رواية زواج في الظل الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبة ياسمين عطيه كامله
رواية زواج في الظل الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبة ياسمين عطيه كامله
البارت السادس
في غرفة البنات، كان الجو مشحونًا
صباح كانت في قمة توترها وعصبيتها، مش قادرة تفهم إزاي مش قادرين يعرفوا مكان نسرين. الأفكار بتدور في دماغها بسرعة.
صباح (بغضب شديد): "يعني إيه مش عارفين هي فين؟ الفرح بعد كم ساعه هنتفضح قدام الكل وسيرتنا هتبقى على كل لسان!"
نوال (بتكلم صفية، وهي شديدة القلق): "صفية، أنا عارفة إنك ما بتكدبيش، قوليلي بس هي هربت على فين؟ قبل ما جدك يقتلنا كلنا."
صفية (بعيون مليانة خوف): "والله يا ماما، ما نعرف هي فين. هي فجأة اختفت، وما شفناهاش بعد كده. قلنا يمكن عايزة تهدى شوية بعيد عن ضغط الفرح."
رغدة (وهي بتمسح دموعها): "، دي المرة الأولى اللى نسرين تختفي فيها من غير ما تقول."
نوال (بصوت حازم، وهي بتبص لصباح): "لازم نلاقيها بسرعة. لو ما لقيناهاش، خلاص، أنتم عارفين جدكم هيعمل فينا إيه... هيقتلنا كلنا!"
فجأة، سمعوا صوت ماكانوش يتمنوا يسمعوه في تلك اللحظة. صوت عصبى وقوي، مثل زئير عاصف يخترق صمت الجو المشحون. كان الصوت هو صوت الحاج صلاح، وصوته كان مليئًا بالغضب والعصبية لدرجة أن الأرض اهتزت تحت تأثيره.
الحاج صلاح (بغضب شديد، وهو بيصرخ): "دي مين دي اللي مش لاقينها؟! أنا فعلاً هقتلكم كلكم! بنتك فين يا صباح؟!"
صباح (بخوف شديدة، بصت لتحت وكأنها طفلة ارتكبت جريمة): "والله يا بابا مش عارفة، أنا بدور عليها ومش لاقياها."
الحاج صلاح (بصوت عالي، مع تقطيب جبينه): "يعني إيه مش لاقياها؟! هي عيلة صغيرة! بنتك هربت يا استاذ، قسمًا بالله العلي العظيم، أنا هربيكم من أول وجديد وبنتك عشان دي ما تربتش ! لازم تلاقوها بس وكلكم هتتحاسبوا! إزاي تغيبي عينك عن بنتك؟!"
فؤاد (في صدمة، مش قادر يصدق اللي بيحصل): "نسرين بنتي؟ مستحيل! دي مش ممكن تكون هي اللي هربت!"
الحاج صلاح (وهو بيجمع الناس كلها قدامه، بيصرخ بغضب أكبر): "جمّعوا لي البهايم، ولادكم كلهم قدامي دلوقتي! في خلال ساعة واحدة، الحيوانة دي لازم تبقى قصادي، وأنا مش هسكت لحد ما ألقى البنت دي!"
حالة من الهرج والمرج كانت مليانة المكان، والمكان كله تحول لفوضى بسبب اختفاء نسرين المفاجئ، وكأن الفرح كله توقف في لحظة. العربيات كلها بدأت تمشي ورا بعض، وكل واحد فيهم بيبحث عنها في كل مكان. كان منهم أركان، اللي مش قادر يسيطر على نفسه من التعب والضغط، وهو بيقول: "كانت ناقصاها دي كمان النهارده!"
أما طاهر، العريس، كان زعلان جدًا لدرجة إن كل شيء كان بيحرق قلبه. هو لنفسه، وبيحاول يحلل الموقف، وهو في حالة من الانهيار الداخلي: "للدرجة دي مش عايزاني؟ لدرجة إنها تهرب من فرحها وتتحدى جدها؟! اللى مجرد ما اعترضت كان هيموتها! هي مستعدة تموت عشان ما تبقاش معايا؟"
في اللحظة دي، مروان كان معاه، وحاول يطمنه وهو بيقوله: "ما تقلقش، إن شاء الله هنلاقيها. وصدقني، نسرين اختي مجنونة ، بس صدقني ومع الوقت هتحبك."
طاهر (بيضحك بشكل استهزائي): "مش واضح خالص."
الوقت كان بيخلص، والمهلة اللي مديها لهم الجد صلاح قربت تنتهي، والاتصالات كانت بتروح وتيجي بين العيلة كلها، وفيه ضغط رهيب بيحسوا بيه. الوقت ما بقىش فيه غير ربع ساعة، ولسه ما فيش حد لاقى نسرين، وكل دقيقة بتزيد التوتر. الجو كان متوتر جدًا في كل مكان، الكل بيحاول يلاقيها بأي وسيلة.
وأثناء ما الجد صلاح كان واقف في جنينة الفيلا، وسط الحيرة والقلق، لفت نظره عربية أركان (اللي في نظره هو "سعيد") اللي وقفت قدامه، وفتح الباب فجأة. وعين الجد صلاح ركزت على أركان وهو بينزل من العربية، في مشهد مفاجئ. أركان (سعيد) فتح الباب وطلع نسرين
وبالموق دا كان في حاجة جديدة. لمَّا عينيه التقت بعين أركان، كان في نظرة إعجاب . صلاح، اللي كان في البداية مش شايف أركان بشكل مميز، دلوقتي بدأ يحس إن فيه شيء مختلف عنه. في عقله كان في لحظة تقييم، زي ما يكون حط أركان في مكان مختلف عن باقي الرجالة اللي حواليه، وده خلّى أركان يكسب نقطة مهمة. كان واضح من نظرة الجد صلاح إنه مش بس لقى نسرين، ولكن كمان حصل شيء غير مباشر، أركان أصبح في نظره أكثر أهمية، وحتى لو كان لسه فيه تحديات قدامه، ده خلى الجد صلاح يقرب منه خطوة جديدة.
صباح كانت واقفة في الصالون، نظراتها مليانة خوف وقلق. أول ما شافت نسرين نازلة من العربية، قلبها كاد يوقف من شدة الارتباك. كان عندها شعور بالفشل، مش قادرة تستوعب اللي حصل. كانت بتحاول تظهر هدوء قدام الناس، لكن من جواها كانت عارفة إنه مفيش وقت تضيعه، ولازم تسيطر على الوضع قبل ما الأمور تتفاقم أكتر.
نوال كانت بتشوف الموقف من زاوية مختلفة. هي كانت متوترة مش بس علشان نسرين اختفت، لكن كمان علشان الموقف ممكن يأثر على سمعة العيلة. كانت عارفة إن الجد صلاح مش هيسكت لو الموضوع خرج عن السيطرة. كانت تحاول تظل هادئة قدام الجميع، لكنها كان بيها مشاعر متناقضة بين القلق والتوتر.
رغدة كانت بتشعر بالصدمة. كانت متفاجئة من الموقف، حتى لو كانت متوقعه إن نسرين هربت لأسباب خاصة بيها. قلبها كان مليان مشاعر متضاربة. هي بتحب أختها، لكن كان في قلق حقيقي من رد فعل الجد صلاح، وده خلاها مش عارفة تتصرف.
صفية كانت في حالة من الدهشة. ما كانتش متوقعه إن نسرين هتهرب في اللحظة دي. مشاعرها كانت مختلطة بين الفضول والقلق، وكانت شايفة إن نسرين كانت بتحاول تبعد عن الموقف الجاد اللي فُرض عليها
العربيات كلها جت قدام الفيلا، وكل واحد فيهم كان مشغول بالتفكير في اللي هيحصل. سليم، طاهر، مروان وعادل وصلوا.
سليم نظر لطاهر :
"مين اللي لقاها؟"
خليل :
"سعيد، هو اللي لقاها"
عادل بستغراب لانه اول مره يسمع اسمه :مين سعيد ده
طاهر: البواب الجديد
مروان بصدمه:
"طب ازاي لقاها دا احنا قلبنا عليها الدنيا وفي الاخر البواب اللي يلاقيها مش احنا؟"
فوائد: يوضع سره في اضعف خلقه
الكل كان في حالة صمت للحظة، عيونهم اتنقلت من بعضهم البعض في تساؤل، مش قادرين يصدقوا إن الشخص اللي كان بالنسبة لهم مجرد بواب هو اللي قدر يلاقي نسرين في الوقت ده.
عادل وهو بيبص لاخته اللي كانت في حضن رغده اختها نسرين "احكي لنا إيه اللي حصل."
نسرين بدموع وهي بتفتكر
فلاش باك
"وأنا كنت خارجة من الفيلا، لقيت العربية اللي هربت فيها وقفت في مكان جنب الزرع. نزلت بسرعة، وفضلت أمشي وسط الزرع مش عارفة رايحة فين ولا هعمل إيه. وكنت في حالة تشتت... وفجأة، لقيت شابين قاعدين بيشربوا ، وقربوا مني."
نسرين كملت، وهي مسترجعة اللحظة بخوف:
"واحد منهم : الحق يلا القمر اللي قصادنا دي، النداهة ولا إيه؟'
التاني رد عليه وقال: 'لا يا ابني دي حقيقية، بت شوف شعرها حلو ازاي'، وقام يغمز لي وقال: 'ما تيجي يا عسل.'"
نسرين كانت مرعوبة، وكأن قلبها كان هيقف،
واحد منهم:"الجميلة رايحة على فين؟"
نسرين خافت جدا و على طول جرت بأقصى سرعتها
في الاثناء دي شفها اركان ركن العربيه بسرعه ونزل منها
نسرين اول ما شافته حست انها شافت نجدتها جريت عليه ورمت نفسها في حضنه بس طبعا ما حكيتش لهم ده
اركان بعدها عنه وقال لها روحي اركبي العربيه وما تنزليش منها
واحد منهم حاول يتحدى، وقال:
"إمشي يلا من هنا، ده مش شغلك. سيبها بدل ما نغزغزك ونموتك. إحنا اثنين وأنت لوحدك."
لكن أركان كان ثابت، بيبص في عيونهم نظرة حادة، وقال لهم بكل برود:
"طب ارمي اللعبة اللي في إيدك دي وامشي أحسن لك لو مش حابب أكسر عضمك دلوقتي."
الشابين ضحكوا، وحاولوا يهجموا بالمطوه على اركان بس اركان مسك دراع الشاب اللي كان ماسك المطوه ولفوا لورا لدرجه خلى المطوه تقع من ايديه وأعطاه لكمة قوية في وجهه. الآخر حاول التدخل، لكن أركان كان أسرع. امسك به من رقبته، ووجه له ضربة أخرى، وجعلهم يقعوا على الأرض
وقاموا يجروا على طول يهربوا
واركان مشي ناحية العربيه وانطلق
نسرين بهيام وهي ما كانتش بتفكر في حاجه غير حضنه وجمال حضنه ريحته كانت جميله جدا وحضنه كان دافئ هو ده اللي كان شغال بالها بس: شكرا جدا ليك مش عارفه من غيرك كنت عملت ايه
اركان بجديه وهو بيبص في الطريق: تاني مره ما تهربيش من البيت اهلك عارفين مصلحتك
نسرين ما ردتش وفضلت طول الطريق تبص له
نهايه الفلاش باك
طاهر بعصبيه :مين الشباب دي انا هخفيهم من على وش الدنيا ازاي يتجراوا يقربوا لك تعرفي هم مين
نسرين هزت راسها بدموع بمعنى لا
مروان: يمكن سعيد ده يعرفهم
سليم :اكيد لا دا لسه جاي جديد في البلد كلها مش الشغل بس
دموعها تسيل على وجهها، وهي تحاول أن تبرر موقفها أمام الجميع. عينيها مليئة بالخوف والأسف، وكأنها تدرك حجم ما فعله، ولكنها كانت في نفس الوقت تملأها مشاعر التوتر والخوف من ردة فعل الجميع عليها.
نسرين: (وهي تبكي) "أنا آسفة... حقكم عليا، والله ما كانش قصدي أخوفكم. أنا بس... بس ما بحبش حد يغصب عليا حاجة، ولا أحب حد يتحكم فيا."
كانت تتنفس بصعوبة، تشعر بالذنب الشديد. حاولت تهدئة نفسها، لكن الدموع لم تتوقف عن الانهمار، وكأنها تعبير عن مشاعر متضاربة داخلها. عيونها كانت تبحث عن نظرة تعاطف أو تفهم، ولكنها لم تجد سوى العيون الغاضبة والمشحونة بالتوتر.
الجد صلاح، الذي سمع كل الحديث وعرف ان اركان مش بس وجد حفيدته ده انقذها النقطه دي بتزود رصيد اركان عنده ،وجه الكلام لحفيدته اللي بتترجه يسامحها
الحاج صلاح: (بعصبية) "حسابك بعد الفرح لكن دلوقتي كل واحد يقوم يجهز."
كانت الكلمات كالسياط على نسرين، جعلتها تشعر بأنها قد ارتكبت أكبر خطأ في حياتها. نظرت في عيون الجد صلاح، وتمنت لو كانت تستطيع أن تعيد الزمن للوراء، ولكن لم يكن هناك وقت للندم.
الجميع بدأ يتحركون لتجهيز الفرح، ولكن نسرين شعرت وكأنها لا تنتمي إلى المكان. أجواء الفرح كانت لا تناسب مشاعرها، وكانت لا تعرف كيف ستواجه الجميع بعد ما حدث.
القاعة مليانة أضواء، موسيقى الفرح شغالة، والكل منتظر اللحظة الكبيرة... دخول العرسان الأربعة مع بعض في موكب واحد. كان المشهد مزيج بين الرومانسية، القلق، والعبثية المطلقة، خاصة لما يكون في واحده مجنون وسطهم!
لحظة دخول العرايس:
الأبواب اتفتحت، وبدأت كل واحدة تمشي جنب عريسها… بس مش بنفس الحماس!
نسرين وطاهر:
نسرين كانت ماشية جنب طاهر وهي حاسة إنها داخلة على ساحة إعدام، مش فرح! فستانها الأبيض ما غطاش علامات الضيق اللي على وشها، وعنيها بتبص في كل اتجاه إلا في وش طاهر. أما طاهر، فكان بيبص لها بنظرة كلها حب، كأنه مش شايف أي حاجة غيرها، وبيقرب منها شوية بشوية. فجأة، نسرين اتحركت خطوة بعيدة عنه، كأنها بتزود المسافة بينهم بالعافية.
رغدة وسليم:
على العكس تمامًا، رغدة كانت مبسوطة جدًا وماشية جنب سليم وهي بتبتسم بخجل. أما سليم، فكان بيحاول يكون هادي ورزين، لكن نظراته ليها كانت بتفضحه تمامًا… شايفها أحلى واحدة في الدنيا. رغدة قربت منه وهمست:
– "بدلتك حلوة عليك."
سليم ضحك وقال:
– "وأنتِ أحلى"
صفية وعادل:
صفية كانت عينيها مليانة حب، قلبها بيدق بسرعة وهي ماشية جنب عادل اللي كان بيبص لها بنفس الإعجاب. ده كان الفرح اللي حلمت بيه، والرجل اللي قلبها اختاره. عادل لاحظ ارتباكها، فمال عليها وقال بهزار:
– "خففي السرعة يا عروسة، إحنا مش في سباق."
ضحكت بخجل، وسرقت منه نظرة سريعة.
مروان وأسماء (المصيبة الكبرى):
أما هنا، فالحالة كانت كارثية! أسماء، اللي بتوصف نفسها رسميًا على إنها "مجنونة"، دخلت القاعة وهي بترقص على أنغام الزفة، مشيها مش مشي عروسة خجولة، بل مشي حد داخل حفلة تنكرية ومبسوط بالدوشة! مروان كان ماشي جنبها وكأنه متقدم على حبل مشنقة، وشه شاحب وعنيه بتدور على أي مخرج من المصيبة دي وبيقول لنفسه ما لقوش غير المجنونه دي يجوزها لي.
لحظه الرقصه الرومانسيه العرسان وقفوا جنب بعض، وبدأوا يبصوا لبعض لأول مرة المشاعر كانت متضاربة تمامًا!
نسرين بصت لطاهر… وطاهر بص لها بحب، وهي بصت له بنفس النظرة اللي الواحد بيديها للواجبات اللي مش عايز يحلها!
رغدة وسليم كانوا غرقانين في بعض بنظرات كلها حب وارتباك.
صفية وعادل كانوا في عالمهم الخاص، كأنهم بس هما اللي في القاعة.
أما مروان، فكان مصدوم… أول ما شاف أسماء بفستان الفرح الأبيض اللي مليان تطريزات لامعة وحركات، بص لها بذهول وقال بصوت واطي:
– "هو ده فستان عروسة ولا بدلة سوبر هيرو؟!"
أسماء ضحكت وقالت:
– "عجبتك؟ جبتها مخصوص عشان
تنبهر بيا طول حياتك."
مروان تنهد وقال:
– "هو أنا محتاج انبهر اكثر من كده؟ كفاية اللي أنا فيه!"
القاعة انفجرت بالتصفيق، وكل واحد فيهم كان بيواجه مصيره… بعضهم بسعادة، وبعضهم بندم، وبعضهم بتسليم تام!
وسط الدوشة والصخب، كان الفرح ماشي زي الحلم.. أصوات الزغاريط، الأغاني، الناس اللي بتضحك وبتسلم على بعض، الصواريخ اللي بتنفجر في السما وتلونها بألوان زاهية، والعيون كلها مرفوعة لفوق.. محدش واخد باله من اللي بيحصل تحت رجليه.
لكن أركان كان شايف، شايف بعينه اللي غيره مش شايفه. الفرح ده كان غطاء لعملية أكبر بكتير، صفقة مخدرات معمولة بتخطيط محكم، خطة مستحيل حد يكشفها، ولو حاول يكشفها مش هيلاقي حاجة تثبتها. الحاج صلاح، دماغه سم زي ما بيقولوا، عامل كل حساباته، مغفل الحكومة بمكان تاني خالص، مبدل رجالة، مأمن كل حاجة، ومستحيل أي عين متركزة فوق تشوف اللي بيحصل تحت.
أركان، أو سعيد زي ما بيتقال عليه هنا، كان مركز، مستني اللحظة اللي يعرف فيها أكتر، واللحظة دي جت لما قرر يعمل حركة.. حركة بسيطة، بس كانت كفيلة تلفت انتباه صلاح ليه. عين صلاح وقعت عليه، راقب تصرفه، وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه لقى حاجة كان بيدور عليها.
بعد الفرح، وأركان كان بيجهز يخرج من المكان، لقى واحد من رجالة صلاح بيشاور له:
• الحاج عايزك.
دخل، لقى صلاح مستنيه، قاعد بهدوء، عنيه تقيس كل حركة بيعملها:
• إنت دماغك حلوة يا سعيد.. عجبتني.
• خير يا حاج؟ قالها أركان بصوته التقيل المعتاد.
• عايزك معايا بعد كده.. شايف إن ليك فرصة حلوة معانا.
الكلام كان واضح.. صلاح شاف فيه حاجة مميزة، شاف إنه مش مجرد حد شغال عندهم، لأ، دماغه بتشتغل، وده يخليه يستحق فرصة أكبر وبكده اركان حط رجله على بدايه الطريق اللي هو عايزه.
