان ركزت على التفاصيل… الراجل الأول كان بيحاول يشغلها بكلام، والثاني تحرك بسرعة، إيده راحت على دراعها، وبعدها… الصورة قطعت لحظة.

"إيه دا؟!"

رجل الأمن بتوتر: "الكاميرا دي كان فيها عطل بسيط، بس…"

"عطل إيه؟ العطل ده مقصود."

أركان كان صوته هادي، لكن فيه نغمة خطيرة… نظرته كانت متجمدة على الشاشة، ومخه بيشتغل بسرعة، بيحاول يربط الخيوط.

"هات الكاميرا اللي بعديها، اللي على البوابة الخلفية."

الفيديو اشتغل… الممر الخلفي للمول ظهر، وبعد ثواني، ظهرت ليلى، وسط ثلاثة رجالة، واحد ماسكها من دراعها بقوة، وبيجرّها ناحية عربية سودا مركونة في زاوية بعيدة.

وهنا… توقف قلب أركان لحظة.

ليلى كانت بتقاوم… بتصرخ… لكن محدش سمعها!

في آخر لقطة، ظهر واحد منهم وهو بيرفع قطعة قماش بيضا على بقها… وبعد ثواني، جسدها تراخى، ودخّلوها العربية بسرعة، وانطلقوا.

أركان اتنفس ببطء… صوت أنفاسه كان مسموع، عينه اتضيّقت، ووشه بقى ماسك ملامح بلا رحمة.

"رقم العربية؟" قالها بصوت خالي من المشاعر، لكن جواه كان بركان هيولع.

رجل الأمن بتوتر: "مش واضح… بس ممكن نحاول نوضحه أكتر…"

"مافيش وقت."

أركان لف بسرعة، قلبه كان بيضرب بجنون، لكن وجهه كان متجمد. خرج من غرفة المراقبة بخطوات تقيلة، ماسك جهاز الاتصال في ودنه.

"بابا… العربية خرجت من البوابة الخلفية، محتاج تحليل سريع للكاميرات في المنطقة كلها. أنا مش هستنى."

عدلي من الناحية التانية بصوت حازم: "هتلاقيها يا أركان… بس افتكر، ما تفقدش السيطرة."

لكن أركان في اللحظة دي كان خارج عن أي سيطرة.

"لو حد لمسها بس… مش هرحم حد."

وفتح باب العربية بخشونة… واندفع فيها بسرعة، عينه ما كانتش شايفة غير حاجة واحدة…

إنه هيرجع ليلى، ولو على جثته.

العربية انطلقت بسرعة جنونية، وأركان كان ماسك الدركسيون بإيد حديدية، عينه مثبتة قدامه، والشارع كان كله مشوش بالنسباله، مش شايف غير الطريق اللي هيودّيه لها.

في السماعة، صوت عدلي كان بيكلمه:

"أركان، الكاميرات الخارجية جابت جزء من رقم العربية، رجالتنا بيراجعوا البيانات دلوقتي."

أركان بص بعينه المشتعلة في شاشة صغيرة في العربية كانت بتعرض خريطة المنطقة.

"أنا مش هستنى البيانات، آخر مرة ظهرت فين العربية؟"

"طلعت على الطريق الصحراوي… احتمال يكونوا متجهين لمخزن مهجور أو مزرعة بعيدة."

أركان شد على دواسة البنزين بعنف، صوت المحرك زمجر مع تسارع العربية، وكان بيعدي بين العربيات بطريقة خطر، بس محسوبة.

اركان :"فيه جديد؟"

"الرقم اللي جبناه تابع لعربية مسجلة بإسم شركة وهمية، ده معناه إن العملية مدروسة. بس عندي معلومة مهمة…"

"اتكلم."

"حد شاف العربية وهي بتغير مسارها قبل ما تطلع على الصحراوي، دخلت ناحية مخازن قديمة على أطراف المدينة."

أركان شد على الدركسيون أكتر، حواجبه تقوست، وكأن صبره كان بيطير من الشباك.

