القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الاول والثاني بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات

 


رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الاول والثاني بقلم  هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات 







رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الاول والثاني بقلم  هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات 




(الفصل الأول الرهينة)


"هناك لحظات تغيرك للأبد… لحظات تجعلك شخصًا آخر، تقتلك وأنت على قيد الحياة، تسرق منك الإيمان بالعدالة، وتتركك تتخبط في ظلام الانتقام. لحظات لا يمكنك محوها، حتى لو حاولت الهروب منها آلاف المرات…"


صوت الطلقات لا يزال يرنّ في ذاكرته، رائحة الدم لم تفارقه، والألم… ذلك الألم الذي التصق بروحه حتى أصبح جزءًا منه.

كان يمكن أن يكون شخصًا مختلفًا… كان يمكن أن يسير في طريق آخر.

لكنه لم يفعل.

لأن بعض الجراح لا تُشفى، وبعض الذكريات لا تموت، وبعض الأسماء… محفورة في القلب بحد السكين.


في ليلة بلا قمر، حيث لا فرق بين الظلام وعينيه، أدرك أن كل الطرق التي سار بها لم تكن سوى رحلة دائرية تعيده دائمًا إلى نقطة واحدة…

النقطة التي بدأ منها كل شيء.


لكن هل كان هو الصياد… أم الفريسة؟

وهل كان مستعدًا لمواجهة ما سيأتي، أم أن اللعبة هذه المرة تحمل قواعد مختلفة؟


ركضت تلهث بجنون، تبحث عن طوق نجاة من المجهول الذي يطاردها. لم يكن هناك أحد ليساعدها، كيف لها أن تجد العون وهي في مكان مهجور، خاوٍ من الحياة والضوء؟ كانت "شذى" تصارع للبقاء، بينما قلبها يكاد ينفجر من شدّة تسارع نبضاته.


نظرت حولها بترقب شديد، حتى لمحَت ممراً ضيقاً بالكاد يُرى. قررت التوجه إليه، ظنًا منها أنه قد يساعدها على تضليل من يطاردها. وبالفعل، شقّت طريقها داخله، لكن أثناء سيرها، التقطت أذناها صوت خطوات بطيئة تتسلل إلى مسامعها.


توقفت، انكمشت قليلاً، وزاغت عيناها في كل الاتجاهات. للحظة، تسلل إليها الخوف، لكنه لم يكن خيارها الوحيد… كان عليها أن تواجه. أخذت نفسًا عميقًا، ثم قررت أن تتغلب على ارتجافها وتلتفت خلفها.


التفتت بارتجاف، وعندما وقعت عيناها عليه، اتسعت بصدمة جعلت قدميها تتجمدان للحظات. لكن فجأة، انطلق صراخها في الهواء، قبل أن تندفع راكضة بجنون، لا تدري إلى أين، وكل ما يشغلها هو النجاة من الكابوس الذي يلاحقها.


خرجت من الممر الضيق الذي كانت تسير فيه، لتجد نفسها في طريق أوسع بكثير، يبدو كأنه طريق عمومي. بدأت معركة جديدة، سباق مع الزمن، تبحث فيه عن أي شخص يساعدها وسط ظلمة الليل. لكن ما لم تتوقعه أنها ستجد نفسها تتوقف فجأة، جسدها ينتفض، وعيناها تنغلقان بقوة بسبب الضوء الساطع الذي انفجر أمامها دون سابق إنذار، ليخترق عتمة هروبها ويجبرها على التراجع بارتباك وألم.


كانت السيارة سوداء ضخمة، تلمع تحت ضوء المصابيح وكأنها إعلان صامت عن الثراء والسطوة تدلى منها رجلان، بينما بقي آخران داخلها، يراقبان المشهد بصمت مريب.