ليلى كانت واقفة في ركن بعيد، ماسكة صينية فيها عصاير، بتتحرك وسط المعازيم كأنها جزء من الديكور، مش واحدة المفروض إنها "زوجة" برضه!
عنها كانت بتلمع وهي بتبص للعرسان، فساتينهم البيضاء، نظرات الفرح والترقب اللي بينهم… وغمضت عينيها لحظة، تخيلت نفسها مكانهم، تخيلت نفسها بفستان فرح، وأركان واقف قدامها… بس قبل ما تكمل الخيال، صوت حد بيناديها صحاها:
– "يا خدامة! العصير يا بنتي، انتي واقفة تحلمي!"
فتحت عينيها بسرعة، وأجبرت نفسها تبتسم وهي بتقدم الصينية… لكن قلبها كان تقيل، ونظرتها – غصب عنها – راحت على أركان.
كان واقف بعيد، لابس جلبيه سودة فخمة، شكله هادي زي العادة، نظرته باردة، وكأنه مفيش أي حاجة بتحركه، حتى الفرح اللي حواليه مش مقصر فيه. بس لما عنيه جات على ليلى… وقف لحظة، حاجبه اتحرك بخفة، كأنه بيقول لها شيلي عينك من عليا.
ليلى نفسها كانت بتلعن اللحظة اللي بصت له فيها، قلبها اتشد، فركت صوابعها في طرف المريلة اللي لابساها، وحاولت تهرب بنظرتها… بس أركان كان أسرع.
مشيت بسرعة وسط الناس، دخلت المطبخ، وحطت الصينية بعنف، وحطت إيديها على قلبها اللي كان بيخونها… "إيه ده؟ أنا في مهمة، مش في فرح بجد! إيه الغباء ده؟"
بس الحقيقة كانت واضحة… أي بنت، مهما كانت، لو لقت نفسها في يوم شبه اليوم ده، وهي عارفة إن اللي المفروض يبقى جوزها واقف هناك، مش معاها… هتحس بوجع مش طبيعي.
أما أركان، فبعد ما اختفت من قدامه، شال عينه عن المكان، رجع لنفس بروده المعتاد… وكأن المشهد اللي حصله من شوية مجرد حاجة مالهاش لازمة، أو يمكن… مش عايز يعترف إنها أثرت فيه فعلاً.
أربع غرف، أربع حكايات
الغرفة الأولى: نسرين وطاهر
نسرين دخلت الأوضة وهي متوترة، قلبها بيخبط بسرعة، وطاهر وراها، قفل الباب بهدوء وبص لها بنظرة مش سهلة… نظرة حب مش مخفية، بس كان فيها خوف، خوف من رد فعلها، من رفضها، من الحاجز اللي بينه وبينها.
هي وقفت بعيد، حطت إيديها في بعض، وشها متشنج، مش قادرة تبص له، مش قادرة تتقبل فكرة إنها بقت مراته بجد.
طاهر بابتسامة خفيفة: "مش عايزك تخافي مني، أنا عارف إن الجوازة دي مش بمزاجك، بس أنا مستعد أستنى… لحد ما قلبك يلين لي."
نسرين بلعت ريقها، رفعت عينها له أخيرًا، كان واقف بعيد، بس قريب بشكل يخليها تحس إنه فعلًا صادق…
بعد لحظات صغيره
نسرين كانت قاعدة قدام المرآة في أوضتها، شعرها سايب على ضهرها، وعينيها ثابتة على انعكاسها، بتفكر… بتحسبها… أي نعم كانت مكسورة، وأي نعم حياتها مش بإيدها، بس هي لسه تقدر تتحكم في حاجات، حاجات هتخليها تتحرر أكتر. كانت فكرت في كل السيناريوهات، ودي كانت الطريقة الوحيدة اللي هتديها القوة اللي ناقصاها… الطريقة الوحيدة اللي هتخليها مش تخاف من أي حاجة بعد كده.
لما طاهر خرج من الحمام، كانت جاهزة…
"طاهر…" صوتها طلع ناعم، فيه حاجة مختلفة خلت قلبه يدق أسرع.
قامت من مكانها ببطء، قربت منه، وكل خطوة كانت محسوبة. نظرتها مكنش فيها رهبة، مكنش فيها تردد، بالعكس… كانت واثقة. حطت إيديها على كتفه، حست بتشنجه، بلع ريقه، وملامحه اتغيرت، متفاجئ، مبهور، مش قادر يصدق إن المسافات بينه وبينها بقت شبه معدومة.
هو كان مستني لحظة زي دي، كان عايزها، كان بيتمنى إنها تيجي له بإرادتها، مش مجبره عليه… دلوقتي؟ هي اللي بتقرب؟ هو كان عايز يصدق إن ده حقيقي.
"نسرين…"
سكتت، بصت في عينيه، وقربت أكتر، همست بصوت هادي:
"مش ده الطبيعي؟ انت جوزي، مش كده؟"
طاهر مقدرش يرد… هو مبسوط، مغيب عن أي شك، عن أي تفكير منطقي. هي دلوقتي مش مجرد العروسة الهاربة… دي بقت مراته، وهو خلاص… أخيرًا… بقى ليه حق عليها.
بعد دقايق عقله سرح في اللي حصل… كان كل حاجة ماشية تمام، بس فيه حاجة مش مريحة، حاجة كأنها ناقصة… تصرفات نسرين بعد اللي حصل، كانت باردة، عادية، لا فيها حب ولا ندم… كأنها بس خلصت مهمة.
أدرك… ببطء شديد… إن كل اللي حصل مكانش سببه إنها حبته، ولا إنها استسلمت ليه… لا… نسرين كانت بتلعب لعبة أكبر منه، لعبة هو لسه مش عارف قوانينها… بس أكيد هيفهمها قريب جدًا.
الغرفة الثانية: رغدة وسليم
على عكس نسرين، رغدة كانت طايرة من الفرحة، أول ما دخلوا الأوضة ضحكت بمرح: "وأخيرًا لوحدنا يا بيه!"
سليم بابتسامة : فرحانه
رغدة ضحكت وهي بتقرب، حطت إيديها على صدره بخفة: "هطير من الفرح كنت مستنية اللحظة دي من زمان…"
سليم مسك إيديها، قرب وشه منها وهمس: "وأنا كمان."
وقبل ما تكمل أي كلمة، كانت بين إيديه، بتضحك وهي بتحس إن الليلة دي أجمل ليلة في حياتها.
الغرفة الثالثة: صفية وعادل
صفية كانت قاعدة على طرف السرير، متوترة شوية بس مش خايفة… بس عادل كان هادي كالعادة، فضل واقف عند الدولاب، بيخلع الجاكت، وبيبص لها من المراية.
"إنتِ متوترة ليه؟ مش كنا متفقين إن إحنا نبدأ حياتنا براحة ومن غير أي ضغط؟"
صفية هزت راسها بسرعة: "عارفة، بس… الموضوع غريب شوية، يعني… إحنا متجوزين بجد دلوقتي."
عادل لف لها، قرب منها وبص في عينيها: "وبجد هتبقي مراتي وحياتي… ومستعد أستنى لحد ما تتعودي عليا."
صفية ابتسمت بخفة، قلبها بدأ يهدى، عارفة إن معاه مفيش حاجة تخوف… هو سندها، وده كفاية.
الغرفة الرابعة: مروان وأسماء
أما هنا، فالحكاية مختلفة تمامًا
أسماء (بتتكئ على السرير وبتبص لمروان بعيون ضيقة): " بصي بقى يا بتاع البنات، انت؟لا تكتفي بيا لااااا… بالبنات بتاعتك!"
مروان (بيرفع حاجبه بسخرية وهو بيفك أول زرار في قميصه): "البنات بتاعتي
أسماء (بتشد المنديل اللي في إيدها وبتبص له ): "حلو أوي… عايزاك بقى لما أمي تيجي بكرة تسأل حصل إيه، تورّيها دم إيدك الحلوة دي على المنديل ده!"
مروان (بخبث وهو بيقرب منها): "لا، هقول لها بنتك رفضت تديني حقوقي الشرعية!"
أسماء (بتشهق وهي بتحط إيدها على صدرها): "ااه؟ يا كذاب! مش انت اللي لسه مختار؟ مش أنا خيرتك؟ وفي الآخر يسألوا البني آدم مسير ولا مخير!"
مروان (بصوت هادي بس عنيه فيها لمعة شهوه وهو بيرمي الجاكيت على الكنبة): "وأنا اخترت…"
أسماء (بترجع لورا وهي بتبلع ريقها): "يا مروان، يا عسل، يا جميل، لا انا بطيقك ولا انت بطقني، ما انت فاهم الجوازة دي مش راضي عنها غير أبوك وأمي عشان إخوات… عارف أبويا اللي هو خالك؟ أقسم بالله رزعني علقة موت عشان الجنازة دي!"
مروان (وهو بيقرب أكتر ببطء): "ومين قال لك إني مش بطّقك؟ بعدين ده مالوش علاقة إنك من الصنف الناعم، صح؟"
أسماء (بتفتح عينيها بخوف وهي بترجع لورا): "بلا صنف ناعم بلا صنف خشن، روح نام يا عسل!"
مروان (بخبث وهو بيهجم عليها): "مافيش نوم للصبح!"
أسماء ( وهي بتقع على السرير): "يا نهار أسود، إنت بتتكلم بجد؟!"
مروان (يعتليها وهو بيهمس بشهوه): اديكي هتشوفي بعينك محدش هيقول لك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلى كانت لسه هتدخل الاوضه بعد يوم طويل ومرهق، الفرح خلص أول ما وصلت للباب مدت إيدها تفتحه، لكن صوت أركان جمدها في مكانها.
صوته كان هادي، بس فيه حاجة غريبة، حاجة مش سمعته بيقولها قبل كده.
أركان: "عارفة كويس إني ما حبيتش ولا هحب غيرك، كل ده كان لازم يحصل، بس ده ما غيرش حاجة جوايا."
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين اجمعين
انتظروا البارت السابع
وخمنوا معايا مين اللى بيكلمها اركان ؟!
زواج في الظل البارت ال ٧
الكاتبه ياسمين عطيه
بعد انتهاء الفرح، وأركان يدخل الغرفة، متعبًا لكنه بالكاد أغلق الباب حتى رن هاتفه... ينظر للشاشة، تتبدل ملامحه للحظة قبل أن يرد بصوت هادئ
يارا بصوت متردد ومكسور: "وحشتني، ليه عملت كده؟ ليه سبتني كل المدة دي؟"
أركان بهدوء، لكنه واضح إنه متأثر: "كان لازم.. بس انتي عارفة كويس إني ما حبيتش ولا هحب غيرك."
يارا: "كنت محتاجة أسمعها منك، كنت خايفة يكون اللي بينا خلص."
أركان: "مستحيل.. حتى لو الظروف فرضت علينا حاجات، أنا ما تغيرتش."
ليلى، اللي كانت واقفة عند الباب، حسّت بجسمها بيتجمد، كأن الكلام كان سكاكين نازلة على قلبها واحدة ورا التانية. جملة ..ما "حبيتش ولا هحب غيرك." "أنا ما تغيرتش."
الكلمات دي خبطت في قلبها بقوة، كأنها صفعة صحّتها من وهم ما كانتش حتى معترفة بيه. هي ما كانتش ناوية تحس، ما كانتش ناوية تتعلق، لكن من غير ما تحس… حبت أركان.
مش عارفه حبيته ليه وازاي وامتى يمكن حبت طريقته لما بينادي عليها ببرود بس فيه حاجة بتحسسها بالأمان. حبت نبرته الحازمة . حبت حتى الطريقة اللي بيتجاهلها بيها ساعات… كل تفصيلة صغيرة كانت بتدخل جواها من غير ما تلاحظ، لحد ما بقت حقيقة.
بس الحقيقة الأهم؟ إنه مش ليها. مشاعرها راحت لشخص قلبه لسه متعلق بحد تاني.
بلعت غصتها وحست إن دموعها بتلسع عينيها، بس مسحتها بسرعة قبل ما تضعف أكتر. بعدها أخدت نفس عميق، وفتحت باب الأوضة، وكأنها ما سمعتش حاجة. قفلت وراها بهدوء، ما بصتش له، ما قالتش حاجة. راحت ناحية السرير ونامت على طرفه، بعيد عنه لأول مرة من يوم ما بدأت المهمة.
كل يوم كانت بتنام في حضنه، كل يوم كانت بتلاقي في حضنه راحة غريبة، حتى لو بينهم كان مجرد تمثيل.. حتى لو عارفة إنه ما بيفكرش فيها زي ما هي بقت تفكر فيه.
بس الليلة دي.. لا.
الليلة دي كانت عينيها مفتوحة، سقف الأوضة كان قدامها، بس عقلها كان في مكان تاني، مع جملته، مع إحساسها اللي اتكسر.
أركان كان حاسس إنها مش نايمة، مش مرتاحة، بس ما قالش حاجة. فضل ساكت، بس عنيه كل شوية تروح ناحيتها. هو مش فاهم مالها، بس كان حاسس إن فيه حاجة مش مظبوطة.
ليلى فضلت سهرانة.. وأركان فضل مش فاهم.
أركان فتح عينيه على ضوء الشمس اللي كان داخل من شباك الأوضة، لف راسه ناحية ليلى، لقاها على جنبها، كانت وشها للناحية التانية، مش في حضنه زي كل يوم.
قعد في سريره، مسح على وشه بإيده وهو حاسس بحاجة غريبة، حاجة مش مريحة. هي كانت صاحية طول الليل؟! كان حاسس بحركتها، بتقلبها، بس تجاهل، افتكرها هتنام في الآخر، بس دلوقتي وهو شايفها كده، متأكد إنها ما نامتش.
قرر يقوم من غير ما يصحيها، بس قبل ما يتحرك، سمع صوت نفس تقيل خارج منها، زي حد بيحاول يخبي حاجة
قامت بهدوء، دخلت الحمام، وهو قعد في مكانه لكن عقله مشغول بحاجة تانية.
لما خرجت، لقاها رايحة ناحية الدولاب تاخد هدومها. ساعتها سألها، بصوت هادي لكن نبرته كان فيها حاجة مش مفهومة:
أركان: إنتي كويسة؟
اتجمدت لحظة، كأنها ما كانتش متوقعة يسألها، وبعدها هزت راسها بسرعة.
ليلى: آه، تمام.
كان رد مختصر، بارد، بعيد عن طبيعتها اللي كان متعود عليها كان دايمًا فيها حاجة بتكسر الحدة، لكن دلوقتي؟ كأنها بقت شخص تاني.
هو ما علّقش، وما حاولش يسأل أكتر. فضل ساكت وهو بيتابعها وهي بتخرج من الأوضة.
في غرفة مروان
أسماء فتحت عينيها ببطء، حسّت بجسمها متجرد من أي حاجة، ضربات قلبها زادت وهي بتبص جنبها، لقت مروان نايم بوش هادي كأن الدنيا ما حصلش فيها حاجة. فجأة، افتكرت اللي حصل امبارح، وشها احمر، وبدأت تزق فيه وهي متعصبة:
أسماء، وهي بتزعق: "قوم يا متحرش! انت ليك نفس تنام؟! فين الاحترام؟ فين الأدب؟ فين التربية؟!"
مروان فتح عين واحدة بنعاس، بص لها بطرف عينه، وغمغم بصوت مبحوح:
مروان: "عارفة لو قمت؟ هوريكي كل اللي انتي بتسألي عليه ده، زي امبارح بالظبط... فـ نامي بدل ما أقوم لك."
أسماء شهقت، وسحبت اللحاف عليها بسرعة، وعيونها كانت بتلمع بالغيظ.
أسماء، بصوت متوتر وغضبان: "أنا مش هعيش معاك هنا، أنا رايحة عند أمي!"
مروان رفع حاجبه بس، واتكعبل في نعاسه وهو بيرد ببرود:
مروان: "الباب قدامك، هتلاقيه في نفس المكان اللي كان فيه امبارح."
أسماء رمشت بسرعة، حسّت إنها اتصدمت من طريقته المستفزة، وبعدين قامت بسرعة وهي بتزعق:
أسماء: "طب تعالى وديني!"
مروان، وهو بيشد الغطاء عليه أكتر وبنفس النبرة الباردة:
مروان: "بقولك إيه، حلي عن نفوخي بقى، نامي وخليني أنام، بلاش أفكّرك الليلة كانت عاملة ازاي."
أسماء حطت إيديها على خدها بانفعال، وبعدها رمته بمخدة على وشه.
أسماء: "قليل الادب ! "
مروان وهو بيضحك، وساحب المخدة يحضنها:
مروان: "عارفه لو قمت لك هوريكي قله الادب الحقيقيه"
أسماء زمّت بُقها، واستسلمت، بس وهي مقررة إنها مش هتسيبه ينام بهدوء أبدًا!
بعد دقايق
أسماء خرجت من الحمام بعد ما اتشطفت ولبست هدومها بسرعة، بس الغيظ كان ماليها من مروان. بصت على الكوباية اللي على الكومودينو، ولمعت في دماغها فكرة شيطانية. مسكتها ورشتها على وشه وهي بتضحك بجنون.
أسماء بصوت مستفز: "صح النوم يا متحرش!"
مروان فتح عيونه بصدمة، حس بالبرودة تضرب وشه، وبعد ثانيتين استوعب اللي حصل.
مروان بصوت مبحوح من النوم: "أسماء… انتي عايزة تموتي؟!"
أسماء ما استنتش تسمع بقيّة الجملة، طلعت تجري برا الأوضة وهي بتضحك، مروان نط من السرير بس ما كانش ينفع يجري وراها لانه مش لابس، هي جريت و هي بتنهج من الضحك والخوف في نفس الوقت.
دخلت المطبخ اللي فيها ليلى شايلة كيس طلبات للمطبخ بتحطه على الترابيزه.
أسماء، وهي تلهث بخوف: "خبيني! بسرعة قبل ما يقفشني، هيقتلني!"
ليلى بصتلها باستغراب، وبعدها بصت وراها بحذر.
ليلى بقلق: "مين اللي هيقتلك؟!"
أسماء، وهي تحاول تلتقط أنفاسها: "جوزي! رشيت عليه كوباية ميه!"
ليلى استوعبت الكلام في لحظة، عيونها توسعت، وبعدها انفجرت ضحك بدون ما تحس.
ليلى وهي تضحك: "إنتي مجنونة رسمي!"
لكن لما سمعت صوت خطوات تقيلة جاية ناحية الباب، لمحت بسرعة ترابيزة المطبخ الكبيرة، ومسكت أسماء من إيدها وسحبتها بسرعة تخبيها تحتها.
ليلى وهي تهمس: "اقعدي هنا واسكتي!"
أسماء وهي تحت الترابيزة، بصتلها بفضول وهمست:
أسماء: "إنتي اسمك إيه؟"
ليلى وهي تراقب الباب بحذر: "هنيه."
أسماء بابتسامة: "وأنا أسماء، إن شاء الله هنبقى أصحاب، جميلك ده مش هنساه أبداً!"
أسماء، وهي تهمس بحماس: "إنتي ساكنة فين؟"
ليلى أومت برأسها: "أنا في البيت الجانبي هنا في الفيلا،اصل جوزي البواب هنا ."
أسماء بحماس: "خلاص، هاجي لك دايمًا، ونقعد نحكي سوا!"