"بعتلي اللوكيشن، وخلّي فريق الدعم يبقى جاهز… بس أنا هكون هناك الأول."

عبدالحق بتوتر: "أركان، استنى لحد ما نوصل معاك، ما تتهورش…"

بس الخط كان اتقفل…

لأن أركان كان قرر بالفعل.

ــــــــــــــــــــــــــ&ـــــــــــــــــ

 في المخزن

الظلام.

ده كان أول حاجة حست بيها ليلى لما فتحت عنيها، عقلها كان تقيل، جسدها مرهق، وكان فيه ريحة تراب في الجو. حاولت تحرك إيديها، لكن لقتهم مربوطين.

حاولت تفهم اللي حصل… آخر حاجة فاكرها إن حد غطا بقها بحاجة، وبعدها الدنيا سودت.

"صحيتِ أخيرًا؟"

الصوت كان خشن، جاي من عند الباب الحديدي للمخزن. ليلى رفعت راسها بصعوبة، وشافت راجل طويل، بدقن خفيفة، وابتسامة مريبة.

"كنّا هنفضل مستنيينك كتير ولا إيه؟"

ليلى بلعت ريقها، قلبها بيدق بسرعة… لكنها ما بينتش خوف.

"إنتوا مين؟ عايزين مني إيه؟" قالتها بصوت تقيل، لكن ثابت.

الراجل ضحك، قرب منها بخطوات بطيئة، واتكع على صندوق خشب جنبها.

"مش مهم إحنا مين… المهم إننا عندنا ضيفة مهمة دلوقتي."

ليلى ضيّقت عيونها، عقلها بيحاول يجمع أي معلومة عن المكان، الأصوات، الريحة، أي حاجة تدلها هي فين.

بس اللي هي ما تعرفهوش…

إن الوحش كان في طريقه ليها.

 أركان وصل للمخزن

العربية فرملت بعنف قدام المخزن المهجور، وأركان نزل منها كالإعصار.

عينيه كانت مشتعلة… مش أركان البارد اللي الناس عارفاه، ده كان أركان اللي فقد السيطرة.

بسرعة، اتحرك في الظل، مسدسه في إيده، بيدرس المكان. كان فيه عربية سودا مركونة جنب المبنى، نفس العربية اللي في الفيديو.

"لقيتكوا."

بخطوات هادية، لكن مليانة غضب قاتل، لف حوالين المخزن، وبسرعة، طلع فوق حاوية حديدية جنب الحيطة، عشان يبص من شباك مكسور.

جواه… كانت ليلى.

"أنا هنا، استحملي شوية…"

الراجل اللي كان بيتكلم معاها واقف ضهره للباب، ووراهم كان فيه راجل تاني قاعد بيشرب سجاير، ومسند رجله على صندوق خشب.

أركان خد نفس عميق… بص في ساعته… خطة الاقتحام مش هتستنى الفريق.

دلوقتي… كان وقت الصيد.

أركان خد نفس عميق، عقله بيحسب كل حاجة بسرعة البرق. عدد الرجالة اللي جوه، المسافات، مين هيكون هدفه الأول.

"استعدي يا ليلى."

بسرعة، أخرج كاتم الصوت، ركّبه على المسدس، وبخطوة واحدة ركل الشباك المكسر، واتزحلق للداخل بصمت قاتل.


داخل المخزن

ليلى كانت بتحاول تفك الحبل اللي رابط إيديها، عقلها بيشتغل بسرعة تحاول تلاقي مخرج. لكنها فجأة لمحت حركة.

حاجة سوداء مرّت من فوقها.

"أركان…؟"

لكنها ما لحقتش تنطق، لأن الجحيم انفجر فجأة.

"إيه ال..." الراجل اللي واقف عندها لف بسرعة، لكنه ما لحقش يكمل جملته، لأن رصاصة صامتة غرست في رقبت*ه.