بدأت هي تفتح عينيها رويدا رويدا، تحاول استيعاب ما يجري أمامها، لكن بمجرد أن أدركت ما يحدث، اتسعت عيناها بصدمة. حاولت الفرار، أو حتى الصراخ طلبا للنجدة، لكن لم يمنح لها الوقت الكافي اندفع الرجلان نحوها بسرعة، أمسك أحدهما بها بإحكام وقيد يديها بعنف، بينما الآخر أخرج حقنة، وغرزها في عنقها بلا رحمة.


شعرت بسائل بارد يسري في عروقها، وبدأت الرؤية تتلاشى شيئا فشيئا. آخر ما التقطته عيناها كان ملامح ذلك الملثم قبل أن يغرق كل شيء في ظلام دامس.

بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، تتململ بألم ينهش جسدها، لا تشعر بما يحيط بها. حاولت حك أنفها، لكن يدها لم تتحرك. ازدادت انزعاجًا، تحاول مرة أخرى… لكن عبثًا، لم تستطع تحريك يديها.


فتحت عينيها باندهاش، نظرت إلى يديها، لتتسع عيناها بصدمة مروعة. كانتا مكبلتين بكلبشات معدنية، مثبتتين بإحكام في كرسي حديدي بارد. ارتعش جسدها برهبة، وكادت تحرك قدميها، لكنهما أيضًا كانتا مقيدتين بنفس القسوة.


تسلل الرعب إلى قلبها، وكادت تصرخ طلبًا للمساعدة، لكن صوتها انحشر في حلقها عندما وقع نظرها عليه… كان جالسًا أمامها، يتأملها ببرود، شفتيه منفرجتان عن ابتسامة ساخرة، وعيناه تلمعان بنظرات جريئة خالية تمامًا من الرحمة.كسر صمت المكان صوته العميق وهو يقول بنبرة مليئة بالسخرية:


ـ كنتِ فاكرة نفسك أذكى مني؟


زفر بضحكة خافتة ممتزجة بالتهكم، رفع رأسه قليلًا، وحرك يديه بسخرية واضحة:


ـ كل اللي يقرب من ملفاتي بينتهي به الحال ميتًا، ببساطة. لكن موتك… لازم يكون درس قاسٍ. ما ينفعش يا حضرة الصحفية تروحي كده بدون "تشريفة" تليق بجلالتك… الصحفية المشهورة والرائعة، اللي فضّلت شغلها على حياتها، وقررت تلعب في ملعب مش ملعبها… قررت تفتّش ورا رجل أعمال بيجمع ثروته من مال الدولة، وبيشارك في عمليات… أبعد ما تكون عن الإنسانية.


انخفضت زاوية فمه تدريجيًا، وتحوّلت ابتسامته الساخرة إلى نظرة قاتمة، نظرة أسد يستعد لافتراس فريسته.


ـ بس إنتِ… غير.

اعترف بصوت خافت لكنه حاد، بعينين تضيقان بتمعّن.


ـ لازم أرفع لك القبعة… قدرتِ توصلي لمعلومات ما حدش قِدِر يكتشفها عني. معلومات كانت كفيلة إنها توصّلني لحبل المشنقة لو وصلت ليد العدالة. ولو دا حصل… كنت هكون في تعداد الموتى دلوقتي.


مال بجسده نحوها قليلًا، وصوته انخفض أكثر، حتى صار أشبه بفحيح ثعبان:


ـ لكن المشكلة إنكِ مش عارفة أنا مين… ولا تفتكري للحظة إني فقدت السيطرة. شكلك نسيتي إن مجرد ذكر اسم "الجبالي" في أي مكان… كفيل يقلب الدنيا رأسًا على عقب.

اقترب منها أكثر، أصابعه الخشنة تتغلغل بين خصلات شعرها يجذبها ببطء وكأنه يستمتع بضعفها. لكن ما لم يتوقعه كان رد فعلها ... هزت رأسها بعنف وجهها امتلأ بالنفور والاشمئزاز، ثم رفعت رأسها فجأة، وبصقت عليه بقوة، وعيناها تشتعلان بانفعال وغضب.