ليلى حاولت تسكتها بإشارة من إيدها، لأن صوت خطوات مروان كان بقى قريب جدًا، وهي عارفة إن الليلة مش هتعدي بسهولة!
في غرفة مروان
مروان خرج من الحمام بسرعة، وبعد ما لبس هدومه، طلع من غرفة النوم ولقى أمه، صباح، واقفة قدامه بتستغرب من ملامحه. كان واضح عليه إنه متعصب جدًا.
صباح، وهي بتبصله بقلق: "مالك يا حبيبي؟ فيك إيه؟"
مروان، بصوت غاضب: "بنت أخوكي اللي انتِ مجوزاني ، المجنونة! دي مش طبيعيه ان كان اخوك ذات نفسه مش طايع هي هتبقى طبيعيه!"
صباح، بتدهش من كلامه: "بس يا ولد، عيب! ما تقولش كده على خالك!"
مروان، شاح بيده بيحاول يكتم غضبه: " طب اوعي من وشي كده عشان انا هقتلها لك النهارده!"
صباح، وطلعت تجري وراه و بصوت عالي وتلح عليه: "مروان يا حبيبي، اهدا! طب احكي لي، هي عملت لك إيه؟"
مروان كان خلاص هيدخل المطبخ، لكن في اللحظة الأخيرة دخل خاله ومرات خاله من الباب، شايلين قفص فاكهة. بص علي صباح وقال لها:"شوفي النسب الغالية والجنان اللي انتِ خليتيني فيه!"
ناديه بابتسامه واسعه: مروان يا حبيبي عامل ايه ،هي اسماء فين
مروان بعصبية: " بدور عليها اهو دوري معايا
علي، مش فاهم اللي بيحصل، بص صباح وقال لها:
علي، وهو متفاجئ: "بنتي فين يا صباح؟ يعني أنا مديكم البنت عشان تضيعوها؟"
صباح، بتوتر وحيرة، حاولت تلم الموضوع بشكل هادي، فقالت:
صباح، وهي بتحاول تهدأ الوضع وهي بتضحك: "دي بتلعب مع مروان، واستخبت. هو أنت مش عارف بنتك يا علي؟"
علي، ضحك وقال:
علي، ضاحك وهو بيهزر: "إذا كانوا بيلعبوا، ماشي. أنا افتكرتها ضاعت. استنى، هدور معاك. أنا عارف بنتي ممكن تستخبى فين."
مروان، وهو شافهم وسمع كلامهم، اتصدم بشكل ما حصلش. فكر في نفسه:
مروان، بصدمه: "الناس دي ما طبيعيين!"
علي دخل المطبخ وهو بيغني ويعمل طرقعة بصباعه، بيهزر ويغني:
*علي، وهو بيغني: "اطلعي يا بطه، أنا عارف انتِ فين، اطلعي يا وزه، عارف انتِ مين؟"
اسماء، لما سمعت صوته، طلعت تجري عليه، ورمت نفسها في حضنه:
*اسماء، وهي بتضحك: "بابا حبيبي! وحشتني يا علولي! أنت جاي عشان تاخدني؟"
*علي، وهو بيضحك: "لو عايزة تيجي معايا تعالي يا حبيبتي"
اسماء وهي بتضرب بوز: ما انا قلت لك ان انا مش عايزه اتجوز وانت ضربتني
علي :هو انا ضربتك عشان كده انا ضربتك عشان قعده تلعبي كوره مع الصبيان وانا قلت لك ما تلعبيش مع العيال وبعدين هو الواد مروان ده زعلك؟"
اسماء، بتدافع عن نفسها بتنكّر وتحاول تلمع صورتها قدام أبوها:
*اسماء، وهي بتمثل على باباها: "ده مجنون يا بابا، مش طبيعي! وبعدين أنا عشان كده قلت لك مش عايزه اتجوزه. ده بتاع بنات!"
مروان وقف مكانه، مش قادر يستوعب اللي بيحصل حواليه. مابين الضحك والهزار والمشاكل، بدأ يكتشف إن اللي حواليه عايشين في عالم تاني، بعيد عن المنطق!
مروان كان خلاص مش قادر يتحمل الوضع. مرارته كادت تنفجر من كمية الغضب والضغوط اللي حواليه. لما شاف اللي بيحصل، عارف إن الجدال مع الناس دي مش هيجيب نتيجة. الموقف ده كان بيخرج عن حدود السيطرة، وده خلاه يقرر ينسحب من المشهد.
الكل قاعدين على السفرة، لكن الجو مش مريح زي ما الناس متخيلة. السفرة مليانة أطباق وأكواب ملونة، وكل واحد فيهم قاعد في مكانه، لكن مش كلهم على وفاق.
مروان بيبص ل اسماء بنظرات حادة، زي ما لو كان عايز يولع فيها. عينيه مش بتفارقها، لكن اسماء بتبصوا لو تضحك زي ما يكون قصده تستفزه
أما نسرين، فهي مش مبسوطة ولا مبتسمة، وقلبها مش في المكان ده. كل شوية، طاهر بيبص لها بنظرة مليانة حب، نسرين بتتجاهله تمامًا، مش بتلتفت ليه حتى بنظرة.
خليل، : "الحمد لله، أمبارح الصفقة نجحت ومشت زي ما مخطط له". لكن في عينه شوية توتر، مش قادر يخفى إنه مش مرتاح للجو اللي حواليه.
الجد صلاح، بيبص على الجميع بنظرة غامضة، أول ما خلص الأكل، وبطرف عينه بيبص لنسرين، وقال بصوت : "لما تخلصوا الأكل،عايزكم كلكم قدامي ". كانت الجملة دي واضحة وصريحة، نسرين حسّت بالقشعريرة في قلبها. الجد كان بيقصد العقاب، وكان عارف إن اللحظة دي جت علشان يعاقبها عشان هربت قبل الفرح. في عينيه كان فيه حكم ومكر، زي ما لو كان ينتظر اللحظة دي من زمان.
في الصالون كان وكأنه محكمة قاسية
كان كل الخدم متجمعين صفًا طويلًا قدام الجد صلاح، ومعهم أفراد العائلة الكل واقف في صمت تام، عيونهم مركزة على الجد، وفي الجو كان فيه توتر غير عادي.
في لحظة صمت قاتلة، كان الجو في الغرفة ثقيل كأن الزمن وقف. نسرين كانت واقفة قدام الجد صلاح، عيونها مليانة خوف، لكن كانت بتتحدى الدموع اللي على وشها. جدها كان واقف قدامها، ملامحه قاسية، عيناه مليانة غضب وكأنها نار بتشتعل في صدره.
فجأة، في لحظة واحدة، رفع يده بسرعة البرق وضربها بالقلم على خديها. الصوت كان مدوي في المكان، وارتجاجه كان يمر في جسدها بالكامل سقطت على الأرض من قوة الضربة. القلم كان قوي لدرجة إنها حسّت بحرارة الجرح اللي تركه على وجهها، والدم اللي بدأ يظهر على طرف شفتيها من أثر الضربة. كانت الضربة مش بس جسدية، ولكنها دخلت جوّها وأثّرت في روحها، لأنها لم تكن مجرد عقاب، كانت إهانة كاملة قدام الجميع.
نسرين، رغم الألم الشديد، حاولت تمنع دموعها، لكنها فشلت. دموعها كانت بتسقط على خدها زي المطر، وصوتها كان مكتوم، مش قادرة تتكلم، ولا حتى تدافع عن نفسها. هي عرفت في اللحظة دي إن اللي قدامها مش هيراعيها، وما فيش حد هيوقف ده.
صلاح بصوت هز المكان"قلت لك قومي، قلت لك مش هينفع تتهربي من العقاب ده... قومي!"
نسرين كانت على ركبتيها، راسها مطاطية، كأنها مش قادرة ترفع عيونها. الدم كان بيسيل من فمها، وهي بتقع قدام الجد، والدموع في عينيها، بس ما قدرتش تتكلم. الجد كرر الكلمة مرة تانية، وتالتة، صوته يرتفع في الغرفة المظلمة:
"قلت لك قومي... عشان تبقي تعملي اللي انت عايزاه بعد كده؟"
ما حدش من أفراد العائلة أو الخدم كان يقدر يتدخل. كان الكل واقف في صمت مطبق، مش قادرين يتكلموا أو يتصرفوا.سليم، وصفيه كانوا واقفين بلا حراك، ومروان وعادل كانوا عينهم على الأرض كأنهم خايفين يلتفتوا ويواجهوا الواقع. أما طاهر، كان واقف زي الطفل الصغير، أيديه مطبقة قدامه، راسه مطاطية. مش قادر يرفع نظره أو يتدخل بس كان حاسس بالوجع بتاعها كان هو اللي بيضرب
ليلى، اللي كانت واقفة مع الوقفين، كانت مستغربة. مش قادره تصدق إنها بتشوف المنظر ده. الناس دي مش طبيعيين، ازاي ممكن يكونوا بيعيشوا كده؟ ليه ما فيش حد من أفراد العائلة يوقف ده ؟ابوها!؟ امها؟! واخوها!؟ جوزها؟!
نسرين كانت بتبص لجوزها بعينين مليانة باليأس، ومش لاقية منه أي رد فعل. كان واقف ساكن زي التمثال، ما فيش في عينيه غير الضعف. هي عاشت في جو من القسوة والتجاهل، والعائلة دي مش هتقدر تحميها.
في اللحظة دي، كان الجد صلاح واقف قدام الجميع، وعينيه مليانة غضب وتسلط. صوته كان عالي وحاد، كأن كلماته صواعق. "دي أقل حاجة هعملها ليكي، وانتِ عبرة لكل واحد هيفكر يعترض على قراراتي!" قالها بصوت متهدج، وهو يركز نظره على نسرين بعينين مشبعتين بالقسوة.
استمر في حديثه، والجو كان مشحونًا بالرهبة: "العقاب مش بس الضرب اللي أخدتيه، لا، ده كمان هتتحبسي يومين في أوضه لوحدك، مش هتلاقي حد يهون عليك، مش هتسمعي صوت حد غير صوت نفسك! حتى لو حد فكر ييجي يقف جنبك أو يعترض على اللي أنا قررته، هحبسه معاكِ!" كانت الكلمات ثقيلة، ومع كل كلمة كان يزيد الضغط على نسرين.
بص لها بنظرة حادة وقال: "يلا امشي قصاد عبد الحق." ووجه نظره لعبد الحق، وعينيه كانت مليانة تهديد. "إحبسها في البدروم، وماحدش يقرب منها ولا يكلمها. لو حد فكر يقترب، هشوفه معاكِ في البدروم."
الجو في الغرفة كان متوتر لدرجة كبيرة، والكل كانوا واقفين وكأنهم خائفين على حياتهم، يشهدون لحظة مرعبة تبرز فيها قسوة الجد وتسلطه.
في غرفة مروان واسماء
كانت أسماء جالسة على طرف السرير، وهي تكلم والدتها بصوت منخفض لكنها كانت متوترة جدًا، تحاول السيطرة على أعصابها بعد كل اللي شافته النهاردة.
أسماء بضيق: بصي يا ماما، اللي انتي خليتيني أتجوزه ده، والبيت اللي انتي دخلتيني فيه… الناس دول لو جاعوا ممكن ياكلوني!
نادية : يا بنتي، ولا هيكلوكي ولا حاجة، طالما بتقولي حاضر ونعم، ما حدش هيقربلك! اسمعي الكلام وعيشي من غير مشاكل.
علي وهو بيتدخل بصوته التقيل: أمك عندها حق يا أسماء، ما تغلبيش، أنتِ جوزك بس، واسمعي الكلام.
أسماء بانفعال: أوف بقى يا بابا، أنا ما كنتش عايزة الجوازة دي من الأساس!
علي وهو بيضحك بسخرية: وهو أنتِ كنتِ عايزة تتجوزي أصلاً؟ إحنا هنكذب على بعض؟ كم عريس جه لكِ، وأنتِ كل مرة تطفشي واحد ورا التاني؟
سكتت أسماء لحظة، ما عندهاش رد على كلام أبوها، لأن الحقيقة إنها عمرها ما كانت مستعدة للجواز… بس مش بالشكل ده، مش بالشخص ده، ومش في البيت ده!
ــــــــــــــــــ
[في البدروم – غرفة مظلمة وضيقة]
كانت نسرين قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها، ضوء خافت داخل من فتحة صغيرة في الباب الحديدي. عينها كانت متورمة من الضرب، وشفايفها مشققة، بس أكتر حاجة كانت وجعاها… الإهانة، والخذلان اللي شافته قدام الكل.
وفجأة سمعت صوت خطوات حد جاي… الباب اتفتح، وطاهر دخل. واقف عند الباب، ملامحه متوترة، عارف إنها مش طايقاه، وعارف إنه لازم يتكلم.
طاهر بصوت هادي: نسرين…
نسرين ببرود وهي مش بتبص له: امشي من هنا.
طاهر بيقرب شوية: كنت عايز أطمن عليكي…
نسرين بضحكة سخرية وهي ترفع وشها لأول مرة: تطمن عليا؟ بجد؟ كنت فين وأنت شايفني باتمرمط قصاد كل الناس؟ كنت فين لما جدك كان بيهيني ويذلني وأنا مراتك؟
طاهر بتنهد: نسرين، انتي عارفة إن…
نسرين وهي بتقطعه بعصبية: لا، ما أعرفش! ما أعرفش إزاي واحد يقول إنه راجل ويسكت وهو شايف مراته بتنهان بالشكل ده! لو كان عندك ذرة كرامة، كنت وقفت في وشهم! كنت دافعت عني!
طاهر حس بالذنب، لكنه فضل ساكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي:
طاهر: كنت هعمل إيه؟ كنت هقدر أوقف في وش جدي؟ أنتِ عارفة إن أي حد بيقف ضده بيدفع التمن غالي.
نسرين باستهزاء:طب يلا امشي من هنا بدل متدفع التمن مش جدك مانع إن حد يجي لي؟ انت جيت ليه؟ امشي بقى، لحد يشوفك هنا ويحبسك معايا، وده أنا مش عايزاه!
طاهر وقف مكانه، ملامحه متوترة، واضح إنه كان عارف إنها مش هتستقبله غير بالطريقة دي، بس كان لازم يجي، لازم يتكلم.
نسرين بضحكة ساخرة وهي تهز راسها: مش خايف منه؟ المفروض تخاف… كنت خايف منه وهو بيضربني، مش خايف منه وهو حابسني؟!
طاهر بصوت هادي لكنه مليان إحساس بالذنب: نسرين…
نسرين قاطعته بحدة: ما تنطقش اسمي، صوتك لوحده بيقرفني! ما تعملش نفسك إنك جاي تهوّن عليّ، أنت كنت واقف زيك زيهم، كنت واحد منهم، كنت ساكت بتتفرج وهو بيهينني!
طاهر نزل عينه للأرض، ما عرفش يرد، لأنها كانت صح.
نسرين بصوت مرتجف لكنه حاد: مش المفروض إنك بتحبني؟! ماشي… بتقول إنك بتحبني، طيب فين الحب ده؟! أنا ما شفتوش! النهاردة بالذات كنت محتاجة أشوفه… كنت محتاجة أحس إنك جنبي، إنك راجل فعلاً، مش مجرد اسم…
طاهر فضل ساكت، ملامحه جامدة، لكنه كان عارف إنها عندها حق، كل كلمة قالتها كانت زي طعنة في صدره، بس ما قدرش يرد.
نسرين ضحكت ضحكة قصيرة وساخرة وهي تهز رأسها: عارف… أنا حتى اديتك فرصة، قلت يمكن أبتدي معاك حاجة جديدة، يمكن تخليني أحس إن جواك راجل يقدر يحميني… بس أنت ما تستاهلهاش، ما تستاهلنيش، ما تستاهل حتى إني أكمل الكلام معاك!
نسرين رجعت لورا، وقعدت على الأرض وهي تبعد وشها عنه، كأنها ما بقتش شايفاه حتى، كأن وجوده في المكان معدوم.
نسرين بحزم وهي تشير للباب: امشي، امشي قبل ما يجي ويحبسك هنا… بس بقولك؟ لو حصل… أنا مش هزعل، بالعكس، يمكن أول مرة أحس إنك حاسس ولو بجزء من اللي أنا حسيته النهاردة!
طاهر فضل واقف لحظة، كأنه بيحاول يقول حاجة، لكنه استدار وخرج، وقبل ما الباب يتقفل، سمع صوت نسرين المنكسر وهي تهمس لنفسها: ولا يوم حبيت إن اسمي يبقى جنب اسمك…
طاهر خرج من الأوضة وهو حاسس بكتمة في صدره، كأن نسرين سحبت آخر نقطة هواء منه بكلامها. رفع عينه لقى أمه، نوال، واقفة قدامه، ملامحها متشنجة، كانت سامعة كل كلمة.
نوال بحدة وهي تقفل الباب وراه: اوعى تصدق الشيطانه العقربه دي! انت مالكش ذنب في حاجة، يعني هي غلطت وبترمي اللوم كله عليك؟
طاهر بعصبية وهو يمرر إيده في شعره: ماما، أنا ما دافعتش عنها! كنت واقف زي العاجز وهي بتتاخد على وشها! أنا جوزها، كان لازم…
نوال قاطعته بصرامة: كان لازم تعمل إيه يعني؟ تموت نفسك قصاد جدك؟ تبقى قليل الأدب عشان واحدة ما بتحترمش حد؟ ولا تفكر في أي كلمة قالتها، ما تشيلش نفسك فوق طاقتها!
طاهر بصوت متحشرج: بس يا أمي…
نوال بصوت هادي لكنه قاطع: ما فيش بس، هي اللي هربت، وهي اللي تستحمل النتيجة، وانت ما لكش دعوة. واللي أنا عارفاه ومتأكدة منه هو دا الصح كان لازم يتقرص ودناه عشان ما تعملش كده تاني فما تسندلهاش
طاهر وقف للحظة، حاسس إن كلام أمه منطقي، بس قلبه كان مقبوض… نسرين بتكرهه، ومش عارف لو ده هيتغير في يوم من الأيام ولا لأ.
في أوضة من اوض الفيلا
ليلى كانت ماسكة المكنسة، بتمسح الأرضية بسرعة عشان تخلص شغلها، بس حركتها كانت أبطأ من العادي، عينيها شبه مقفولة من التعب، وكل شوية تمسح وشها بطرف طرحتها. أم سعاد، الست الكبيرة اللي شغالة معاها، لحد ما لاحظت إنها مش على بعضِها.
أم سعاد: مالك يا بنتي؟ هو انتي ما نمتيش كويس ولا إيه؟
ليلى وقفت لحظة، سحبت نفس عميق، وبصت لها وهي بتحاول تبان عادية.
ليلى: لا، مفيش حاجة، بس كنت نايمه متأخر امبارح.
أم سعاد رفعت حاجبها بشك، قربت منها شوية.
أم سعاد: اوعي بس تكوني حامل؟!
الكلمة وقعت زي الصاعقة على ليلى، فجأة حست بوشها بيولع، الدم اتجمع في خدودها، وإيديها وقفت في الهوا كأنها متجمدة.
ليلى (بتتوتر وتحاول تهرب بعينيها): إيه! حامل إيه بس يا أم سعاد؟ لا طبعًا، لا حامل ولا حاجة، ده بس عشان أنا فعلاً ما نمتش.