صاحبه اللي كان قاعد هب واقف، لكنه ما كانش أسرع من أركان.

في ثانية، أركان كان نط من فوق الصندوق، ركبته اصطدمت بوش الراجل بكل قوته، خلّته يطير للخلف ويخبط في الحيطة.

"ليلى!" أركان لف عليها بسرعة، عيونه مسكت عيونها، ولأول مرة شافت فيهم حاجة مختلفة.

قلق… خوف… وجنون.

"إنت كويسة؟"

ليلى كانت لسه مصدومة، لكن هزّت راسها بسرعة: "أيوه… بس فكّني بسرعة!"

أركان جاب سك*ينة من جيبه، وبحركة واحدة قطع الحبل اللي رابط إيديها.

لكن قبل ما حتى يمسك إيدها عشان يخرجوا…

"إنت فاكر نفسك مين؟!"

صوت جديد خرج من الباب الخلفي… وصاحب الصوت مش لوحده.

ثلاثة رجالة مسلحين دخلوا، ماسكين رشاشات، وعيونهم كلها مليانة غضب.

الرجل اللي في النص كان مختلف عن الباقيين، واضح إنه الرئيس هنا.

"شكلك داخل تعمل بطل، يا بواب؟" قالها بسخرية، وعينيه بتلمع وهو بيرفع السلاح.

ليلى خدت خطوة ورا، قلبها بيخبط في صدرها. أركان، اللي كان دايمًا هادي وبارد، عيونه ولّعت.

"إنت آخر حد هيتكلم."

وفجأة…

أركان هجم.

كل حاجة حصلت في ثانية.

دوّي رصاص، ضربات سريعة، صراخ… ورجل وقع على الأرض.

أركان تحرك كالشبح، كان دايمًا سابقهم بخطوة، عارف هيفكروا في إيه قبل حتى ما يتحركوا.

أول راجل حاول يرفع السلاح… لكن أركان كان أسرع.

طلقة صامتة… ورجل وقع.

التاني لف بسرعة، لكن أركان مسك دراعه، لفّه عليه، وكسر كوع*ه بحركة واحدة، قبل ما يديله ضربة قاتلة في الصدر.

"يااااااه!"

الرئيس حاول يضربه من ورا… لكن أركان استدار بسرعة، وركله في بطنه، خلاه يطير للخلف.

في خلال عشرين ثانية… المعركة انتهت.

صمت تام.

أركان وقف في النص، أنفاسه تقيلة، لكنه ما اتعورش. التلاتة رجالة كانوا على الأرض… واحد منهم بيلف بعينه وهو بينزف.

ليلى كانت وقفة بتبص له بذهول.

ده مش مجرد ظابط… ده وحش.


النهاية… أم مجرد بداية؟

قبل ما حتى يلتقطوا أنفاسهم، صوت عربيات جاي بسرعة برا المخزن.

أركان بص من الشباك، وشافهم…

"لازم نخرج دلوقتي."

أركان مسك ليلى بقوة وسحبها معاه، أنفاسه سريعة، لكنه مركز.

"اجري معايا، متوقفيش لحظة!"

ليلى كانت بتحاول تواكب سرعته، قلبها هينفجر من الرعب، لكن مفيش وقت للأسئلة.

أركان شاف مخرج جانبي، بسرعة جرى ناحيته

طلقات دوّت، وليلى سمعت صوت حد بيقع على الأرض، بس ما لحقتش تبص.

"يلا يا ليلى!"

طلعت معاه بره المخزن، لكن الصدمة ضربتها أول ما شافت الوضع.

المكان كله محاصر.

عربيات سودا، رجال واقفين بأسلحة، عيونهم كلها باردة.

"مش هتمشي من هنا بسهولة."

أركان ضد الجميع

أركان بص حواليه بسرعة، بيحسب كل حاجة بعقله. كان عارف إنهم مش هيخرجوا بالسهولة اللي كان متخيلها.

"عندك خطة؟" ليلى سألت بصوت مهزوز.