صرخت بصوت ممتزج بحرقة قلب وتهديد صريح:


ـ ابعد إيدك عني يا كلب فكني وإلا أقسم بالله العظيم، اللي هيحصلك مش هيكون سهل أنت مش عارف أنا مين ولا إيه؟ شكلك نسيت إن حياتك تحت إيدي بعد ربنا يعني لو اختفيت ... انت هتختفي معايا !


حاولت التحرر، وجسدها ينتفض غيظًا و تكمل بحدة، نبرتها تفيض احتقارًا:


ـ فكني يا كلب من هنا فكني شكلك نسيت نفسك ولا إيه؟ يا مجرم يا زبالة يا قاتل القتلة عمرك ما هتقدر تعمل لي حاجة، وانت عارف إن كل جرائمك الحقيرة والسوداء تحت إيدي. يعني بمجرد ما ينتشر خبر اختفائي... انت فعلا هتكون في تعداد الموتى.


اشتعلت عيناه بالغضب، وتحوّلت ملامحه إلى مزيج قاتم من التهكم والقرف. رفع يده ببطء، مسح مكان بصقتها باشمئزاز، لكن فجأة، انتفض بغضب عارم، قبض على شعرها بعنف، وسحبها نحوه حتى انعدمت المسافة بينهما.


همس بصوت منخفض لكنه مشحون بالتهديد:


ـ إنتِ قد الحركة اللي عملتيها دي؟


لم يمهلها فرصة للرد، بل صرخ في وجهها بغضب هادر:


ـ ردّي عليّ! إنتِ قدّها؟! أدلّة إيه وقرف إيه…يا أم أدلّة؟ فوقي بقى! ده أنا قدرت أجيبك لحد هنا، مش هعرف أتخلّص من شوية ورق زبالة زيك؟!


زمجر بصوت أكثر حدة، عيناه تشتعلان بجنون متوحش:


ـ أوعي تفكّري نفسك حاجة عشان كان في كام ورقة مسكتِها عليا! لأااااا! القذارة اللي اكتشفتيها وعرفتِها عني؟ دي ولااا حاجة! أما اللي هتشوفيه دلوقتي… ده حكاية تانية خاااالص!


دفع رأسها بعنف، جعلها تتراجع بقوة حتى كادت تسقط. ثم بدأ في نزع سترته ورماها على الأرض بعنف، قبل أن يمد يديه إلى أزرار قميصه، يفكّها واحدة تلو الأخرى، وعيناه تشتعلان بغضب قاتم، نظراته ثابتة عليها وكأنها فريسة محاصرة.


شعرت بألم في فروة رأسها بسبب قبضته السابقة، لكن رغم الألم، حاولت التماسك. عقلها يعمل بجنون، تفكر في أي طريقة للهروب من هذا المكان اللعين. لكن فجأة، تجمّدت في مكانها عندما رأته يخلع ملابسه العلوية…


تسارعت دقات قلبها بعنف، وارتجف جسدها لا إراديًا، تلالأت الدموع في عينيها، امتزجت مشاعرها بين الخوف والقهر. شهقت، تحاول استيعاب ما يفعله، قبل أن تهتف بصوت مرتجف:


ـ إنت… بتعمل إيه؟


ثم انفجر صوتها بصراخ مذعور، جسدها كله يرتجف، تحاول الانكماش بعيدًا عنه:


ـ إنت هتعمل إيه؟! ابعد عني! ابعد عني يا زبالة! يا حقير! يا وسخ!


حاولت التحرر، جسدها يتلوى في قيوده، دموعها تسيل بحرقة، تهتف بانفعال يائس:


ـ سيبني! سيبني..أمشي من هنا!


أمسك برأسها بعنف مرة أخرى، يجذبها نحوه وكأنه يستمتع برؤيتها ضعيفة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، مشحونة بالتهديد.


ـ إيه يا حلوة… خفتي؟!