أم سعاد ضحكت، هزت راسها
أم سعاد: طيب يا ستي، ماشي، بس وشك بيقول حاجة تانية!
ليلى بسرعة شالت المكنسة وكملت شغلها : لا والله مافيش حاجه انا لو في حاجه زي كده كنت قلت لك
أوضة الخدمة – بعد العصر
ليلى كانت لسه بتكمل شغلها، بس حركتها بقت أبطأ، وعيونها غلبها النعاس وتحس بجسمها تقيل كأنها شايلة جبل. أم سعاد كانت قاعدة بتراقبها، ولما شافت إنها خلاص هتقع من التعب، زفرت بحنق وقامت ناحيتها.
أم سعاد (بصوت حنون بس حاسم): بس بقى يا بنتي، سيبي اللي في إيدك وروحي نامي شوية.
ليلى رفعت راسها بالعافية، وحاولت تتماسك.
ليلى (بإصرار ضعيف): لا لا، مفيش حاجة، أنا هخلص وأرتاح بعدين.
أم سعاد (بعين ضيقة وشها حازم): بعدين إيه! وشك أصفر والتعب ناوي عليكي، روحي دلوقتي قبل ما تتسندي على الحيطة وتقعيلي في نص الأوضة.
ليلى بصتلها للحظة، بعدين استسلمت ومسحت وشها بإيدها.
ليلى (بصوت واطي): طيب هروح انام شويه ولو عزتي حاجه تبقي ابعتي لي
أم سعاد (بابتسامة رضا): أهو كده، روحي يا حبيبتي نامي براحتك احنا يعتبر خلصنا الشغل كله.
ليلى ابتسمت بخفة واتحركت ببطء ناحية أوضتها، وهي تحس إنها مش قادرة تاخد خطوة تانية من التعب.
ـــــــــــــــ
في المساء أركان دخل الأوضة بخطوات هادية، لكن وقف مكانه أول ما شاف ليلى نايمة على السرير. كانت ملفوفة في ملاية خفيفة، ووشها باين عليه الإرهاق كأنها بقالها أيام من غير نوم. حاجبها معقود حتى وهي نايمة، كأنها شايلة هموم الدنيا جوه أحلامها.
وقف يراقبها لحظة، ملامحه متجهمة بس في حاجة جوه عينه هو مش فاهم هي مالها، ولا ليه شكله تعبان كده. هو عارف إنها شغالة طول اليوم، بس مش لدرجة إنها تقع كده من الإجهاد.
قرب خطوة، بص للون الباهت اللي على خدها، والهالات اللي تحت عينيها، وبعدها زفر بضيق.
اتجه ناحيتها بهدوء ورفع طرف الملاية قبل ما يتمدد جنبها على السرير.
أول ما حست بيه اتحركت بسرعة وقامت قعدة، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
بصلها بنظرة سريعة
أركان (بهدوء): هو أنا صحيتك؟
ليلى (هزت راسها بسرعة): لا، أنا نايمة من بدري أصلاً… خلاص شبعت نوم.
قالتها بسرعة وهي بتعدل الملاية، لكن حركة إيديها كانت متوترة، وعنيها ما ثبتتش عليه غير لحظة صغيرة قبل ما تبعدها. أركان لمّح كل ده، حس إنها متعمدة، كأنها بتبدل ورديات… أول ما دخل هو، هي قامت.
رفع حاجبه وهو بيبصلها باستغراب، ملامحه كانت شبه بترسم علامة استفهام كبيرة.
أركان (بتركيز): هو إنتِ مالِك؟ فيكِ إيه؟
ليلى (بسرعة وهي بتحاول تبان عادية): مافيش!
ما علقش، فضل ساكت وهو بيشوفها خارجة بسرعة، وكأنها مش قادرة تقعد في الأوضة لحظة زيادة. شد الغطا على نفسه، لكنه ماغمضش عينه، كان حاسس بحاجة غريبة في تصرفاتها، بس قرر يسكت… دلوقتي.
البارت ال ٨
زواج في الظل
الكاتبه ياسمين عطيه
في المطبخ – بعد نص ساعة
ليلى دخلت المطبخ الصغير وهي بتحاول تهدي نفسها، لكن بطنها كانت بتقول كلام تاني… جعانة! راحت بسرعة شغلت النار وبدأت تحضر صينيه بطاطس باللحمة مع رز وسلطة، بس طول الوقت كانت حاسة كأن فيه عينين راقباها.
وفعلًا… بعد شوية، سمعت صوت خطوات تقيلة.
رفعت راسها، لقت أركان واقف عند باب المطبخ، ملامحه مفيهاش أي تعبير، لكنه كان مركز معاها.
أركان (بصوت هادي): إنتِ بتعرفي تطبخي؟
ليلى ابتسمت تلقائيًا وهي بتحاول تخفي توترها.
ليلى (بمرح): ده أنا لهلوبة في الأكل! بيسموني الشيف شربيني، لولا الملامة كنت فتحت مطبخ!
أركان رفع حاجبه وهو بيقرب أكتر، بص للأكل اللي قدامها بطريقة مش واضحة، قبل ما يسأل بهدوء.
أركان: عاوزاني أجرب؟
ليلى (بحماس): طبعًا! ده يفوتك نص عمرك لو ما كلتش من إيدي.
ما قالش حاجة، سحب كرسي وقعد، مسك المعلقة وداق لقمة ببطء. ليلى فضلت مستنياه يقول أي حاجة، لكن ملامحه فضلت هادية.
ليلى (بتحاول تستعجله): ها؟
أركان (ببرود وهو بيرجع المعلقة للطبق): مش وحش.
ليلى (بتفتح بقها بصدمة): مش وحش؟! دي اطعم صنية بطاطس باللحمة في مصر!طب عارف أنا لو فتحت مطعم، الشيفات الكبار نفسهم هييجوا يتعلموا مني!
ابتسامة خفيفة جدًا عدت على طرف شفايفه، قبل ما ياخد لقمة جديدة.
أركان (بهدوء): هاتِ السلطة.
ليلى قامت بسرعة تجيبها، بعدين ابتسمت بانتصار وهي بتقوم تجيبها… عارفة كويس إنه عجبوا الأكل، حتى لو مش هيعترف.
أركان خد لقمة جديدة بهدوء، لا بيعلق ولا بيظهر أي رد فعل، لكن طريقة أكله كانت كافية تقول إنه الأكل عجبُه. ليلى كانت قاعدة قصاده، بتراقبه بعينين واسعة، مستنية أي كلمة مدح، لكنه فضل محتفظ ببروده المعتاد.
وهي لسه مش مستوعبة إن ده مدح بطريقته الباردة، بس الأهم إنه بيأكل! لكن فجأة سمعته بيتكلم.
أركان (بهدوء كأنه بيقرر حاجة): بعد كده، إنتِ اللي تعملي الأكل.
ليلى بصت له باندهاش، وهي بتحاول تفهم إذا كان بيهزر ولا بيتكلم بجد.
ليلى (بتضحك بخفة): هو إنتَ ياعني مش عاجبك أكل الفيلا؟ دا الشيف عم صابر اللي بيعمله
أركان (ببرود): لا.
ردّه السريع خلاها تتوتر شوية، لكنها حاولت تخفي ده وهي بتكمل الأكل. الحقيقة، رغم إنه كان ساكت معظم الوقت، بس مجرد إنه قرر إنها اللي تعمل الأكل بعد كده كان شيء غريب، خاصةً إنهم هنا في مهمة ومش أكتر… ليه فجأة مهتم يأكل من إيديها؟
ليلى (بخفة): طيب يا سيدي، طالما الأكل بتاعي مش وحش، يبقى اتفقنا. بس ماشي، هزودلك شطة عشان أشوف هتفضل تقل كده ولا لا.
أركان ما ردش، لكن الابتسامة الخفيفة اللي عدى بيها وهو بيشرب من كباية المية قالت لها إنه سامع… وإنه قبل الاتفاق.
بينما هما مشغولين في الأكل وكل واحد فيهم مشغول بأفكاره. لكن الجو كان هادئ، والضوء الخفيف في المكان كان بيضيف لمسة من الراحة. ليلى كانت بتحس إن الجو بقى أكثر راحة بعد ما ارتاحت شوية.
فجأة، الباب خبط. أركان نظر ناحيته ثم قام بهدوء، بينما ليلى فضلت قاعدة مستنية.
أركان فتح الباب بهدوء
أسماء اول ما شافته انبهرت من جماله و مش قادرة تخفي دهشتها بس بعد لحظة، رجعت شوية وابتعدت نظرها، وحست بالخجل فابتسمت في توتر.
أسماء (بتردد): ممكن تنديلي هنيه؟
في اللحظة دي، ليلى خرجت من الغرفة، وأسماء مسكت يدها فوراً وأخذتها بعيد عن أركان. كانت عيون أسماء مش مصدقة، وكانت بتبص في دهشة،وقالت بسرعة:
أسماء (بتنهد بحماس): القمر دا جوزك؟ يا بختك! يا بختك! البصة الواحدة في وشه ترد الروح!
ليلى اتكسفت وفضلت ساكتة، كانت شايفة إن أسماء عندها حق فعلاً، أركان جميل جدًا وفي غاية الوسامة. هي ذات نفسها ما كانتش قادرة تتحكم في مشاعرها، وجماله هو اللي جابها وراء.
أسماء كملت بشغف:
أسماء: مالك؟ مش عارفة تردي؟ انا لو مكانك هبقى خرسه فعلا! إزاي اتجوزتيه؟
ليلى وهي بتحاول تداري توترها وتبان مكسوفه: سعيد؟ يبقى ابن عمي.
أسماء (بصدمة): أنا غلطانة! إزاي ما عنديش ابن عمي جميل كده؟ رايحة أتجوز مروان... مروان! اللي بصه في وشه ترد الروح للي خلقها! بني آدم ما يتقعدش مع ثانية، مش عارفة هاعيش معاه طول العمر إزاي.
ليلى (بضحكة): لا اسمعي، إنتِ دمك خفيف قوي!
أسماء (بضحك): لو ما فضلتش أضحك كده هفرقع من جنابي الاثنين.
ليلى (بابتسامة خفيفة): هو انتِ مغصوبه على الجواز دي؟
أسماء (بتنهد): ده أنا اتضربت علشان الجوازة دي! أصلاً ما كنتش عايزة أتجوز خالص. يا ريتني اتجوزت أي حد غير مروان!
ليلى (بتعاطف): النصيب محدش بيقدر يقوله "يا ريت".
أسماء: بقولك إنتِ بالذات ما تتكلميش عن النصيب ده! إنتِ خدتِ حظ البنات كلها.
ليلى ابتسمت، واتكسفت بشكل واضح، وهي مش قادرة ترد على الكلام ده.
أسماء (بفرح): ما تيجي نقعد في أوضتي شويه؟
ليلى كانت خايفة من مروان، ما كانش ينفع تقول لأسماء، فابتسمت وقالت:
ليلى: خلينا قاعدين في الجنينة شويه، عشان جوزي ما يقلقش. وأنا برده بنام بدري علشان الشغل وكده... وبعدين يا بنتي، إنتِ عروسة جديدة، دا أول يوم جواز ليكي!
أسماء (بضحكة): جوزي خد فريق الكورة ورح يخوني!
ليلى (بصدمة): إزاي يعني؟! حتي سليم وعادل! دول باين عليهم بيحبوا رغده وصفيه
أسماء (بتنهيد): والله زي بقولك كده كلهم راحوا الشقة اللي عايز يتولع فيها. أنا سايباهم جوه بيموتوا في بعض الحرب العالمية الثالثة قايمه في الفيلا! عشان كده أنا سبتهم وخرجت!
أسماء (بتنهد بشدة): صباح عمال تقول لهم: "إنتوا السبب، إن جوزك يزهق منك من أول يوم ويروح يخونك" يعني مش السبب في كده إن أولادهم متربوش، لأ! عشان إحنا المقصرين! ناس غريبة عجيبة! والله قولت لامي، دول مش طبعين!
ليلى كانت بتحاول تواسي أسماء وقالت لها: "ما تزعلِيش نفسك".
أسماء ردت بسرعة: "أنا مش زعلانه، مش فارق معايا أصلاً. أنا أمي قالت لي كل حاجة من يوم ما تزوجت، قالت لي: كبري دماغك، ما توجعيش قلبك مع حد، وبالذات مروان ده، قالت لي: ده ما فيش منه فايدة. الطفل بيفتح عينه على مصاصة، ده فتح عينه على ستات."
ليلى ما قدرتش تمسك نفسها من الضحك، وضحكت بشدة، لدرجة إنها وقعت من الضحك.
أسماء بجدية قالت: "والله زي ما بقولك كده. أصله طالع زي أبوه. فؤاد ده بردك كده لحد دلوقتي. أمي قالت لي: صباح دي عملت المستحيلات عشان يبطل كانت بتراقبه وتراقب الستات اللي يعرفهم، كانت بتتخانق معاهم وتهددهم، وكلمة امه لما كانت عايشة. وأبوه، صلاح، هددوا عشان يبطل، وبردك ما بطلش. كان بيعمل اللي هو عايزه من وراهم، لحد ما اتعودوا وبقي يعملوا في العلن عادي. وزود ، وعاند، وبدل ما تبقى ست في اليوم، بقي ٦ و١٠ ستات في اليوم. فمن شبه أباه، ما ظلم بقي".
ليلى مكنتش عارفة ترد تقول إيه، بس قالت: "ربنا يهديه."
أسماء بضحك : "أو ياخدوا أيهم أقرب."
ليلى ضحكت وقالت: "والله أنتِ حكاية!" وكملت بكسوف وقالت: "والله يا أسماء، أنا لولا المكان ضيق، كنت دخلت تقعدي معايا جوه، بس أنا يعتبر قعدة في أوضة، مافيش صالة، يدوبك السرير والحمام ومطبخ صغير."
أسماء ردت: "بس يابت، ما أنا عارفة. وبعدين كفاية كده، أنا بقالي كتير قعدة، هروح أقعد على الفيس، وأصيح وأشتم الرجالة."
ليلى ضحكت وقالت لها: "أنا والله مش بقولك كده عشان تقومي وتمشي."
أسماء قالت: "وأنا بقولك كده عشان تقومي لجوزك الحليوة اللي جوه ده. يلا، تصبحي على خير."
ليلى ابتسمت وقالت: "وانتِ من أهل الخير."
ليلى لو مره حست إنها مستريحة من أول ما جت البيت هنا، حسّت إنها لقيت حد تتكلم معاه وتضحك، وطلّع جزء من اللي جوّاها، كانت حاسة براحة لأول مرة من زمان. وكل كلمة مع أسماء كانت بتخلّيها تحس إنها مش لوحدها، وإن في حد ممكن يفهمها ويضحك معاها.
أما أسماء، كانت فرحانة هي كمان، حست إنها لقت صحبة بعد وقت طويل، عشان محدش في البيت شبها. قريبها، بس عمرها ما حبتهم ولا ارتاحت معاهم. هي كانت دايمًا بتتجنب زيارتهم، مش عارفة إزاي دلوقتي بقت مفروض عليها تعيش معاهم وتشوفهم كل يوم.
ليلى دخلت الأوضة، ولأول مرة، أركان لاحظ ملامحها، كانت باينة على ملامحها الراحه والسعادة، وكان في عيونها بريق من السعادة.
نظرت ليلى له وقالت بكسوف: "هو انت لسه ما نمتش؟" عيونها ضايعة بينه وبين نفسها، وهي تحاول تخلّي الموقف طبيعي قد ما تقدر.
أركان، على الرغم من إنه كان مستغرب من نفسه لعدم قدرته على النوم وهي مش جنبه، إلا إنه حاول يظهر البرود وقال بصوت هادي: "كانت عايزة منك إيه؟" وكان صوته محايد ووجهه مش بيظهر أي تعبير حقيقي.
ليلى، وهي ماشيه ناحية السرير، : "كنا بنتكلم كصحاب عادي، مش حاجة مهمة، تبع الشغل بتاعنا ياعني."
أركان رفع حاجبه قال بنبرة جافة: "صحاب؟ احنا مش جاين نعمل صحاب. ابعدي عنها ومتنسيش هي مرت مين." عينيه كانت مركزة عليها،
ليلى ردت بثقة، مع ابتسامة غير ظاهرة على وشها: "هي مش شبه جوزها، ومش شبه اللى في البيت كلهم أصلاً. وبعدين متقلقش، مش هبوز لكم شغل. أنا فاهمة أنا بعمل إيه، كويس. وبعدين... وسّع كده، عايزة أنام."
نامت ليلى على جنبها، كانت محتاجة فترة قبل ما تقدر تروح في النوم. اول ما راحت في النوم راحت لمكانها المعتاد، حضنه الدافئ المريح. بحركة تلقائية منها، أول ما دخلت حضنه، خدت نفس عميق كأنها كانت تعبانه، وساعتها حسّت وكأنها ارتاحت أخيرًا.
أركان حس بيها، ابتسم بحذر، وكان في عينيه شيء غريب، وكأن لأول مرة يحس إن فيه شيء بيخليه يشعر بالراحة. وبحركة بطيئة، وأول مرة، حوطها بذراعه برفق، كأنها ما كانتش بس جزء من الشغل أو المهمة، ولكن حاجة أهم بكتير. ابتسم وارتاح، ولأول مرة حس إنه مكنش قادر ينام غير وهي في حضنه
الصبح جاء على الجميع، وأشعة الشمس بدأت تتسرب من خلال الستائر الخفيفة. في غرفة أركان وليلى، فتحت ليلى عينيها ببطء، لكن أول حاجة لاحظتها كانت أنها لسه في حضن أركان. المرة دي كانت مختلفة عن كل مرة قبل كده. المرة دي كانت محوطة بذراعه بشكل أعمق، وأيديها كانت مستريحة على صدره، وكأنها عايشة في لحظة خاصة جدًا.
مش قادرة تصدق انوا حضنها ، حسّت بحب وراحة غير عادية، واللحظة كانت أقوى من أي حاجة. كانت مش عايزة تقوم من حضنه، كان الدفء اللي فيه كفاية عشان تبقى مبسوطة.هي بس فكرت في لحظه عايزة تعيشها وكانت عايزه تستغلها وقررت انها ما تقومش من حضنه ، وتحس بالراحة القصوى، وتحس إنها في مكان آمن.
أركان حس بيها كان عارف انها صحيت وكان عارف ان المفروض يبعدها ويقوم، بس كان فيه حاجة جواه بتمنعه من يبعدها، لأول مرة يحس إنه في موقف ما يعرفش يتعامل معاه.
لكن ليلى كانت مشغولة بأفكارها، وكانت بتواجه مشاعرها بهدوء شديد،وقالت لنفسها: "هو إيه اللي انتِ بتعمليه؟ ده بيحب واحدة تانية." حتى لو كانت هتوجع نفسها عشان تبعد عنه، هي هتعمل كده. مش مستعدة لوجع القلب اللي هيحصل بعد ما المهمة دي تخلص، وهو يرجع لحياته زي ما هي. وهي هتكون اللي هتقف في النص، مش هتكون قادرة تكمل. فقررت تقوم بهدوء، تسيب المكان، وخرجت من حضنه.