أركان رد بدون ما يبص لها: "عندي… بس مش هتعجبك."

وقبل ما تلحق تسأل، أركان نط وهاجم.

أول راجل حاول يرفع سلاحه… لكنه وقع على الأرض في لحظة.

أركان كان بيتحرك زي شبح، بيدرب، بيهاجم، وبينهي كل واحد يقف في طريقه.

ليلى كانت بتاخد غطا ورا عربية، بتتفرج على اللي بيحصل، ومش مصدقة عيونها.

"إنت… مش بني آدم."

أركان سحبها فجأة، خلاها تقف وراه، وقال بحدة: "لما أقول اجري، تجري. فاهمة؟"

أركان شاف ناحيه عربيته فاضي

"دلوقتي! اجري!"

ليلى جرت بكل قوتها، أركان وراها بيغطيها، الرصاص طاير حواليهم، لكنه ما أصابش ولا طلقة.

وأخيرًا… خرجوا من الجحيم.

العربية طارت بعيدًا.

ليلى كانت بتحاول تلتقط أنفاسها، قلبها لسه بيدق بجنون

ليلى بصوت متردد وهي بتبص له: "هو… هو ممكن يكون مروان اللي عمل كل ده عشان بس…"

سكتت فجأة، واتكسفت تكمل. عنيها نزلت على إيديها اللي كانت بتلعب في العبايه بتاعتها بتوتر.

أركان كان ساكت، عينيه سابت الطريق لحظة وبص لها بنظرة غامضة، قبل ما يرجّع تركيزه تاني. سحب نفس طويل، وبعدين رد بصوت هادي، لكن فيه نبرة خفية من الغضب المكتوم.

أركان وهو بيبص قدامه: "وممكن يكون حد تاني… بس أنا هعرف هو مين."

ليلى فضلت ساكتة، وهي بتراقب ملامحه الجامدة. كان باين عليه إنه مش هيهدى غير لما يعرف الحقيقة… ولما ينتقم.

كانت العربية ماشية بسرعة وسط الطريق الفاضي، والصمت كان مسيطر. ليلى كانت قاعدة جنبه، عنيها لسه متعلقة بيه، مبهورة ومصدومة في نفس الوقت. كانت عارفة إنه قوي، لكن اللي شافته النهاردة كان أكتر من مجرد قوة… كان عنفوان، غضب، سيطرة تامة على كل اللي حواليه ،شخص مخيف بجد، بس في نفس الوقت، الأمان الوحيد اللي عندها دلوقتي.

حطت إيدها على قلبها، بتحاول تهدي دقاته اللي كانت سريعة، وبصت له بنظرة مليانة دهشة:

ليلى بصوت هادي لكنه عميق: "إنت ما ينفعش تعمل أي حاجة غير إنك تشتغل ظابط… إنت مش مكانك إنك تمثل إنك بواب عادي وهادي خالص."

أركان كان ساكت، عنيه متركزة قدامه على الطريق، بس ملامحه كانت متشنجة، كأنه لسه مش قادر يخرج من اللي حصل.

شد على إيده اللي كانت على الدركسيون، كأنها الطريقة الوحيدة اللي ممكن يسيطر بيها على الغليان اللي جواه، وبعد لحظات قال بصوت منخفض لكنه حاسم:

"ما انا لسه في شغلي بردك دا شكل من أشكاله الهدوء واخد كل حاجه على هادي لحد ما اوصل للحظه اللى انتي شوفتيها من شويه ."

ليلى حسّت إن في حاجة جواها بتتحرك… حاجة كانت موجودة من زمان، بس الليلة دي زادت أضعاف مضاعفة. يمكن عشان لأول مرة تشوفه بالشكل ده… القوة اللي عنده، العنفوان اللي في كل حركة منه، والغموض اللي مغلفه، كل ده خلّى رصيد حبّه جوا قلبها يزيد بطريقة هي نفسها مش مستوعباها.