صوته خرج منخفضًا، لكنه مشبع بالسخرية والخبث، وعيناه تلمعان باستمتاع مظلم.


ـ أنا لسه ما عملتش حاجة… قلت لكِ إن موتك هيكون النهارده، بس طبعًا، لازم أعمل حاجة تليق بيكي قبلها… حاجة تبقى ذكرى لا تُنسى، مش كده؟


أنهى كلماته بصفعة قوية على وجهها، صفعة اهتز لها جسدها كله، جعلت رأسها يميل بعنف إلى الجانب. شعرت وكأن الدنيا تدور حولها، وبدأ الاستيعاب يتلاشى تدريجيًا من عقلها.


شفتاها ارتجفتا بألم، بالكاد استطاعت أن تهمس بصوت خافت، تتلاشى الرؤية أمام عينيها مرة أخرى:


ـ حرام عليك… ابعد عني… يا جـــواد…


لكن لا حياةً لمن تناد كان الانتقام أقوى بكثير من ندائها بالرَّحمة المنعدم وانقضَّ عليها بلا رحمة يفقد كلُّ إنش بها من الصَّفاء والعفَّة ليجعلها أمام مثل أيِّ عاهرة كان له علاقة بها متغاضيًا تمامًا عن توسُّلاتها الباكية والحارقة لو كانت لجبل لكان رقّ قليل من ضعفها.


في مكان آخر، كانت العتمة تسيطر على كل شيء، باستثناء الضوء الخافت المنبعث من شاشة التلفاز الضخمة المثبتة على الحائط، حيث تُعرض أمامه مشاهد كأنها مقتطعة من فيلم قديم، لكنه من إنتاج الواقع القاسي.


جلس على كرسيه الوثير، ساقًا فوق ساق، يراقب ما يجري أمامه بعينين مليئتين بالاستمتاع، وكأن المشهد مجرد عرض خاص أُعدّ خصيصًا له. ابتسم بسخرية، ثم همس بصوت هادئ لكنه مشبع بالانتصار:


ـ أممم… وأخيرًا يا جواد الجبالي!


ارتشف رشفة من كأسه، ثم تابع ببطء، كأنه يتذوّق كلماته بمتعة:


ـ دليل بالصوت والصورة… بعد كل السنين دي؟!


ضحك ضحكة قصيرة، ثم أردف بتهكم:


ـ حاجة حلوة… حاجة تفرّح سنين عمري اللي فاتت كلها.


انفجر في ضحك هستيري وهو يراقب المشهد أمامه، وكأنه يشاهد فيلمًا من إنتاجه الخاص. كان يستمتع بكل تفصيلة، بكل لحظة من هذا العرض الواقعي، لكن شيئًا ما بدا وكأنه يزعجه قليلًا.


تقلّصت ملامحه، وارتسم على وجهه تعبير ساخط وهو يلاحظ تجاوزات جواد في لمسات غير مرغوبة تجاه الفتاة. أمال رأسه ببطء، ثم تمتم بتهكم:


ـ تؤ تؤ تؤ… إحنا ما اتفقناش على كده يا جواد بيه!


زم شفتيه وكأنه يعاتب بمرح مصطنع، ثم أردف بسخرية:


ـ حرام… البنت مسكينة! آه، كانت فرصة حلوة ودليل ذهبي عليك، ولو سبْتك شوية كمان هيبقى الدليل أحلى وأحلى… بس برضه، حرام!


ضحك ضحكة خافتة، ثم تابع بنبرة باردة، لكن فيها شيء من التحذير:


ـ بنوّتة زي دي… ما ينفعش لمساتك القذرة توصل ليها.


نهض فجأة، وكأن قرارًا حاسمًا قد استقر في ذهنه. بدأ في تعديل هندامه بحركات سريعة لكنها محسوبة، وكأنه يستعد لمهمة خاصة.