دخلت الحمام، غسلت وشها ولبست هدومها، وكانت خلاص هتخرج من الغرفة، لكن صوت أركان فجأة قطع عليها أفكارها: "حضري لي الفطار، أنا عايز أفطر هنا في الأوضة." ليلى وقفت مكانها لحظة، حست بشوية تردد، لكن بعد كده قفلت الباب بهدوء ودخلت المطبخ بسرعة عشان تحضر له الفطار.
وأثناء ما هي منتظرة الأكل على البوتاجاز، بصّت لنفسها وابتسمت وقالت: "ما فيش فايدة، الحب ماحدش يقدر يتحكم فيه بكلمة واحدة." طلعت جري بسرعة، عشان تعمل اللي هو عايزه"
ليلى حطت الأكل على الطاولة وكانت خلاص هتمشي، لكن أركان قال لها بهدوء: "قعدي معايا، خلينا نفطر مع بعض." لقت نفسها فعلاً قعدة ، وده كان غريب عليها. كانت مش قادرة تستوعب اللي بيحصل، ازاي بكلمة واحدة وبإشارة بسيطة منه، كانت بتعمل اللي هو عايزه بدون ما تفكر هي اللي كانت دايماً تعمل اللي هي عايزاه ومحدش يقدر يمشي عليها ولا يطلب منها حاجه، لكن معاه، كل حاجة بتتغير. وكأن كلمة منه أو حتى لمحة في عينه كانت كافية عشان تسيطر على تصرفاتها. "هو ليه بيحصل كده؟" الصوت اللي جواها بيصرخ "غبية أوي، واضح عشان بتحبيه!" لكن على الفور، حاولت تزيح الفكرة من دماغها، وقالت لنفسها: "بحبه؟ بحبه؟ أكيد لا." كانت الكلمات دي بتدور في ذهنها بسرعة، وهي مش قادرة تركز في حاجة غيرها.
رفعت رأسها وبصت على أركان، وهو كان واقف قدامها، عينه في عينها، لكن هي كانت في عالم تاني خالص. كل تفكيرها كان مشغول بسؤال واحد: "هل فعلاً بحبه؟" وكانت مش قادرة تجيب لنفسها إجابة. هو كان واخد باله إنها مش معاه في اللحظة دي، وأنها مش بس بتاكل، لكن عقلاً وفكرها كانو في مكان تاني، وتساءل في نفسه: "هي مش في وعيها ولا في حاجة مش فاهمها؟" بس ما قدرش يعرف هي كانت بتفكر في إيه.
ليلى قامت بسرعة من على الأكل وقالت له: "سلام، أنا رايحة ورايا شغل كتير واتأخرت." وبصت ليه وهي بتغمز وقالت: "ما تقلقش، هبقى أعمل لك الغداء بإيدي." وأجيبه لك، وهيبقى مش وحش قوي."
أركان في نفسه : "مجنونة والله، بس ده ما يمنعش إن أكلها جميل جدًا." كان مستغرب من تصرفاتها، مش عارف إذا كانت بتخبئ حاجة ولا هي فعلاً مش عايزة تتعامل معاه أكثر من كده، لكن ما قدرش ينكر إن كل حاجة بتعملها كانت ليها تأثير عليه، وخصوصًا الأكل اللي كانت بتحضره نومها في حضنه ولما وصل للنقطه دي كرر يبطل تفكير وقام من مكانه وطلع للشغل "
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسماء صحيت من النوم بسرعة، دخلت الحمام وغيرت هدومها ونزلت لتلاقي صباح في الصالة.
اسماء في سرها: "ياربي هو انا كل يوم هصطبح على الخلقة دي؟"
صباح شافت اسماء وهي نازلة وقالت بابتسامة خفيفة:
صباح الخير يا سماسيمو.
اسماء بابتسامة سمجه:صباح الخير يا صباح.
صباح بعصبيه :بنت عيب انا في مقام ماما
اسماء بسخرية:
ماما في البيت، نايمة دلوقتي. يا صبوحة يا عسل، إنتِ.
صباح، بعصبية:
أنا اللي جبته لنفسي، مش أنا اللي اخترتك لابني.
اسماء، مش عارفة تمسك نفسها:
أديكِ إنتِ قلتيها، اخترني ليه بقى؟
صباح بتحذير :
طب ما تخلينيش أندم بسرعة بقى.
اسماء، وهي في سرها: "أبوس إيديك، اندمي وخلصينا بقى."
صباح:مروان فين؟
اسماء، بتريقة: نايم زي الشوال فوق.
صباح، بعصبية:يا بنت عيب!
اسماء، وهي بتسيبها وماشيه ناحيه المطبخ:
وأنا عيلة صغيرة، كل شوية "يا بنت عيب يا بنت عيب." العيب اللي ابنك بيعمله!
في غرفة سليم ورغدة
رغدة فتحت عينيها ببطء، كانت تحس بجفاف حلقها وعينيها منتفختين من قلة النوم. قلبها انقبض فور ما شافته نايم جنبها وكأن ما فيش حاجة حصلت، كأن الليلة اللي فاتت كانت مجرد حلم سيئ. جواها غليان، إحساس بالخذلان مخلوط بمرارة ما عاشتوش قبل كده.
زحزحته بإيدها المرتعشة، صوتها كان حاد وهي تقول:
"قوم، عايزين نتكلم."
سليم تمطّى بكسل، وسحب المخدة فوق راسه بنبرة متضايقة:
"أنا مش عايز أتكلم دلوقتي… وبعدين، إحنا مش هنتكلم، إحنا هنتخانق."
رغدة شهقت بغضب، دمها غلى أكتر، قلبها كان بيدق بسرعة وهي بتضغط صوابعها في الفرش عشان تهدي رجفة إيديها:
"طب كويس إنك عارف إننا هنتخانق! إزاي تعمل كده؟! إزاي تبقى امبارح نايم في حضني، ولسه عرسان جداد، وتقوم تسيبني وتروح تخوني؟! إنت ما بتحسش؟! ولا عندك قلب؟!"
ماردش، صمته قتلها أكتر من الكلام، رغدة حسّت بجسمها بيتشنج من الغضب، عينيها كانت مليانة دموع بس هي رفضت تنهار قدامه. زقّته تاني بكفّها وهي تعلي صوتها أكتر:
"قوم بقولك! كلمني زي ما بكلمك، ردّ عليا يا سليم!"
سليم اتحرك فجأة، بعنف، كأنه وحش استفزّته، قفز من السرير بعصبية، عيونه اسودّت ورفع إيده عليها، رفع إيده في الهواء كأنه هينزلها على وشها، لكنها، بغريزة الخوف، رفعت إيديها الاثنين تحمي وشها.
وقف، عيونه فيها شرّ بارد، وصوته كان منخفض بس مخيف:
"ده تحذير… اللي ممكن يحصل لك لو فكرتي تعلي صوتك تاني، أو تقولي لي أعمل إيه وما أعملش ايه."
رغدة شافت الشر في عيونه، جسمها ارتعش، إحساس رهيب من الخوف والخذلان سيطر عليها. الدموع نزلت بدون ما تقدر توقفها، أنفاسها كانت مقطوعة وهي بتحاول تهدي شهقاتها، لكنها فشلت. سليم بص لها نظرة أخيرة، دخل الحمام وسابها هناك، محطمة.
في غرفة عادل وصفية
عادل فتح عيونه على صوت نهنهة خافتة. لفّ وشه ناحية صفية، لقاها قاعدة في نفس المكان اللي سابها فيه امبارح، دموعها نشّفت على خدودها، لكن عيونها لسه حمرا.
قال بصوت مبحوح من النوم:
"إنتِ ما بطلتيش عياط من امبارح؟"
صفية رفعت عيونها له، صوتها كان متكسر وهي تقول:
"هو فارق معاك أصلًا؟ ما إنت سبتني وخرجت… رحت لحضن واحدة تانية، وأنا لسه عروسة!"
عادل لفّ عيونه بملل، نبرته كانت باردة وهو يقول:
"بقولك إيه، بلاش دراما كوين. إنتِ متجوزاني وأنا كده، وعارفاني كويس. ما تجيش دلوقتي وتفتكري إنك هتغيري حاجة."
صفية شهقت وهي تهزّ راسها:
"طب ليه؟! هو أنا ناقصني حاجة؟! أي حاجة وحشة فيَّ، قول لي العيب عشان أغيرها!"
عادل بص لها بنظرة نفاد صبر، صوته علي وهو يقول:
"أهو ده الكلام اللي أنا ما بحبوش! الستات دول مزاج زي الأكل، لو قدامك أنواع كتير، هتاكلي نوع واحد؟ ولا هتاكلي من كله؟"
صفية رفعت عيونها له، نظرتها كانت مليانة انكسار، صوتها هادي لكن فيه وجع قاتل:
"بس لو في أكل واحد بتحبه بجد، عمرك ما هتبص على غيره… نفس المبدأ بالظبط، بس إنت ما بتحبش… إنت ما عندكش قلب."
عادل نزل من على السرير، وقف قدامها، ملامحه كانت متوترة والغضب بدأ يتملك منه:
"أنا لحد دلوقتي بتعامل معاكي بالحب، بس لو فكرِتِ تتكلمي تاني بالأسلوب ده، هتشوفي وش تاني مني."
صفية وقفت مكانها، أنفاسها كانت سريعة، نظرتها كلها ألم وخيبة أمل، وبصوت متقطع من الدموع قالت:
"هو إنت خليت فيها حب أصلًا؟! كل حاجة انتهت قبل حتى ما تبدأ… دا انا ما لحقتش اكمل كلمة ممكن يتغير قومت اثبت ليا أنه مستحيل "
عادل لفّ ظهره وخرج من الأوضة، وسابها هناك، مكسورة، بتقاوم الانهيار.
ــــــــــــ
داخل غرفة صفية
صفية كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، حضنت ركبتيها لصدرها، دموعها بتنزل بصمت، ووشها مدفون في كفوف إيديها المرتعشة. لسه لابسة فستان النوم بتاعها، لكن شكله بقى مكركب، وكأنها كانت بتحاول تمسح دموعها فيه طول الليل.
الباب اتفتح فجأة، ورغدة دخلت وهي بتتنفس بسرعة، كانت لسه خارجة من أوضتها، بعد المواجهة اللي كسرتها من جواها. أول ما عينيها وقعت على شكل صفية، قلبها وجعها أكتر… ده بالضبط اللي هي حاسة بيه، بس مضروب في اتنين. بقيت شريكة وجعها وأسرارها .
رغدة بصوت مخنوق: "ياااااه يا صفية… إحنا بقينا كده؟!"
صفية رفعت راسها ببطء، عينيها كانت حمرا ومنتفخة، شفطت أنفاسها وهي بتضحك ضحكة مكسورة مليانة سخرية:"إحنا عمرنا ما كنا غير كده… بس كنا مغفلين، فاكرين نفسنا في قصة حب، والحقيقة إننا كنا في لعبة… هم اللي حطوا قوانينها، ولعبونا بيها زي ما هم عايزين!"
رغدة مشيت بسرعة وقعدت على الأرض قدامها،بصتلها، عنيها مليانة وجع، صوتها كان متكسر وهي بتقول:
"رفع إيده عليا يا صفية… كان هيضربني! سليم… اللي كان بيقولي إنه عمري، إنه مش هيأذيني… اللي أنا فتحت عيني وقلبي عليه… اللي كنت بحلم بيه وأنا نايمة وبصحى عليه… اللي ما تمنيتش غيره، كان هينزل إيده على وشي إزاي؟ هنت عليه؟!"
صفيةخدت نفس طويل وبعدها همست:
"إحنا هُنا عليهم من زمان يا رغدة… احنا بس كنا عايشين في وهم، مغمضين عنينا… بس هم أثبتوا لنا الحقيقة أول يوم في جوازنا… لما خانونا بدون حتى ما يفكروا!"
رغدة غمضت عنيها بقوة، حست بحرقة في قلبها، ومسحت دموعها بعصبية:
"هنعمل إيه بقى مع قلوبنا الغبية اللي اختارت تحبهم؟"
صفية بصتلها بنظرة كلها خيبة أمل، وابتسمت بسخرية وهي تمسح دموعها بإيدها المرتعشة:
"هو إنتِ فاكرة إن في حاجة في إيدينا؟ جدك… مستحيل يسمح لينا نطلق أو نسيبهم… إحنا هنكمل عمرنا كله مع الرجالة دي، سواء برضانا أو بالغصب."
رغدة شهقت وهي تهزّ راسها، رفضة الفكرة تمامًا:
"أنا مش هقدر… مش هقدر أبص في وشه تاني، ولا أعيش معاه، ولا حتى أنام معه وهو مع واحدة تانية!"
صفية حطت إيديها على وشها، شهقت بحرقة، وبصوت مخنوق من الدموع قالت:
"عارفة عادل قال لي إيه؟ قال لي أنا لسه بتعامل معاكي بالحب! الحب بتاعه إنه يسيبني طول الليل بعيط… الحب بتاعه إنه يخوني من أول يوم جواز… الحب بتاعه إنه يخليني أحس إني ولا حاجة!"
رغدة مسكت إيدها، ضغطت عليها بقوة، وهزت راسها وهي بتحاول تثبت نفسها وتثبت صاحبتها معاها:
"إحنا لازم نكون أقوى، حتى لو محدش معانا… حتى لو هم ما رحموناش، إحنا مش هنكسر يا صفية!"
لكن في الحقيقة… الاتنين كانوا بيتكلموا وكأنهم بيحاولوا يقنعوا نفسهم، مش بعض.
صفية بصوت واطي بس مبحوح من كتر العياط: "هنعمل إيه يا رغدة؟ أدي الله وأدي حكمته، وأدي العيشة اللي انكتب علينا نعيشها… الظاهر كده إننا هنطلع زي أمك وأمي، هنتعايش مع رجالة إحنا عارفين ومتأكدين إنهم بيخونوا، وإحنا لازم نسكت وما نفتحش بقنا."
رغدة وهي ماسكة كفوف إيديها بتعصرهم بقهر: "بس إحنا غيرهم، إحنا اللي حبيناهم بقلوبنا، إحنا اللي كنا بنحلم بحياة معاهم… ليه؟! ليه ما اكتفوش بينا؟!"
صفية: "عارفة ليه مكتفوش بينا؟ ليه عادل سابني في ليلتي الأولى ورح لغيري؟…" (اتكتمت شوية كأنها مش قادرة تنطق الجملة، وبعدها قالتها بمرارة أكتر) "عشان هو شايف الستات مزاج! شايفنا زي الأكل، قالها لي بكل بجاحة… لو قدامك أصناف كتير، هتاكلي صنف واحد بس؟!"
رغدة، اللي كانت قاعدة ما بقاش عندها طاقة تدمع أكتر، فجأة ضربت بإيديها على السرير بعصبية، صوتها طلع عالي وهي بتقول بانفعال:
رغدة: "ازي ده يبقى اسمه حيوان! دي مش رجولة… دي شراهة! ده بني آدم ما عندوش قلب ولا ضمير، عاملنا كأننا مجرد حاجة بتتأكل وتتساب لما يشبع!"
صفية بصوت مبحوح من كتر القهر: "عارفة إيه اللي وجعني أكتر؟ مش إنه خانني… أنا كنت عارفة إنه بيخون حتى قبل الجواز، بس كنت بغبي نفسي… بس وجعني إنه مش شايف حاجة غلط في اللي عمله، مش حاسس حتى إنه جرحني، ولا كأن في حاجة تستاهل أزعل عليها…"
رغدة قامت بسرعة وهي بتلف حوالين نفسها كأنها بتدور على حاجة تفش غلها فيها، مسكت الكرسي اللي جنبها وهزته بعصبية قبل ما ترميه بعيد وهي بتصرخ:
رغدة: "إحنا ليه كده؟ ليه بنعيش في الوهم؟ ليه بنحبهم وهما عمرهم ما حبونا؟!"
صفية بصوت واطي بس حاسم، وهي بتبص لرغدة بعيون مليانة وجع: "لأننا كنا أغبياء، يا رغدة… بس خلاص، أنا مش هبقى غبية تاني."
الدق على الباب قطع لحظة الألم اللي بينهم، وصوت بطه، جه من بره بصوت عالي شوية:
"مدام رغدة! مدام صفية! الفطار جاهز والكل مستنيكم تحت!"
رغدة بصت لصفية بعينين بتلمع من الدموع، وكأنها بتسألها بصمت: هننزل؟!
صفية بمسحة قهر على وشها، قامت وهي بتقول بصوت واطي: "هننزل… عشان ده اللي لازم نعمله."
داخل قاعة الطعام
رغدة وصفية قاموا من أماكنهم كأنهم ماشين بجسد من غير روح، خطواتهم بطيئة، ووشوشهم باهتة، العيون محمرة ومنتفخة، وتحتها هالات سودا تحكي عن ليالي بكاملها من العياط والقهر.
البارت ال ٩
أول ما دخلوا على السفرة، المكان كله سكت… الكل بص لهم وكأنهم شايفين أشباح، أجساد ماشية بدون أي حياة، كأنهم ميتين بس لسه بيتنفسوا.
أسماء رفعت حواجبها باستنكار وفي نفسها : "والنبي دولت مكبرين الموضوع قوي! دي رجالة يتعيط عليها؟! ده شكلهم لوحده يقطع الخميرة من البيت!"
نوال وصباح قرروا يتجاهلوا ويكملوا أكلهم في صمت، لكن خليل كان بيبص لهم بقلق، حس إن في حاجة مش طبيعية، فرفع صوته وسأل:
"مالكوا يا حبايبي؟! شكلكم عامل كده ليه؟!"
فؤاد بص لصباح وقال بصوت هادي بس فيه نبرة استنكار: "البنات مالها عاملة كده ليه؟!"
صباح رفعت عينيها وبصت له بنظرة كلها معنى، كأنها بتقوله ما أنت عارف وعامل نفسك مش فاهم! لكن الجد كان موجود، وعارفة إنها لازم تداري، فابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
"دلع بنات بقى، ما أنت عارف!"
الجد ساب الأكل وبص لهم بحدة، صوته كان تقيل وفيه تحذير واضح:
"ما حدش يزعل مراته تاني! مش عايز أشوفهم قدامي بالمنظر ده!"
الجملة كانت بسيطة… لكنها نزلت زي الصاعقة على الرجالة، الكل حس إنه تحت المراقبة، حتى اللي مش فارق معاه خد باله إن الجد مش هيسكت لو الموضوع استمر بالشكل ده.
أسماء في نفسها، بهمس خفيف وحركة فم غير مسموعة، قالت : "حنين قوي يا خويا…"وكملت وهي بتبص لمروان اللي كان قاعد قصادها. نظرتها كانت مليانة غضب مكتوم وهي بتقول في سرها:
"كله منك يا ياض يا عش الأفاعي انت!"
ــــــــــ&ـــــــــــ&ــــــــــ
عبد الحق كان داخل الجنينة وهو ماسك صينية الفطار، وبينادي على الرجالة.
عبد الحق: (بصوت عالي ) "صباح الخير يا رجالة!"
الكل رد عليه بتحية، من ضمنهم عبد الحق حط الصينية على الطاولة اللي قدامهم وقال:
عبد الحق: "يلا رجالة تعالوا أفطروا!"
الرجالة بدأوا ييجوا واحد واحد، إلا أركان اللي لسه قاعد. عبد الحق لاحظ غيابه، فابتسم وقال:
عبد الحق: "ما تيجي يا سعيد؟ أنت محتاج عزومة."