عنيها فضلت عليه، ملامحه كانت جامدة، هادي، بس في نفس الوقت كان واضح إن جواه عاصفة. كان بيمسك الدركسيون كأنه الطريقة الوحيدة اللي مسكاه في الدنيا دي، وده خلاها تفكر… إزاي شخص زي أركان ممكن يكون مشاعر؟ مشاعر حقيقية؟

هي كانت بتحبه من الأول، من قبل حتى ما يلاحظ وجودها، بس الليلة دي الحب ده كبر… بقى أعمق، أقوى. كان جواها إحساس إنها عايزة تفضل جنبه، عايزة تفهمه أكتر، وعايزة تبقى الشخص اللي يقدر يطّلع منه الحنان اللي هي متأكدة إنه موجود تحته كل القوة والجمود ده.

رفعت إيديها بخفة، وكانت على وشك تلمس إيده، لكنها اتراجعت… مش دلوقتي، هو مش مستعد. لكنها عرفت إن اللحظة دي، الليلة دي… كانت بداية حاجة جديدة بينها وبينه.

كانت العربية بتقف قدام الفيلا بسرعة، وكأنها انعكاس للعاصفة اللي كانت جوا كل واحد فيهم. أركان نزل بسرعة، لف حوالين العربية، وفتح الباب لليلى.

أسماء كانت واقفة قدام باب الفيلا، عنيها مليانة قلق، إيديها متشابكة ببعضها، وبمجرد ما شافت ليلى، جرت عليها ودموعها نزلت بدون تفكير.

أسماء بصوت مرتجف وهي بتمسك ليلى: "هنيّة!! إنتي كويسة؟ عملولك حاجة؟"

ليلى كانت لسه مصدومة، عنيها لسه شاردة، لكن لما شافت خوف أسماء، ابتسمت ابتسامة صغيرة، تطمنها بيها، رغم إن جواها لسه متلغبطة.

ليلى بصوت هادي ومبحوح: "أنا كويسة… متقلقيش."

أسماء ما قدرتش تستحمل أكتر، ضمت ليلى لحضنها بقوة، وكأنها خايفة تضيع منها تاني. ليلى سابت نفسها للحضن، لأول مرة تحس إنها محتاجة حد يطمنها.

أسماء وهي بتبكي: "كنتي فين؟ إيه اللي حصل؟ قلبي كان هيقف عليكي، ليلى!"

أركان كان واقف جنب العربية، ساكت، عنيه عليهم، ملامحه جامدة، لكن جواه كان فيه مليون شعور بيتصارعوا… غضب، خوف، وارتياح إنها قدامه دلوقتي كان نفسوا ياخذها في حضنه هو كمان زي ما اسماء عملت.

بعد لحظات، أسماء بعدت شوية عن ليلى، مسكت وشها بإيديها، وقعدت تتأملها، تتأكد إنها سليمة، بعدين فجأة بصت لأركان، دموعها لسه على خدها، لكنها مليانة امتنان حقيقي.

أسماء بصوت متهدج: "إنت جبتها… إنت أنقذتها."

أركان ما ردش، اكتفى بنظرة ثابتة، عنيه كانت بتقول حاجات أكتر من أي كلام ممكن يتقال. 

أسماء بصتلها بقلق، كانت حاسة إنها عايزة تفضل جنبها، بس في نفس الوقت عارفة إنها محتاجة تهدى لوحدها.

أسماء وهي بتاخد نفس عميق: "بصي يا هنيه، أنا هسيبك دلوقتي ترتاحي، بس نبقى نتكلم بعدين على كل حاجة حصلت، ماشي؟"

ليلى هزت راسها ببطء، عنيها لسه متعلقة بيها، مش قادرة تنطق بكلمة.

أسماء بصت لأركان اللي كان واقف على بعد، ملامحه متوترة بس هادية بطريقته المعتادة، كأنه واقف حارس جنبها.

أسماء وهي بتكلم أركان بنبرة واضحة: "خلي بالك منها."

أركان ما ردش، بس نظرته كانت كفاية.