ثبت السلاح في خصره بإحكام، بينما في الجهة الأخرى، دسّ خنجرًا صغيرًا، أداة قاتلة لا تفارقه أبدًا. ثم ارتدى سويت شيرت أسود اللون، سحب قبعته على رأسه لتخفي ملامحه جزئيًا، تاركًا ظلال الغموض تحيط به.


نظر إلى الشاشة مرة أخيرة، عيناه تضيقان بتركيز، قبل أن يلتقط جهاز التحكم ويطفئها بضغطة باردة. لم يحتج إلى المزيد من المشاهدة، فقد حان وقت التدخل.


وفي لحظة… اختفى من الشقة كما لو لم يكن فيها أبدًا.


وقف بعيدًا، عينيه تترصدان المكان بتركيز قاتل. أخذ نفسًا عميقًا، واستعد جيدًا، ثم بدأ بالتحرك. خطواته كانت واثقة، لكن طلقاته سبقته، تشق طريقه وسط الفوضى. لم يترك لأحد فرصة للنجاة، كان يتحرك كالشبح، لا شيء يوقفه… حتى لحظة واحدة غير متوقعة.


توقفت الطلقات، لقد نفذت ذخيرته، ولا وقت لإعادة تعبئة الخزنة. لم يتردد، لم يتباطأ. بلمح البصر، أطلق السلاح جانبًا واستل خنجره، صديقه الصغير والأكثر ولاءً. قبضته اشتدت عليه، وبدأ القتال بمهارة باردة، كما لو كان ينفذ تمارينه اليومية المعتادة. كان كل من يعترض طريقه يلقى نفس المصير، بلا استثناء.


في الداخل… ابتعد جواد عن شذى بانزعاج واضح، زفر بضيق وهو يمرر يده في شعره بعصبية. التفت إليها بالكامل، يراقبها للحظة… كانت تجلس هناك، محطمة جسديًا، لكن عيناها؟


لا تزالان صامدتين…


دموعها كانت محبوسة في مقلتيها، ترفض النزول، ترفض الاستسلام. هذا المشهد وحده أشعل شيئًا داخله… مزيجًا غريبًا من الضيق والاستفزاز.


ـ لسه فيكي عين للكبرياء؟!


قالها بسخرية ممتزجة بالدهشة، قبل أن يميل قليلًا مقتربًا منها، عيناه تضيقان وهو يتابع بصوت منخفض، كأنما يحدّث نفسه:


ـ أنا فكرت إنّي كسرت كل حاجة فيكي… قبل كبريائك ده.


وقبل أن يقول المزيد، توقفت أذناه عند صوت غير مألوف في الخارج…


قطّب حاجبيه، حدسه يخبره أن هناك شيئًا خطيرًا يحدث. انتصب واقفًا، نظر إلى الباب بتركيز، ثم ألقى نظرة أخيرة نحو شذى، منحها ابتسامة ساخرة وهو يتمتم بصوت خافت:


ـ استني بس… أشوف الدوشة دي وأرجع لك تاني، يا حلوة.


توقفت يداه عن ارتداء سترته، وتصلبت قدماه في الأرض، عيناه اتسعتا بصدمة وهو ينظر إلى باب الغرفة الذي دُفع بعنف، ليظهر منه شخص لم يكن يتوقع رؤيته أبدًا…


ـ راغب؟


خرج اسمه من بين شفتيه بذهول، وكأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه. مرّت لحظات من الصمت المشحون، قبل أن يتحرك راغب بخطوات هادئة، وابتسامة خافتة تتراقص على شفتيه. لم يكن هناك أي عجلة في حركته، فهو يعلم تمامًا أن جواد لن يجد من ينقذه، ليس بعد أن قضى على رجاله واحدًا تلو الآخر.


وقف أمامه، عينيه مليئتان بالهدوء القاتل، ثم قال بصوت منخفض لكن محمّل بالمعاني:


ـ جواد باشا… عاش من شافك! ما كنتش متخيل إني هشوفك بعد كل السنين دي.