لكن أركان، بابتسامة بسيطة، رد عليه وهو بيشاور بيده:
أركان: "لا، أنا سبقتكم كلوا انتوا."
واحد من الرجالة، وهو بيغمز له بعين، قال:
الرجال: "يا عم شكل المدام فطرته!"
الرجالة كلها ضحكت
اركان ابتسم ابتسامة خفيفة كأنها إشارة للخجل وقال بصوت هادئ: حاجه زي كده
واحد من الرجالة بضحك : "كلنا عارفين مين اللي فطرته النهارده! وما تخافش يا عم، مش هنحسدك، ربنا يسهلوا."
بعد الفطار، وقف عبد الحق أمام أركان بنظرة هادئة وعينين مليئتين بالحكمة، ثم قال له بصوت عميق: "عايزك معايا في مشوار."
ركبوا السيارة وساروا في طريق غير مألوف لأركان. عبد الحق كان يقود السيارة بهدوء، بينما أركان كان يستغرب المدى الذي أخذتهم إليه. بعد فترة قصيرة، توقفوا أمام أرض مفتوحة، وبدون مقدمات، انقسمت الأرض امامهم الى نصين وكشف طريق آخر تحت الأرض، مما جعل أركان ينظر بدهشة.
"ده ازاي؟" سأل أركان بصدمه.
عبد الحق ابتسم ابتسامة مشيرة وقال: "ده شغل متخطط ليه على أعلى مستوى من زمان، وبيتجدد كل يوم. وربنا يخلي التكنولوجيا، مش عارفين من غير كنا هنعمل إيه."
وقفوا أمام جدار ضخم بدا أنه لا يحتوي على أي شيء غريب، لكن عبد الحق حرك يده ووضعها في نقطة معينة على الجدار. في تلك اللحظة، فتح الجدار وكأن هناك جهازًا مخفيًا في داخله. أركان، الذي كان واقفًا في مكانه غير قادر على استيعاب ما يحدث، قال باندهاش: "دي فتحت ازاي؟"
"ببصمة إيدي." قال عبد الحق ببساطة.
"للدرجة دي مأمنين؟" سأل أركان، وهو ما زال في حالة صدمة.
عبد الحق أومأ برأسه وأجاب بهدوء: "أكثر. شايف المكان ده؟ ده ما يجيش 1% من الأماكن التانية."
أركان رفع حاجبه بتساؤل: "هو في أماكن تانية؟"
"ما تعدش." قال عبد الحق، بينما دخل عبر الفتحة المخبأة في الجدار.
أركان تبعه بحذر، وفي لحظة دخوله، شعر بجو مظلم وغريب، وكأنهم دخلوا عالمًا آخر. نظر حوله ووجد نفسه في غرفة ضخمة مليئة بالأدوات الغريبة والخزائن المغلقة. أركان سأل وهو يحاول استيعاب الموقف: "المهمات بتعملوها ازاي؟"
عبد الحق نظر إلى المكان، ثم إلى أركان، وقال بنبرة جادة: "اللي انت شفته في الفرح ده، ده نسبة 1% من اللي بيحصل في شغلنا. احنا بنبيع الكحل وهو في العين نطلع الشعر من العجينة."
أركان بقي واقفًا مشدوهًا، وهو يلاحظ تفاصيل المكان، قبل أن يحرك إصبعه بلطف. فجأة، بدأت الحيطان المحيطة بهم تفتح تدريجيًا، مكتشفة عن خزنة ضخمة مليئة بالذخيرة والمخدرات والأسلحة بكميات هائلة.
نظر أركان إلى عبد الحق وقال بعيون مفتوحة: "كل دا مجرد جزء؟"
"انت كده شقت 1% فقط." قال عبد الحق بنظرة حادة.
أركان كان واقفًا صامتًا، يدرك تمامًا كم هو عميق ومستقبل هذه اللعبة التي كان يشارك فيها. أدرك أن التنازلات التي قام بها ليست مجرد خطوة صغيرة، بل كانت جزءًا من خطة أكبر بكثير، حيث لو عاشوا 100 سنة لم يكن ليتمكنوا من اكتشاف مثل هذه الأشياء.
الظلام كان يحيط بهم والمكان كان مليئًا بالخطط الخفية التي لا يمكن لأحد أن يتخيلها.
أركان وقف ، باصص لعبد الحق بعينين مشدودتين وسأله:
أركان: "هو في عملية النهارده؟"
عبد الحق بص له بهدوء وقال: "آه، وانت جزء منها."
أركان حس بضيق، نبرة صوته كانت مشدودة: "طب ما قلتليش من بدري ليه؟ كنت جهزت نفسي." مش السبب الحقيقي لانزعاجه... هو كان متضايق عشان كان عايز يعرف أبوه بالعملية دي.
عبد الحق قال وهو بيراقب ردود فعله: "انت جاهز كده."
أركان رفع حاجبه باستغراب: "إزاي؟"
عبد الحق ابتسم وهو بيطلع لبس كرتون من شنطة سودا، حاجة بيتلبس في الحفلات، كان عبارة عن زي شخصية "سبونج بوب".
عبد الحق وهو بيرمي الزي في وشه: "البس ده."
أركان وهو ماسك اللبس بعيون مش مصدقة: "ألبسه؟"
عبد الحق بإصرار: "البس بس."
بضيق، بدأ أركان يلبس الزي، وبمجرد ما دخله، استوعب الخطة... عرف هم بيفكروا في إيه. عبد الحق قرب منه وبدأ يحط المخدرات جوا الزي الإسفنجي، واللي المفروض يكون مليان هوا، لكنه بدل الهوى كان بيتعبى بالكوكايين.
عبد الحق وهو بيظبط حشو اللبس: "مش المفروض يبقى مليان هوا؟ إحنا هنملاه مخدرات. التسليم هيتم في حفلة أيتام النهارده في جمعية الحاج صلاح."
أركان في سره: "يولاد الحرام"... وكمل وهو بيسال عبد الحق"الخطة جت بسرعة كده؟"
عبد الحق وهو بيربط الحزام حول اللبس، صوته كان هادي لكنه تقيل زي الرصاص: "في شغلتنا، مفيش حاجة اسمها نسيب الأكلة تبات... لازم تتاكل سخنة عشان ما حدش يلحق يشم ريحتها."
ثم بص لأركان بحدة، كأنه بيحذره: "وأكيد بينا خاينين... فاحنا ما بنديهمش فرصة، لا بنسمع مبررات، ولا حتى بنتأكد إن كان خاين ولا لا... بنصفي على طول. ما احنا عندنا رجالة كتير... بيروح واحد وييجي عشرة."
أركان كان واقف في مكانه، مستوعب حجم الليلة اللي داخل فيها... التنازلات اللي عملها عشان يوصل لمرحلة إنه يتغلغل في وسطهم كانت تستاهل، بس النهارده هو مش بس جوه العصابة... النهارده هو فعليًا المخزن المتحرك بتاعهم.
أركان بص حواليه، لقى رجالة تانية بتلبس شخصيات كرتونية مختلفة، ميكي ماوس، بطوط، توم وجيري... كلهم بيتحركوا حوالين بعض كأنهم فرقة استعراض أطفال، لكن الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن البراءة. كل جسم بيتعبى بأنواع مختلفة من المخدرات، الهيروين في واحد، الكوكايين في التاني، الترامادول في التالت... والتحميل شغال بدقة، كأنهم بيجهزوا بضايع لعملية شحن رسمية.
دخل مروان وعادل وسليم وطاهر، عيونهم بتفحص كل حاجة، خطواتهم تقيلة، ملامحهم جامدة، بيتأكدوا إن كل شيء مضبوط، وإن التوزيع بيتم بسلاسة.
مروان وهو بيبص للرجالة: "الكل جاهز؟"
عبد الحق وهو بيهز راسه: "تمام... اتحركوا."
ركبوا الرجالة في عربية مصفحة، ونزلوا في المكان المخصص
أركان نزل من العربية المصفحة وهو لابس بدلة "سبونج بوب"، الجو كان مليان بهجة زائفة، الأطفال بيجروا حوالين الشخصيات الكرتونية اللي بدأت تظهر واحدة واحدة. لكنه لقى حاجة غريبة... كل شخصية كرتونية كان ليها نسخة تانية شبهها بالظبط!
ميكي كان فيه منه اتنين، بطوط نفس الشيء، توم وجيري كل واحد فيهم له توأم، وحتى سبونج بوب اللي لابسه أركان... كان فيه واحد تاني زيه واقف مش بعيد عنه. لحظة ارتباك عدى بيها بسرعة، لكنه فهم إن دي خطة لإرباك أي حد بيراقب، بحيث لو حد لاحظ أي حركة غريبة، مش هيعرف يحدد مين الحقيقي ومين التمويه.
بدأت "الشخصيات" تتحرك وسط الحفلة، بيلعبوا ويرقصوا مع الأطفال كأنهم جزء من العرض، لكن الحقيقة كانت أبعد ما يكون عن البراءة. وسط الفوضى والضحك، كل واحد كان بيتحرك في اتجاه معين، بعد لحظات، بدأ التوزيع.
كل شخصية كرتونية اتحركت ناحيه عربية معينة، مش عربية واحدة كبيرة زي ما كان متوقع... لأ، كل واحد راح لعربية شكل، بألوان مختلفة، بأرقام مختلفة، وباتجاهات مختلفة. أركان كان عارف إنه رايح المنصورة، لكن الباقيين؟ محدش يعرف، كل واحد كان ليه طريقه الخاص.
في اللحظة اللي ركب فيها أركان العربية، بص من الشباك الخلفي، لقى عبد الحق واقف على جنب، عينه بتمسح المكان، بيشوف كل حاجة، بيراقب كل تفصيلة... ملامحه هادية، كأنه متأكد إن خطته هتمشي زي ما هو راسمها بالمللي.
المحرك دار، والسواق بدأ يتحرك، أركان كان قاعد ساكت، لكنه كان عارف... إنه داخل على المرحلة الأخطر.جوه اللعبة، حاسس بنفسه محبوس في سجن إسفنجي، لكنه كان عارف إنه لازم يكمل.
بعد وقت قصير، بدأت عملية النقل التانية... كل "كرتون" بدأ يتحرك بهدوء لنقطة معينة، وهناك، ظهر رجال بأزياء عادية بياخدوا البضاعة، كل واحد في منطقة شكل، كأنها شبكة توزيع محكمة للأماكن الصغيرة. أركان لاحظ الطريقة المحكمة اللي بيشتغلوا بيها، التوزيع دقيق، كل حاجة محسوبة، كأنها شبكة عنكبوتية ممتدة عبر الشوارع المصرية.
في دماغه، كان بيفكر: "لو الصغار بيتصرف لهم البضاعة بالطريقة دي، أمال الكبار بتوصل لهم إزاي؟"
كان قاعد، بيحاول يفهم حجم الحبكة في الخطة، إزاي الناس دي بتفكر بجد... كل شيء ماشي بسلاسة، بدون أي غلطات، بدون أي شكوك. كانت خطة متقنة... وده اللي خلّاه يحس قد إيه مهمته خطيرة، وإنه لازم يكون أذكى منهم بكتير عشان يكشف اللي ورا المشهد المرسوم بدقة ده.
ـــــــــ$ــــــــــ
في فرقة ليلي
الساعة عدّت نص الليل، وليلى لسه قاعدة في أوضتها مش قادرة تنام، عينيها مثبتة على الباب، كأنها مستنية أركان يدخل في أي لحظة. بقت متعودة إنها ما بتنامش غير وهي في حضنه، لكن اللي مزود قلقها مش بس غيابه، لأ… اختفاءه التام طول اليوم.
من الصبح ما شافتهوش، حضّرت الغدا وما كانش موجود، استنته في العشا وما ظهرش، حاولت تطمن نفسها إنه يمكن مشغول… بس جواها كانت حاسة إن في حاجة غلط، حاجة تخوف.
كل الأفكار السيئة بدأت تلف في دماغها، طب يا رب يكون بخير؟ طب كشفوه؟ حد عمل له حاجة؟ مش ممكن يكون مشى لوحده كده ولا اختفى من غير سبب!
القلق كان بيزيد كل لحظة، قلبها كان بيتخبط في ضلوعها، وأخيرًا وهي مش قادرة تتحمل أكتر، مسكت الموبايل واتصلت على عدلي، يمكن يكون عنده خبر عن أركان.
عدلي رد بهدوء: "خير يا ليلى؟ في إيه؟"
ردّت بسرعة وخوفها باين في صوتها: "أركان فين؟ مش عندك؟"
عدلي قلبه وقع من السؤال، اتنفض من مكانه وسألها بحدة: "أركان؟ ما تواصلش معايا النهارده خالص! هو مش عندك؟"
ليلى حسّت إن روحها بتطلع، لو عدلي مش عارف مكانه، يبقى فعلاً في كارثة. القلق زاد، وعدلي نفسه بدأ يحس بخوف عمره ما حسّه قبل كده على ابنه.
ليلى قفلت المكالمة وهي مش قادرة تبلع ريقها، قلبها كان بيتخلع من مكانه… مش عارفة تعمل إيه
كانت ليلى واقفة عند الشباك، إيديها على قلبها اللي بيدق بسرعة، عينها بتمسح الطريق، وقلبها متعلق بأمل ضعيف إنه يظهر فجأة. وفجأة… لمحته! كان جاي من بعيد، خطواته تقيلة كأنها شايلة همّ العالم كله.
ما فكّرتش في أي حاجة، فتحت باب الأوضة بسرعة وطلعت تجري، رجليها كانت أسرع من تفكيرها، ولا همّها حد، ولا حتى نظرات الناس، ولما وصلت عنده… رمت نفسها في حضنه بدون تردد.
أركان اتخض، وقف مصدوم للحظة، لكن سرعان ما لف إيده حواليها عشان اللي حواليه، وهو نفسه مش عارف رد فعله الحقيقي إيه.
واحد من الرجالة بصله بضحكة وقال: "يا بخت يا عم اللي متجوز ومراته قلقانة عليه كده."
عبد الحق بسخرية: "هو انت ما قلتلهاش انت رايح فين؟"
أركان رد بطريقة شبه منزعجة: "هو انت اديتني فرصة أقول لنفسي حتى؟"
عبد الحق بابتسامة ساخرة: "شغلانتنا كده… بتتاخد من الدار للنار."
أركان وهو بيتمطّع بتعب: "بكفاية نار على كده النهارده… تصبحوا على خير، أنا رايح الدار."
مسك ليلى من إيديها وسحبها ناحيه الأوضة.
ليلى كانت مكسوفة من اللي عملته، بس في نفس الوقت مش مصدقة إنه قدامها وسليم، كانت لسه متعلقة بذراعه وهي داخلة الأوضة، وبمجرد ما قفلوا الباب، رفعت عينيها ليه بحرج وهمست: "أنا آسفة… بس أنا كنت خايفة عليك بجد."
سكتت لحظة، لكنها سرعان ما افتكرت كل القلق اللي عاشته طول اليوم، فبصت له بصدمة وقالت: "أنت كنت فين طول النهار؟ أنا كنت هموت من الخوف عليك! وصح… طمّن باباك، لما قلقت عليك قوي رنيت عليه أشوفك عنده ولا لأ."
أركان وهو بيتمدد على الكرسي بتعب: "أنا كده كده كنت لازم أكلمه… اللي شفته النهارده ما يتخيلوش عقل بشري طبيعي."
ليلى قربت منه بفضول: "إيه اللي حصل؟
أركان بابتسامة خفيفة وهو بيخرج الموبايل: "اقعدي… هتسمعي كل حاجة بنفسك."
كان أركان قاعد على الكرسي، مسنود بظهره، وإيده ماسكة الموبايل، شارد للحظة كأنه بيجمع أفكاره قبل ما يضغط على زر الاتصال. ليلى كانت قاعدة جنبه، عنيها عليه، متوترة ومستنية تسمع كل حاجة بنفسها.
رنّ الموبايل، وعدلي ردّ بسرعة كأنه كان مستني المكالمة بفارغ الصبر:
عدلي بقلق: "أركان! أنت فين يا ابني؟ ليلى كلمتني وقالت لي إنك مختفي طول اليوم، قلقت عليك."
أركان وهو بياخد نفس طويل: "أنا كويس يا بابا… بس اللي شفته النهارده… مستحيل كنت أتخيله، حتى وإحنا شغالين في المجال ده."
عدلي بصوت جاد: "إيه اللي حصل؟"
أركان بصّ لليلى للحظة، شاف ملامح الترقب على وشها، وقرر يحكي بدون فلترة:
أركان: "شفت مخزن سلاح ومخدرات تحت الأرض، مكان محدش ممكن يتخيل إنه موجود، كله متأمن ببصمات، بأحدث تكنولوجيا، أماكن سرية متوصلة ببعضها من غير ما حد يشك، ومش ده بس… الطريقة اللي بيهربوا بيها البضاعة… بابا، دي مش تجارة، دي دولة داخل الدولة."
عدلي بصدمة: "تحت الأرض؟!"
أركان بجدية: "أيوه… تحت الأرض، مش مجرد أنفاق أو مخابئ، دي أماكن معمول حسابها إنها تكون غير قابلة للاختراق."
عدلي بقلق شديد: "وأنت عملت إيه؟"
أركان بنبرة باردة، لكنه من جوه كان مشتعلاً: "كنت واحد منهم، لبست شخصية كرتونية، وحطوا المخدرات في اللبس، وكل واحد فينا كان رايح مكان مختلف، كانوا بيهرّبوا البضاعة جوه حفلة أيتام… حفلة أيتام، يا بابا!"
عدلي بصوت ثابت، لكن فيه اهتمام: "استنتجت إيه؟"
أركان وهو بيحاول يربط الخيوط: "أول حاجة، النظام بتاعهم دقيق جدًا، مفيش حد بياخد تفاصيل أكتر من اللي محتاجها، ودي نقطة قوة ليهم، بس برضه نقطة ضعف لو عرفنا نستغلها. ثاني حاجة، واضح إن في تمويل كبير بيجي لهم، الأسلحة اللي معاهم مش بتاعة تجار مخدرات عاديين، دول عندهم موارد أقوى من المتوقع."
عدلي: "وإنت إيه وضعك دلوقتي؟"
أركان: " عبد الحق بدأ يثق فيا أكتر، وده معناه إن عندي فرصة أتوغل أكتر في وسطهم."
عدلي بتحذير: "أركان، إحنا مش مستعجلين، خليك حذر ومتعملش خطوة متسرعة، الناس دي عندها عيون في كل مكان عشان كده لازم نمشي بالهدوء اللي هم ماشيين بيه. أي خطوة غلط ممكن تخسرنا كتير وهضيع كل اللى احنا عملناه."
أركان بتنهد وهو بيحاول يرتب أفكاره: "متقلقش يا بابا، أنا عارف أنا بعمل إيه. كنت عايز أكلمك من بدري وأعرفك اللي بيحصل، بس بعد اللي شفته النهارده، تأكدت إن الناس دي مش هتقع بمهمة واحدة، ولا هيتكشفوا بسهولة. دول مش مجرد تجار مخدرات، دي شبكة منظمة، عندهم طرق مابتخطرش على بال حد، ولازم ناخدهم على الهادي أوي."