أسماء ، سابتها لوحدها… 

مشت ليلى واركان على الاوضه بتاعتهم

والهدوء نزل فجأة على المكان، بس كان هدوء مليان توتر.

ليلى رفعت عنيها ببطء، لقت أركان لسه واقف في مكانه، عنيه عليها، مش ناوي يتحرك.

ليلى كانت قاعدة على طرف السرير، لسه في حالة صدمة من اللي حصل، قلبها بيدق بسرعة، مش قادرة تفكر كويس.

أركان كان واقف بعيد، عنيه عليها، ملامحه متوترة بطريقة مش معتادة منه. خوفه عليها كان ظاهر، بس كمان كان في حاجة تانية… حاجة مش مفهومة بالنسبة له.

لما اتأكد إنها بخير، أخد نفس عميق، كأنه بيحاول يهدى نفسه، وراح يقعد جنبها، المسافة بينه وبينها كانت صغيرة، أصغر بكتير من أي مرة قبل كده.

ليلى بصت له، عنيها كانت مليانة بمشاعر هي حاساها من زمان، بس عمرها ما قالتها، عمرها ما اعترفت بيها حتى لنفسها.

الليلة دي كل حاجة كانت مختلفة… المشاعر، الخوف، القرب… كان في حاجة مسيطرة عليهم هما الاتنين.

أركان كان حاسس بحاجة غريبة، حاجة جديدة عليه… حاجة مكنش متوقعها. مشاعره كانت مضطربة، مش قادر يفهم هو ليه مش قادر يبعد عنها دلوقتي. ليه مش قادر يفكر بعقله بس زي كل مرة؟

ليلى وهي بتبص لأركان عن قرب، عنيها لسه مليانة توتر بس في نفس الوقت امتنان حقيقي:

"شكرًا… شكرًا إنك أنقذتني، شكرًا إنك كنت جنبي طول الوقت."

حاولت تخفف الجو المشحون بمرح خفيف، ضحكت وهي بتقول:

"كده أنت موجب عليا مرتين، أنقذتني مرتين."

بس أركان ما ضحكش… ما قالش حتى كلمة. كان ساكت، عنيه مثبتة عليها، نظرته تقيلة، كأنها ماسكة فيها.

في ثانية، ومن غير تفكير، سحبها لحضنه.

مش كان مجرد رد فعل… كان حاجة جواه، حاجة أقوى منه، حاجة مش فاهمها بس مش قادر يقاومها.

إيده شدت عليها أكتر، كأنها لو اتحركت حتى شبر بعيد عنه، الدنيا كلها هتنهار. أنفاسه كانت مضطربة، وحرارة قربه خلت قلبها يدق بسرعة.

ليلى رفعت وشها ليه، لقته باصص لها بنظرة عمرها ما شافتها منه قبل كده… خليط بين خوف، غضب، وشيء أعمق… شيء مش مفهوم.

كانت هتتكلم، بس صوته قطع المسافة بينهم وهو بيهمس بخشونة:

"مش هسمح لحد يلمسك تاني."

الكلمات دي نزلت على قلبها بحرارة، حسسته إنها في أمان، إنها في المكان الصح… حتى لو المكان ده هو حضنه.

لكن اللي بدأ كحضن أمان، اتحول لحاجة تانية… حاجة مختلفة تمامًا.

أركان بصّ لليلى نظرة طويلة، عنيّه كانت تقرأ كل تفصيلة في ملامحها، كل رعشة خفيفة بتعدّي على جسمها. قرب منها بهدوء، همس بصوت ضعيف وهو عيونه بتسبر أعماقها:

"غيري أنا..."

الكلمة خرجت شبه وعد، شبه تهديد، شبه استسلام.

 اركان هجم على شفايفها، مفيش حاجة بتتحرك غير أنفاسهم اللي بتتصادم في الفراغ الضيّق بينهم. طول اللحظة زاد، وهي عنيها كانت بتترجّاه، مش عارفة هي بتطلب منه إيه بالضبط... الهروب ولا الغرق أكتر.