ثم التفت قليلًا إلى الجهة الأخرى، عيناه سقطتا على شذى، التي كانت جالسة هناك، ملامحها خليط من الذهول، الألم، وعدم الفهم لما يحدث أمامها. ابتسم راغب بسخرية طفيفة، قبل أن يعود بنظره إلى جواد ويتمتم بنبرة ذات مغزى:


ـ ويا شاء القدر… إن اللي يجمعنا تكون واحدة.


الرهينة الفصل الثاني)


توقف لحظة، وكأن كلماته تحتاج إلى تأثير أعمق، ثم أردف ببطء، وعيناه تراقبان جواد باهتمام متعمد:


ـ مش أي واحدة… دي كانت هتبقى القاتلة الخاصة بيك.


لم يكن راغب بحاجة إلى الكثير من الوقت ليفهم ما يخطط له جواد، لكنه لم يتحرك، فقط وقف هناك، عينيه تتابعان المشهد ببرود قاتل.


أما جواد، فكان أسرع في التصرف. التفت إلى شذى بوحشية، قبضته انغلقت حول عنقها بقوة جعلتها تختنق على الفور، بينما سحب سلاحه من خصره، وضغط فوهته الباردة على جانب رأسها.


ابتسم بخبث، عيناه تراقبان كل تفصيلة في وجه راغب، ثم تمتم بسخرية:


ـ لا… شاطر! كنت فاكر إنك اختفيت من سنين بعد ما… كَسَرت رجولتك بكسرها.


توقّف للحظة، يراقب كيف انعكست كلماته على ملامح الرجل الذي أمامه، ثم أردف ببطء أكثر، وكأنه يريد أن ينقش كلماته في ذاكرته:


ـ بس الظاهر اللي فيه طبع… ما بيغيرهوش.


رفع حاجبه بتحدٍّ، وغمغم بنبرة متلاعبة:


ـ شكلك من النوع اللي بيحب الطار… ويكره العار!


شدد قبضته أكثر حول عنق شذى، مما جعلها تُصدر أنينًا مكتومًا وهي تحاول تحرير نفسها بلا جدوى، ثم أكمل بلهجة تهديد واضحة:


ـ لو مابعدتش، وخلّيتني أخرج من هنا، هخلّص عليها! وساعتها ذنبها هيكون في رقبتك.


توقّف للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة مملوءة بالسخرية، وأردف:


ـ بدل ما كانوا تلاتة… هيبقوا أربعة.


ساد الصمت لثوانٍ، فقط صوت أنفاس شذى المتقطعة كان يُسمع في الخلفية. لكن رغم هذا الوضع، لم يظهر أي توتر على ملامح راغب، بل ظلّ يحدّق في جواد ببرود، وكأنه يحسب كل خطوة قادمة بدقة قاتلة…


في لحظة غدر سريعة، دفع جواد بـشذى بعيدًا عنه، وانقض على راغب بوحشية، بعدما أدرك أن تهديده لها لم يُجْدِ نفعًا. لاحظ أن السلاح في يده خاوٍ من الطلقات، ولم يكن أمامه سوى الهجوم المباشر.


بدأ جواد بتسديد لكمات سريعة وقوية نحو راغب، لكن الأخير كان يقرأ تحركاته بدقة، يتفادى الضربات الواحدة تلو الأخرى، وكأنه كان يتوقع كل حركة. حاول جواد استعادة السيطرة، لكن فجأة، انحنى راغب قليلًا، واستغل الفرصة ليطلق لكمة قوية استقرت في فك جواد، جعلته يترنح للخلف قبل أن يهوي أرضًا.


راغب، الذي لم يكن ينوي ترك النهاية مفتوحة، سحب خنجره بسرعة، واقترب من جواد بخطوات ثابتة، استعدادًا لإنهاء حياته.


لكن قبل أن يغرس نصله، انطلقت رصاصات متتالية، أضاءت المكان بضوء وميضها القوي، مما أجبره على التوقف للحظة وهو يتلفت بسرعة نحو المصدر.