عدلي بنبرة هادية لكن فيها تقدير لفهم ابنه: "كده انت فهمت… وأنا اطمنت عليك وعلى مستقبل المهمة."
أركان أنهى المكالمة، خد نفس عميق وهو بيبص قدامه، وكأنه بيحاول يهضم اللي حصل.
ليلى، اللي كانت قاعدة جنب أركان، كانت حاطّة إيديها على فمها طول المكالمة، ملامحها تحولت من القلق للصمت، للصّدمة، للرعب الحقيقي. عينيها كانت بتلمع، كأنها بتتخيل أركان وسط كل ده… وسط السلاح والمخدرات، وسط عالم ما فيهوش أمان، وسط ناس ممكن ينهوا حياته في ثانية لو اكتشفوا حقيقته.
عينيها فيها صدمة واشمئزاز، وهي بتقول بصوت واطي لكنها مش مصدقة:
ليلى: "حفلة أيتام… مخدرات في لبس شخصيات كرتونية… التوزيع ماشي بالشكل ده؟ إنت بتقول إن اللي بيبيعوا في الشوارع أصغر نقطة في الشبكة، طيب اللي فوق بيوصل لهم إزاي؟"
أركان وهو بيبصلها: "ده اللي عايز أوصله."
ليلى بتنهيدة وهي بتحط إيديها على راسها: "أركان، أنا كنت عارفة إني داخله في حاجة خطيرة، بس مش متخيلة المستوى ده من القذارة… الناس دي مش عندها ضمير أصلاً!"
أركان وهو بيبصلها بتركيز: "عشان كده لازم نقضي عليهم."
ليلى وهي بتبص له بخوف حقيقي عليه وفي نفسها: "أنا مش خايفة من المهمة… أنا خايفة عليك."
أركان طفى النور وسحب الغطاء عليه، كان جسمه كله متعب، بس عقله لسه صاحي، بيدور في اللي شافه النهارده. المهمة بقت أكبر مما تخيل، واللعبة اللي دخل فيها مش سهلة.
ليلى كانت لسه صاحية، نايمة على جنبها بتبص له في الضلمة، مش قادرة تمنع نفسها من التفكير فيه. قلبها كان مقبوض طول اليوم، بس دلوقتي هو هنا، قدامها، بأمان… أو على الأقل ده اللي بتقنع نفسها بيه.
كان الجو هادي في الغرفة، والليل طويل وصمت الغرفة كان ثقيل. ليلى كانت مش قادرة تنام، عينها ما كانتش قادرة تقفل رغم إنها حاولت كتير.
أركان كان حاسس بحركتها في السرير، فتح عينه بشكل خفيف ولف جسمه ناحية ليلى. شاف تعبير وجهها اللي بيدل على التوتر.
قال لها بهدوء: "مش عارفه تنامي صح؟"
ردت عليه ليلى بصوت خافت: "لا… مش قادره." حاولت تركز في تنفسها عشان تهدى، لكن كل فكرة عنها كانت بتدور حوالين أركان.
فجأة، حست بشيء غريب بداخلها، ما كانتش قادره تسيطر عليه. نظرت له وقالت بحرج: "ممكن أنام في حضنك؟ "
أركان حس بجزء في قلبه بيتأثر، وحاول يضل بروده المعتاد، لكنه في نفس الوقت مكنش قادر يرفض. فتح ذراعيه لها، وقال بصوت هادي بمعنى تعالي
ليلى بدون تردد، انزلقت ناحيته وحطت راسها على صدره، جسمها ارتاح في حضنه. كانت اللحظة دي مختلفة، مش مجرد طلب عادي، كانت لحظة ما بين الغموض والمشاعر اللي اتجمعوا في قلبها.
أركان حس بشيء غريب، لكن خلى دماغه على جانب وهو بيحاول يركز في المواقف اللى مر بيه اليوم. لكنه ما كانش قادر ينكر إن وجود ليلى جنب قلبه مريح بطريقة ما.
ــــــــــــــــــ
في صباح اليوم الجديد،كانت الأجواء هادئة لكن كانت ليلى حاسة بنشاط غريب جواها، نشاط مش طبيعي، زي ما كان في حاجة في الجو أو في قلبها بتخليها تتحرك بسرعة أكبر. صحيت من سريرها دخلت المطبخ، بتحضر الفطار لأركان بعينين مليانة حيوية. كان عندها إحساس عميق إنها هتعمل يوم مختلف، مش بس عادي.
أركان فتح عينه بهدوء، كانت الشمس مش ساطعة لدرجة كبيرة،لكن لما شاف ليلى بتجهز الفطور بحماسة، شعر بشيء غريب جواه. قالت له وهي مبتسمة: "صباح الخير، الفطار جاهز، تعالى افطر."
أركان رفع حاجب، شويه مش مصدق: "صباح الخير." بعدين، اتجه للمائدة وقعد، ليبدأوا فطار مع بعض في هدوء غير متوقع. كان في الجو نوع من الراحة، ليلى حاولت تعوّضه عن اليوم الصعب اللي مر عليه.
بعد الفطور، قالت ليلى: "أنا رايحة الفيلا علشان أبدأ الشغل، لازم أنجز زي كل يوم." أركان اكتفى بنظرة قصيرة وهو بيشرب قهوته، بينما ليلى انطلقت نحو الفيلا عشان تكمل مهامها المعتادة.
الجو كان هادي، لكن في داخل ليلى كان فيه نوع من الترقب، مش قادرة تعرف ليه، هل هو الخوف من شيء غامض بيحصل حواليهم؟ أم هي مجرد مشاعر مفاجئة؟ ولكن مهما كان، كان قلبها في الحظات دي بيغني بحيوية وحماس، رغم أنها ما كانتش تعرف إن اليوم ده هيحمل ليهم مفاجآت مرعبة.
ابتدت ليلى تنظيف الفيلا، لكن في وسط النشاط المعتاد كان فيه شيء غريب في الجو. محروس دخل عليها بتوتر وقال: "هنية ست، صباح بتقول لك السواق مستنيكي بره عشان هتروحي تنظفي شقة المعادي."
ليلى استغربت وقالت: "ايه دا؟ ليه فجأة؟"
محروس كان بيتهته في الكلام: "عشان هي... هتروح فيها تقضي يومين من ضغط الفيلا وكده."
ليلى حاولت تطمئن نفسها وقالت: "طب، هي الشقة فيها كل حاجة يعني مش هحتاج مقشة أي حاجة؟"
محروس رفع حاجبه وقال بخوف: "كل حاجة هتحتاجيها هتلاقيها هناك."
ليلى تنهدت وقالت: "يلا، أنا جاهز اهو."
فعلاً، ركبت ليلى العربية. لحظتها، أركان ما كانش واقف على البوابة. كان مشغول بحاجة تانية في اللحظة دي، وما شافهاش وهي خارجة من الفيلا. ليلى كانت ماشية نحو المجهول، ما تعرفش إنها هتواجه حاجات أكثر من اللي بتتصور.
اللحظة دي خرج مروان راح خبط على كتف محروس وقال: "ركبت العربية؟"
محروس كان واضح عليه الزعل وقال: "أه."
مروان ابتسم وقال: "برافو عليك، يلا على شغلك."
ووووووووو
نكمل البارت ال١٠ ياحلوين رايكم هيفرحني ويهمني
ادعوا ربنا يرحم ولدي وموتنا وموت المسلمين اجمعين
الكاتبه ياسمين عطيه
البارت ال١٠
زواج في الظل
مروان ركب عربيتو ومشي ورا عربية ليلى
محروس كان واقف مكانه، متوتر، بيخبط على راسه وبيقول: "أنا غبي، أنا غبي"، وبعدين راح عند أركان وقف قدامه، مستمر في مشيه رايح جاي بحركه تردد ، وكان واضح عليه الزعل والندم.
أركان بص له واستغراب، ثم قام واتجه ناحيته، حط إيده على كتفه بحنية وقال له: "مالك يا محروس، عايز حاجة؟ أنت فطرت؟ ليلى كانت عاملة فطار، أجيب لك؟"
محروس كان عيونه مليانة دموع، أشار على البوابة وقال له: "هنيه ... الحقها."
أركان قلبه تقبض، وقال له بسرعة: "هنيه مالها ؟"
محروس رجع نظره لأركان وقال بسرعة، وبصوت متوتر: "مروان خوفني وهو اللي طلب مني أقول لها تروح الشقة ."
أركان انفجر بغضب، وقال بعصبية: "هي فين الشقة دي؟ إنطق بسرعه!"
محروس ارتبك شوية وقال: "في المعادي، عمارة 12، شقة ٣."
ـــــــــــــــــــ&ـــــــــــــــ
العربية وقفت، وليلى نزلت منها بخطوات مترددة، رفعت راسها وبصت للعمارة، حسّت بضيق غريب في قلبها، كأن المكان بيدّيها إنذار، لكن حاولت تهدي نفسها وهي بتاخد نفس عميق وتبدأ تطلع السلالم.
وصلت عند الشقة، وفتحتها بالمفتاح اللي اداه لها محروس
قفلت الباب وبدأت تتحرك جوه وهي بتجهز نفسها للشغل. لسه بتاخد نفس عميق، سمعت خبط خفيف على الباب.
اتجهت ناحيته وفتحته، لقت بنت واقفة مبتسمة، شكلها لطيف وما يوحيش بأي حاجة غريبه وكانت شايلة صينية عليها كوبيتين عصير.
نرمين بابتسامة: "طنط صباح هنا !"
ليلى استغربت شويه، لكنها ردت بهدوء: "لا، أنا شغالة عندها في الفيلا، جايه أنضف بس… هتيجي بُكره أو النهاردة، ممكن."
نرمين بحزن مصطنع وهي بتاخد نفس: "ياه… دا أنا افتكرتها جت، هي كانت قايلة هتيجي النهاردة. طنط صباح دي تعتبر زي أمي، وحشتني قوي."
ليلى ردت بلطف: "متزعليش، ممكن تيجي شوية كده ."
نرمين ابتسمت : "أنا كنت عاملة عصير، أشربه مع طنط صباح، بس مافيش نصيب… ممكن أشربه معاكي؟"
ليلى بصت للصينية اللي في إيدها، وبعدين رفعت عينها لنرمين، حست أنها متحمسة قوي، بس في حاجة مش مريحة في الطريقة اللي بتتصرف بيها…
ليلى باحراج: "لا، متشكرة، عايزة أبدأ تنظيف على طول عشان ألحق أرجع، لازم أعمل العشا لجوزي، هو ما بيحبش ياكل غير من إيدي." قالت الجملة وهي بتحس بكسوف بسيط، بس في نفس الوقت كان عندها إحساس دافي ناحية الكلام ده.
نرمين وهي بتقرب منها بكوباية عصير وبتستعطفها "طب على الأقل اشربي العصير ده، عشان متتعبيش وبعدين الجو حر وإنتي بتشتغلي طول اليوم."
."
ليلى اترددت لحظة، بعدين ابتسمت وهي بتزيح الباب شوية: "طب اتفضلي اقعدي، طالما جبتي العصير يبقى نشربه مع بعض."
نرمين دخلت بخطوات هادية، حطت الكوباية قدامها وهي بتبتسم: "أكيد، مفيش أحلى من العصير في الحر ده."
ليلي أخدت الكوباية، شربت منها جرعة صغيرة، وبعدين كملت وهي بتسمع نرمين بتتكلم عن أي حاجة وأي موضوع، البنت كانت بتلهيها تمامًا.
نرمين بفضول: "إحنا قعدنا نتكلم كل ده وما قلتليش اسمك إيه؟"
ليلى حست إن دماغها بتلف، الصور حواليها بقت مشوشة، الكلمات مش مترابطة، رفعت الكوباية الفاضية من العصير وهي بتضحك بتوهان: "أنا… أنا اسمي لي... هنيه، خدمتك هنيه، بس خدامة لهلوبة!"
ضحكت ضحكة غريبة، بس ضحكتها اتكسرت لما الباب اتفتح فجأة، ودخل منه مروان.
اللى شاور لنرمين لها بإشارة بمعني تخرج، كأنهم متفقين على كل حاجة، البنت طلعت بسرعة وسابتهم لوحدهم.
مروان قفل الباب ولف ناحيتها، وقف قدامها، عينه بتلمع بنظرة مش مريحة، ابتسم ابتسامة خبيثة وهو بيفك أول زرار في قميصه.
مروان بصوت منخفض، فيه شهوة واضحة: "مش عارف فيكي إيه، بس عجباني، وأنا ما ينفعش تبقى حاجة عجباني… وما أذوقهاش."
ليلى حست إن جسمها تقيل، عقلها بيحاول يقاوم، بس الصورة في عنيها بقت ضبابية، حركت شفايفها بصعوبة، صوتها طلع مهزوز: "انت… مين؟"
مروان خلع القميص وهو بيقرب أكتر، ليلى حاولت تتحرك، لكن الدنيا كانت بتدوّر بيها، والمكان بقى أضيق، والهواء بقى تقيل…
نرمين كانت لسه بتقفل الباب في اللحظة دي، كان اركان وقف وراء نرمين
حط ايده على بقها ومسدس في جنبها، بيهمس بصوت منخفض وقاسي: "لو مش عايزة تموتي، اطلعي اجري وانت ساكته." البنت كانت في حالة صدمة، لكنها لملمت نفسها وجرت بسرعة، بتاخذ السلالم كلها في سلمة واحدة.
بينما كانت نرمين تجري، اركان دخل الشقة بسرعة. شاف مروان اللي كان لسه بيخلع قميصه وبيتحرك تجاه ليلى. قبل ما مروان يقدر يلمس ليلى، اركان ضربه من الخلف بكل قوته على رأسه بمؤخرة المسدس. مروان سقط على الأرض، فاقدًا للوعي، بينما كانت ليلى واقفة في حالة صدمة، مش مصدقة اللي شافت.
اركان جري بسرعة ناحية ليلى وامسكها من إيديها وبيطمن عليها، وهو بيبص على مروان اللي ملقى على الأرض في حالة غياب تام. "الحيوان ده عمل لك حاجة؟" سألها بصوت قاسي، مش قادر يستوعب كل اللي كان ممكن يحصل لها.
ليلى كانت مشوشة، مش عارفة إزاي تجاوب على أسئلته، وكانت بتكمل كلامها بصوت هادي، وكأنها مش فاهمة اللي بيحصل حواليها. "ده كانت بنت اللي هنا... شربتني عصير بالمانجا... وأنا بحب عصير المانجا. كنت هروح أعمل لك عشاء بعد ما أنظف الشقة."
اركان لاحظ إن ملامح ليلى مش طبيعية، . نظر ناحية كوب العصير اللي كانت شاورت عليه وقال بصوت متردد: "فيه حاجة غريبة في الكوباية دي..." وبص بتركيز على السائل الأبيض اللي كان في آخر الكوب. مسك الكوباية بسرعة، شمها، وعينيه ضاقت وهو بيستوعب المادة اللي خدتها كانت بتخليها تفقد تركيزها تمامًا، جسدها مسترخي وعقلها مشوش، كأنها فقدت السيطرة على نفسها."
أركان وهو يبص على ليلى اللي كانت في حالة غير طبيعية. شافها وهي بتحط وجهه بين إيديها، وصوتها العذب الانثوي بيقول له "أركان أنت جميل قوي". شعر بشيء غريب في داخله، وابتدت مشاعره تتلخبط .
في لحظة غير متوقعة، رفعها من على الأرض، وهي تشبك ذراعيها حول رقبته وتتشعلق فيه زي الطفلة. كانت تدفن رأسها في رقبته وتقبله بطريقة مغرية
أركان حس بشيء يثير فيه رغباته، جسمه كله بدأ يتصلب، وكان مش قادر يسيطر على تصرفاته. شعر وكأن جسمه كله كأن ما كانش ملكه، وفي لحظة ضعف غير متوقعة، شعر بتوتر داخلي. كان عارف إنه مش هينفع يرجع بيها للفيلا في الوضع ده.
قرر فجأة إنه يخرج من الموقف الغريب ده، ويسحبها بحذر ويأخذها لشقته اللي قريبه من المعادي، ويشوف هيعمل إيه معاها، خصوصًا وهي في الحالة دي.
اركان كان بيمسك المقود بكل قوته لكنه ما كانش قادر يركز في القياده ليلي كانت مش قادره تبعد عنه مش سيباه لحظه واحده كانت بتبوس في رقبته بلا توقف كل قبله كانت تترك اثر لدرجه ان رقبته تغطت بعلامات حمراء صغيره من قوة تقبليها المستمره كان جسمه كله متوتر وكل حركه كانت تزيد من صعوبه التركيز على الطريق
"ظل أركان وهو يقود السيارة في حالة من الارتباك، كلما حاول الابتعاد عن ليلى كانت هي تقترب منه أكثر، مش قادرة تبعد عن رقبته. لما وصلوا أمام شقته، كان قلبه مش قادر يتوقف عن الخفقان. دخلوا الأسنساير وابتدى يحاول يبعد عنها، لكن كان بيشعر بتوتر شديد، مش قادر يسيطر على الموقف. دخلوا الشقة وهو بيحدفها على الأنتريه بسرعة، حاول يخلي نفسه هادي، لكن مش قادر يتحكم في مشاعره، شعر بالارتباك يزداد. ليلى كانت مشغولة بفك طرحتها، سمع لأول مرة صوت أنثوي رقيق جدا بيدخل قلبه. الجو حر يا اركان ، وهو مش عارف يتصرف. كان عقل أركان مشوش، وكل محاولات التحكم في الموقف بتفشل.
"ما كانش ينفع يتصل على والده، ولو اتصل هيقول له إيه؟ الموضوع بالنسبة له محرج جدًا، جت له فكرة ثانية، أمسك تليفونه وحاول يبحث عن أي حاجة تقدر تبطل مفعول اللي هي شربته. بَصَّ في جيبه، ملقاش غير تليفونه العادي، اللي ما فيهوش أي وسائل مساعدة. أركان كان عايز يكسره رماه على الترابيزة وهو بيقول لنفسه بعدها، جت له فكرة تانية: يحطها تحت ميه باردة.'إيه الطريق الغبي ده اللي بفكر فيه؟ هي مغمى عليها،
أركان كان بيحاول يسيطر على نفسه، عقله بيصرخ إنه لازم يبعدها، لكن جسمه كان متشنج، متصلب في مكانه وهو شايفها قدامه بالطريقة دي. خلعت ملابسها ووقفه قدامه بهوت شورت فقط
أركان اتصمر في مكانه.
عمره ما شافها كده قبل كده، طول الوقت كانت متغلفة بالحجاب والهدوم الواسعة، ملامحها عادية، لكنه دلوقتي شايف حاجة تانية.. حاجة ما كانش متوقعها. شعرها الطويل نازل على ضهرها، وجسمها الممتلئ بان بوضوح مع الهوت شورت والتوب اللي كان أقصر بكتير مما لازم. التفاصيل دي ما كانتش ملفتة ليه لو شاف اي بنت بالمنظر ده، لكنه ليلي شايفها بعين مختلفة، شايف حاجة جديدة، حاجة مش لازم يشوفها .. مش لازم يحس بيها. بلع ريقه وهو يحاول يحوّل عينه بعيد، بس ليلى كانت بتقرب، وكانت عيونها فيها حاجة ما شافهاش قبل كده.. حاجة مش طبيعية.