فضل يبصّ لها مده طويلة، لحد ما حسّ إنها بقت محتاجة تتنفس، ساعتها بس بعد عنها، لكنه ما سبهاش.

شفايفه كانت بتمشي على كل جزء من وشها، كأنه بيحفر وجوده فيه، كأنها ذكرى لازم تفضل محفورة. إيده كانت بتتغلغل، تكتشف تفاصيلها، تحسّها، تحتلّها.

كانت عيونه بتقول حاجات كتير، حاجات هو نفسه مش عارف يفسرها... بس الليلة دي، ما كانش في مهرب.

إيديها كانت متشنجة على ضهره، مش عارفة تمسكه ولا تبعده، وجسمها كان بيتجاوب رغم كل حاجة. قلبها بيدق بسرعة، أنفاسها متلخبطة، وحالة غريبة بتسيطر عليها، بين الخوف والاحتياج، بين الرغبة والضياع.

شفايفه سابت أثرها على خدها، نزلت ببطء على رقبتها، وكل نفس منه كان بيحرق جلدها أكتر.

"أركان..."

الاسم خرج منها ضعيف، متكسّر، وكأنه رجاء مش مفهوم، لكنه كان كفاية يخليه يوقف لحظة، يبصّ في عنيها من تاني.

كانت ملامحها مشوشة، مش عارفة تحدد هي فين وإلى أي مدى الأمور خرجت عن سيطرتها. وهو... كان في صراع بين كل حاجة المفروض تكون صح، وكل حاجة جواه بترفض الصح ده.

إيده فضلت ثابتة على وسطها، مشدودة ليه، كأنه خايف تضيّع منه، وهي حسّت بالارتعاش الخفيف اللي سرى في جسمه.

قرب تاني، همس بصوت بالكاد مسموع، وصدره بيطلع وينزل ببطء:

"قولي لي وقّف..."

لكنها ما قالتش غير .

"أنا بحبك."

الكلمة خرجت منها بهمس ضعيف، لكنها كانت أقوى من أي حاجة سمعها قبل كده. جننته... حرّكت فيه حاجة كان بيحاول يدفنها، أو يمكن كان بيخدع نفسه إنها مش موجودة.

أركان حسّ الكلمة بتدوي في دماغه، كأنها كسرت كل الحواجز اللي كان حاططها. عنيه اتعلّقت بيها، بتدور على أي تردد، أي شك، أي مساحة للهروب، لكنه ما لقاهاش.

عنيه اسودّت، مش بسبب الغضب، لكن بسبب نار تانية كانت بتشتعل فيه. قرب أكتر، شفايفه رجعت تدور على كل جزء منها، بس المرة دي ما كانش في تردد، كان في قرار.

إيده سابت آخر مقاومة، سحبتها ليه، وبين لحظة والتانية، ما بقاش فيه حاجة بينهم... غيرهم.

الليلة كانت مليانة همس وأنفاس متقطعة، نظرات بتتقال فيها كل الحاجات اللي ما اتقالتش بكلام. كل لمسة كانت بتحكي حكاية، كل اقتراب كان بيكسر مسافة، وكل لحظة كانت بتسرقهم من الواقع.

أركان كان بيكتشفها من جديد، بشغف محموم كأنه بيحاول يثبت لنفسه إنها بقت جزء منه، وإنه ما بقاش عنده مفر منها. ليلى كانت غرقانة في إحساسها بيه، في حضنه اللي لأول مرة تحسّه ملكها، حتى لو للحظة واحدة بس.

الصمت كان بيسود المكان، غير صوت أنفاسهم اللي كانت بتتصاعد مع كل لمسة، مع كل همسة. الليلة دي ما كانتش مجرد لحظة، كانت نقطة فاصلة... لحظة مالهاش رجوع.


تكملة الرواية من هناااااااا 


لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا




تعليقات

التنقل السريع