حركت خطوتين ناحيته، رفعت إيديها ولفتها حوالين رقبته، عيونها كانت مليانة رغبة وتوهان، وكأنها مش في وعيها تمامًا. همست بصوت ناعم ومترجي:"أركان... أنا بحبك."
قبل ما يقدر يستوعب كلامها، لقاها بتقرب أكتر، أنفاسها الدافئة بتلامس بشرته، وشفتاها بتدنو من شفايفه. في اللحظة دي، حس بكهربا بتجري في كل جسمه، عقله بيحذره لكنه مش قادر يتحرك...
أركان شد نفسه للخلف بغريزة الدفاع، لكن ليلى كانت أسرع، قربت أكتر، وشفايفها لمست شفايفه بخفة، لمسة صغيرة، لكنها كانت كفيلة تخليه يحس بحرارة غير طبيعية في جسمه.
"ليلى، فوقي!" قالها بصوت متحشرج، صوته فيه ارتجافة مش من خوف، لكن من إحساس غريب لأول مرة يحسه.
لكنها ما ردتش، كانت عينيها نص مغمضة، والكسوف اللي كان دايمًا بيظهر عليها، اختفى تمامًا. حركت إيديها على خده، همست بصوت مترنح:
"ليه بتبعدني؟ مش عجباك؟"
الكلام كان كأنه صفعة، أركان عمره ما تخيل يسمع منها حاجة زي دي، عمره ما فكر فيها بالطريقة دي أصلًا. لكنه دلوقتي مش شايف قدامه غير واحدة جميلة، مستسلمة تمامًا، وكأنها بتناديه من غير ما تتكلم.
حاول يبعدها تاني، لكن المرة دي، ليلى شدت تيشيرته، خلت المسافة بينه وبينها معدومة.
" عايزة أبقى جنبك."
أركان حس بجسمه بينفض، دماغه بتصرخ إنه لازم يوقفها، لكنه كان عارف إنه خلاص، لو فضل معاها دقيقة واحدة كمان بالشكل ده، مش هيقدر يسيطر على نفسه.
فجأة، بإرادة أخيرة، مسك كتفيها بقوة، وبعدها عنه بسرعة، وراح ناحية الحمام.
"أركان..."
ما بصّش لها، كان لازم يبعد قبل ما يعمل حاجة يندم عليها. دخل الحمام وقف قدام الحوض، فتح الميه على وشه، وهو بيحاول يسيطر على أنفاسه، وعلى جسده اللي مش قادر يهدى.
أخذ نفسًا عميقًا، وغمغم لنفسه:
"أنا مش هكون زي مروان... مش هسمح لنفسي أكون زيه."
لكنه عارف إن الليلة دي مش هتعدي بسهولة، وإنه لسه عنده اختبار أصعب... وهي موجودة برة، مستنياه.
أركان فضل واقف قدام الحوض، المية بتجري وهو مش قادر يهدى. قلبه بيدق بسرعة، ودماغه بتلح عليه يرجع ليها، لكنها كانت آخر حاجة المفروض يفكر فيها دلوقتي.
خرج من الحمام بعد دقايق، وهو متأكد إنه لازم يسيطر على الوضع، لازم يلاقي حل. لكن أول ما رفع عينه، لقاها قاعدة على السرير، رافعة راسها له، وابتسامة صغيرة مرسومة على شفايفها.
"أركان... تعالى جنبي."
صوته بحزم وهو بيرد: "نامي يا ليلى."
"مش عايزة أنام، عايزة أكون معاك..."
حركة بسيطة منها، رفعت إيدها ومدتها ناحيته، كأنها بتطلب منه يجي، كأنها بتغريه من غير ما تقصد.
أركان شد نفسه، وأخد خطوة لورا: "أنا مش هسمحلك تعملي كده، فاهمة؟ أنتِ مش في وعيك، وأنا مش هستغل ده."
لكن ليلى كانت خلاص برة حدود المنطق، قامت من مكانها وراحت له، وقبل ما يقدر يمنعها، لفت دراعها حواليه وحطت راسها على صدره.
"أنت بتبعدني ليه؟" همست بصوت ناعم، أقرب للطفلة اللي بتدور على أمانها.
أركان حس بجسمه بيتوتر أكتر، كان لازم يخلص من الليلة دي بأي طريقة.
"اسمعيني، أنا مش هسمح بحاجة تحصل بينا وإنتِ في الحالة دي. هتنامي دلوقتي، وبكرة نبقى نشوف هنعمل إيه."
"طب نام جنبي..."
جملتها دي لوحدها كانت كفيلة تخليه ينهار، لكنه أجبر نفسه على السيطرة. قرب منها، وبعدها بلطف، وهو يقول بصرامة:
"نامي، يا ليلى."
شاورت له على السرير، بعينيها اللي بقت مغيمة أكتر: "طب هتقعد جنبي لحد ما أنام؟"
أخد نفسًا عميقًا، عارف إنها مش هتهدى غير لما يحسسها بالأمان. قعد جنبها على طرف السرير، وبمجرد ما حسّت بوجوده، ابتسمت، وقربت أكتر، وبعد دقايق صوت أنفاسها بقى أهدى.
أركان فضل مكانه، متوتر، عارف إن الليلة دي غيرت حاجة جواه... وعارف إن اللي جاي مش هيكون سهل.
أركان قعد على طرف السرير، عينيه مثبتة على ليلى وهي نايمة. أنفاسها كانت هادية، وملامحها بريئة بشكل غريب، عكس اللي كان بيحصل من شوية. قلبه كان بيدق بسرعة، بس مش من رغبة، من حاجة تانية... حاجة مخيفة أكتر.
مد إيده وشال خصلة من شعرها عن وشها، وهو بيتنهد. "إنتِ مصيبة،... مصيبة كبيرة."
قام بهدوء، خد نفس عميق، وقرر ينام على الكنبة اللي في الصالة. مقدرش يبقى قريب منها أكتر من كده، وإلا هيخسر نفسه. بس وهو بيقفل باب الأوضة، لمّحها بتحرك شفايفها بكلام غير مفهوم، كأنها بتحلم.
"أركان... أنا بحبك."
الكلمات خرجت منها بهمس، بس كانت كأنها طلعت من السماعات مباشرة على قلبه.
أركان وقف لحظة، عينه ثبتت عليها، وكل حاجة جواه اتشقلبت. كان عارف إنها مش في وعيها، وإن الكلمة دي طالعة بسبب اللي شربته، بس... ليلى بتحبه؟
هز راسه بقوة، كأنه بيطرد الفكرة، وسحب الباب وقفله وراه.
رمى نفسه على الكنبة، حط دراعه على عينه، وحاول ينام... بس كان عارف إن النوم مستحيل الليلة دي.
الحكاية دي مش هتعدي بسهولة.
بعد كام ساعه
ليلى فتحت عينيها ببطء، الدنيا كانت ضبابية، حسّت بجسمها تقيل وكأنها كانت غرقانة في نوم عميق. أول ما فاقت بالكامل، اكتشفت إنها مش في اوضتها.. ده مش مكانها!
عقدت حواجبها وحاولت تستوعب، بس أول ما عينيها وقعت على أركان، حسّت بحرارة غريبة في وشها، الحرارة دي كانت جاية من جوّا، من إحساس ما فهمتوش. كان واقف بعيد، ضهره ليها، وإيده متشابكة قدامه كأنه بيحاول يسيطر على حاجة جواه.
ليلى صوتها كان مهزوز وهي بتقول:
– أنا… أنا فين؟
أركان لفّ ببطء، عيونه كانت تقيلة عليها، كأنه مش قادر يبصلها عادي زي كل مرة. كان في حاجة مختلفة.. حاجة غريبة.
قال بصوت هادي بس مش مفهوم فيه إيه:
– فقتِ أخيرًا؟
ليلى بدأت تستوعب أكتر، بصت على نفسها، وشها احمر بشكل فظيع، كأن الدم كله تجمع في خدودها، قلبها بيدق بسرعة، وعيونها نطّت على أركان تاني، بعدها فورًا نزلت رأسها للأرض، مش قادرة تواجهه.
حاولت تتكلم، بس مفيش صوت طالع، إحساس بالكسوف ضربها لدرجة إنها لو كان ينفع تدخل جوه الأرض، كانت عملتها من غير تفكير.
أركان لاحظ الارتباك اللي هي فيه، زفر بهدوء وقال:
– ما تقلقيش.. مفيش حاجة حصلت.
ليلى رفعت عيونها بسرعة، نظرتها كانت مليانة أسئلة، مليانة خوف، مليانة حاجة تانية مش قادرة تعبر عنها. بصت ليه، حاولت تشوف في عينيه أي حاجة تفهمها، بس هو كان متحفظ.. واقف كأنه حاجز بينه وبين نفسه.
قالت بصوت واطي جدًا، كأنها بتتكلم مع نفسها:
– بس أنا… أنا كنت…
أركان قاطعها بحزم، مش عايزها تكمل الجملة اللي في بالها:
– كنتِ مش في وعيك.
كلمته نزلت عليها تقيلة، حسّت إن عيونها بتلمع، مش عارفة ليه دموعها قرّبت تنزل.. من الكسوف؟ من الإحساس الغريب اللي جواها؟ من حاجة مش مفهومة؟
إحنا لازم نمشي.
كلماته كانت واضحة ومباشرة، زي ما هو دايمًا، لكنها حملت معاها حاجة غريبة، حاجة مش عارفة توصفها. قعدت في السرير، وشّها لسه فيه أثر النعاس، بس عقلها بدأ يشتغل بسرعة.
– دلوقتي؟
أركان لف يبصلها، عينه كانت ثابتة، بس مفيهاش حدّة، كأنه مستني استيعابها.
– مش هينفع نغيب أكتر من كده، لازم نرجع الفيلا. المهمة والشغل مستنيين، مش هنقدر نختفي كأننا مش موجودين.
ليلى بلعت ريقها، حسّت إن الكلام منطقي، بس في نفس الوقت مش قادرة تتعامل مع فكرة إنها ترجع تعيش الدور اللي كانت عايزة تهرب منه للحظات.
لف وراح ناحية الكرسي اللي مرمي عليه هدومها، مسك العباية والطرحه، وراح ناحيتها بخطوات هادية.
– البسي.
صوته كان تقيل، مفيهوش أي انفعال، بس برضه كان فيه حاجة مش طبيعية، كأنه بيحاول يخلّي الأمور تمشي عادي، كأن اللي حصل كان مجرد لحظة وعدّت.
ليلى مدت إيدها وخدت الهدوم بسرعة، صوابعها كانت بترتعش وهي بتضمهم على صدرها. كان قلبها بيدق بسرعة، ومش عارفة إذا كان من الحرج ولا من حاجة تانية أعمق.
أركان وقف مكانه لحظة، شافها بتقوم بسرعة وتلف جسمها بالعباية قبل ما تمشي ناحية الحمام، وكأنها بتجري من وجوده، من نفسها، من كل حاجة.
بعد دقايق ليلى خرجت من الشقة بسرعة، قلبها بيدق بجنون، مش عارفة تهرب من مشاعرها ولا من نظرات أركان اللي لسه محفورة في عقلها. كانت حاسة إنها تايهة، مش عارفة إزاي هتواجهه بعد اللي حصل. بس الحقيقة اللي صدمتها أكتر إنها لازم ترجع لحياتها معاه.. ترجع للمهمة، وكأن اللي حصل متحسبش، وكأنها لازم تلبس القناع تاني.
أركان طلع وراها، لقاها واقفة قدام العربية، وشها محمر وعيونها متعلقة بالأرض. بدون أي كلام، فتح باب العربية وقال بهدوء:
– اركبي.
صوت عقله كان بيقول إنه لازم يتعامل مع كل حاجة عادي، بس جسمه كان متوتر، عقله لسه متعلق باللحظات اللي حصلت من شوية، باللي حسّه.. باللي كان ممكن يحصل.
ليلى طلعت العربية، حطت إيديها في حجرها، ما اتكلمتش، وأركان برضه ما قالش ولا كلمة. بس الصمت بينهم كان تقيل، تقيل أوي. العربية اتحركت، وكل واحد فيهم غرق في أفكاره.
بعد شوية، أركان بص لها وقال بصوت هادي:
– هنرجع الفيلا .. لازم نرجع للمهمة.
ليلى حسّت بقلبها يقع، رجوعهم للمهمة معناه إنهم هيعيشوا سوا تاني، قدام الناس هما متجوزين، بس جوّاها عارفة إن العلاقة بينهم دلوقتي بقت أعقد من الأول.
بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت واطي:
– هنتعامل كأن مفيش حاجة حصلت؟
أركان بص قدامه، ملامحه جامدة، وكأنه بيقنع نفسه بالإجابة اللي قالها:
– أيوه.
ليلى عضّت شفايفها، قلبها وجعها من الرد، بس سكتت. ما كانش قدامها غير إنها تكمّل الدور.. تكمل حياتها وكأن الليلة دي كانت مجرد غلطة.. أو حلم.
بس الحقيقة إن اللي حصل مش هيتنسي، ولا هو ولا هي قادرين يتجاهلوه، واللي جاي.. ممكن يكون أصعب.
فضلت ليلى ساكتة، عينها معلقة بالشارع اللي بيجري قدامها، بس عقلها كان محبوس جوا اللحظات اللي حصلت من شوية. قلبها كان لسه بيدق بسرعة، مش قادرة تحدد إذا كان من التوتر ولا من الحاجة اللي حستها لما أركان كان قريب منها بالشكل ده.
أركان فضل ساكت، ماسك الدريكسيون بقوة، عينيه سابحة في الطريق، لكن تفكيره كان في اللي حصل جوه الشقة. كان بيقنع نفسه إنه قدر يسيطر، إنه ما سمحش لحاجة تحصل، لكنه عارف كويس إن مجرد وجودها بالشكل ده قدامه كان كفاية عشان يقلب كيانه كله.
بعد فترة، ليلى تنحنحت، صوتها كان واطي ومهزوز:
– أنا.. أنا أسفة.
أركان عقد حواجبه، بص لها بنظرة جانبية، ملامحه كانت هادية لكنها مش سهلة التفسير:
– أسفة على إيه؟
ليلى عضت شفايفها، حست إن الكلمة اللي قالتها مالهاش معنى، هي نفسها مش عارفة ليه قالتها، بس كل اللي حسته وقتها إنها مش قادرة تستوعب الموقف.
أركان زفر بهدوء، رجع يبص قدامه وهو بيقول بجفاف:
– اللي حصل مش بإيدك، ولا بإيدي، فبلاش نفتح الموضوع تاني.
كلماته كان فيها حسم، لكنه كان عارف إن الكذبة اللي بيحاول يقنع نفسه بيها مش هتمشي بسهولة. المشكلة مش في اللي حصل، المشكلة في اللي حاسه.. في اللي لسه مش فاهمه جواه.
وصلوا للفيلا أركان ركن العربية، وقبل ما يفتح الباب، التفت لها، صوته كان أخف حدة لكنه ثابت:
– هنرجع كل حاجة زي ما كانت، مفهوم؟
ليلى بصت له، ملامحها كانت مزيج بين الاستسلام والألم، لكنها هزت راسها بالموافقة.
نزلت من العربية، ورغم إنهم كانوا واقفين في نفس المكان، كل واحد فيهم كان حاسس إنه بعيد عن التاني.. بعيد أوي.
لكن الحقيقة اللي الاتنين كانوا بيهربوا منها، إن المسافة اللي بينهم كانت بتقل، وإنه مهما حاولوا يتعاملوا كأن اللي حصل ما حصلش.. الليلة دي كانت نقطة فاصلة، وكل حاجة بعدها مش هتبقى زي الأول.
أول ما دخلوا من باب الفيلا، قابلهم عبد الحق اللي كان واقف عند المدخل، ملامحه فيها قلق واضح.
عبد الحق وهو بيبص لهم بريبة: "الحمد لله إنكم كويسين... بس إيه اللي حصل؟ واحد جه وقال لنا إنك كنت طالع تجري بتلحق مراتك عشان عربية خبطتها!"
أركان شد حواجبه، استغرب الكلام، بس أخفى تعبيره بسرعة: " الحمد لله ربنا ستر."
عبد الحق لف بنظره على ليلى، كانت واقفة جنب أركان، شكلها متوتر، ملامحها شاحبة، وحتى كلامها مش طالع. قرب منها وسألها: "إنتِ كويسة يا هنية؟"
ليلى ما قدرتش ترد، بس هزت راسها بسرعة بمعنى "آه"، رغم إن صوتها كان مخنوق جواها.
عبد الحق ضيق عينيه وهو بيبص بينهم: "طب إنتوا كنتوا فين كل ده؟"
أركان رد بسرعة، بنبرة هادية بس حاسمة: "كنا في المستشفى، ليلى كانت تعبانة شوية، بس خلاص كويسة دلوقتي."
عبد الحق لاحظ إن أركان قالها بثقة، كأنه مش مستني أسئلة زيادة، فهز راسه باقتناع نسبي وقال: "تمام، المهم إنكم بخير."
أركان شد كفه على إيد ليلى بخفة وهو بيجرّها معاه للداخل: "هندخل نرتاح شوية."
عبد الحق وقف مكانه وهو بيتابعهم بنظرات مترقبة، حاسس إن في حاجة مش مفهومة، بس قرر ما يضغطش عليهم أكتر.
أول ما دخل أركان الأوضة، التليفون رن في جيبه، طلع الموبايل وبص في الشاشة... "بابا".
فتح الخط وهو بيقرب من الشباك، خد نفس عميق وقال: "أيوه يا بابا؟"
صوت والده جه هادي، بس فيه قلق واضح: "إنت كويس؟"
أركان رفع حاجبه، حس إن عدلي عارف
: "وأنت عارف كل حاجة، مش كده؟"
عدلي بابتسامة خفيفة، لكن نبرته فيها جدية: "ما أنا أكيد مش هسيبك في المهمة دي لوحدك، كنت متابعك، بس بصراحة، ما كنتش فاهم كل التفاصيل، فحاولت أتصرف على قد اللي شفته... المهم، أنتم كويسين؟"
أركان بص لليلى اللي كانت قاعدة على طرف السرير، ساكتة، راسها محنية شوية، واضح إنها لسه مش مستوعبة كل اللي حصل.
رد وهو بيحاول يبان عادي: "آه، كويسين... الحمد لله."
عدلي سكت لحظة، وبعدين بصوت فيه عتاب: "طب ليه ما بعتليش ولا حتى اتصلت بيا؟ كنت محتاج مساعدة، كنت ساعدتك."
أركان حرك كفه في شعره، نبرته بقت محرج شوية: "ما كانش في حاجة تعرف تساعدني فيها، أنا حاولت أحتوي الموقف... الحمد لله الموضوع عدى. وبشكر سيادتك على الخدمة اللي قدمتها."
عدلي بصوت ثابت لكنه دافي: "إنت ابني يا أركان... ما تقولش كده."
أركان خد نفس عميق، نزل عينه للأرض وهو بيرد بهدوء: "عارف."
قطع المكالمة قبل ما يدخل في كلام عاطفي أكتر، ورجع يبص لليلى... كان عارف إن اللي جاي مش سهل، وإنه مهما حاول يهرب من اللي حصل، هي هتفضل متعلقة في ذهنه.
تكملة الرواية من هناااااااا
تعليقات
إرسال تعليق
فضلا اترك تعليق من هنا