تسمرت الأجواء لثوانٍ ثقيلة، قبل أن يظهر رجل طويل القامة، يحيط به عدد من الرجال المسلحين، أسلحتهم مصوبة نحو راغب مباشرة.


تقدم الرجل بخطوات واثقة، ظلاله تمتد بفعل الإضاءة الخافتة، قبل أن يتوقف أمام المشهد، ويرفع حاجبه بسخرية، قائلًا بصوت بارد:


ـ خلصت حفلتكم… دلوقتي اللعبة بقت عندي!


جواد، رغم الدم الذي يقطر من زاوية فمه، ابتسم بسخرية، وهو يبصق الدم قبل أن يتمتم بصوت خافت:


ـ كنت عارف إنك مش هتفوت الفرصة، ماشي يا كبير… ورّيني هتعمل إيه!


أما راغب، فكان قد شدّ قبضته على خنجره، يدرس الوضع الجديد الذي انقلب ضدّه، بينما في الخلف، جلست شذى على الأرض، تتنفس بصعوبة، عيناها تراقبان المشهد برعب، تدرك أن الأمر لم ينتهِ بعد، بل ربما كان هذا مجرد بداية جحيم جديد. 

تراجع راغب عن جواد بخطوات ثابتة، ثم وقف بتأنٍ، يزيل الغبار عن ملابسه وكأن شيئًا لم يحدث، رفع رأسه بنظرة ساخرة، ثم قال بصوت هادئ لكنه مليء بالسخرية واليقين:


ـ كنت متوقع إنك هتبقى معايا في اللعبة الوسخة دي… بس مش متوقع إنك هتبقى عليّا، كنت مستني اللحظة اللي تخلص مني فيها من سنين، بس الظاهر إن الوقت لسه مجاش.


تبادل النظرات مع الرجل الذي ظهر حديثًا، ثم أخرج قنبلة مسيلة للدموع من جيبه بسرعة، سحب فتيلها وألقاها على الأرض، لينبعث منها دخان كثيف حارق للعيون. لم يتوقف عند هذا، بل ألقى خلفها قنبلة دخانية أخرى، حجبت الرؤية تمامًا عن الجميع.


في اللحظة التي بدأ فيها جواد ومن معه في السعال والتراجع للخلف، استغل راغب الفوضى، قفز بسرعة إلى شذى التي كانت تحاول أن لا تفقد الوعي، حملها بين ذراعيه، رغم الألم الذي ينهش جسده المليء بالجروح، ثم اندفع نحو الباب الخلفي بكل سرعة.


خرج إلى العراء، الهواء البارد يضرب وجهه، أنفاسه تتلاحق، لكنه لم يتوقف، فقط أطلق نظرة خاطفة إلى الخلف، حيث كان الدخان ما زال يملأ المكان، قبل أن يقول بشبه ابتسامة لكن بارتفاع:


"لعبتي أنا اللي بحددها… ووقتك لسه ما جاش، يا جواد!"


ثم أكمل طريقه بعيدًا، وجسده وجسدها ينزفان جروحًا، لكنهما ما زالا على قيد الحياة… حتى الآن.


دخل راغب إلى شقته، خطواته مثقلة بالتعب، جسده يحمل آثار المعركة التي خاضها للتو. كانت تلك الشقة مختلفة عن الأخرى، مضيئة، تنبعث منها دفء الحياة، على عكس العتمة والبرودة التي كان غارقًا فيها منذ سنوات.


اقترب من الأريكة، وضع شذى برفق عليها، لا تزال فاقدة للوعي، ملامحها متعبة، شاحبة، لكنها لا تزال تقاوم، مثل زهرة تنمو وسط صخور قاسية. نظر إليها للحظة، ثم زفر بقوة، يدرك أن أخذها إلى مستشفى قريب قد يعرضهم للخطر، فـجواد لن يتركها تفلت بسهولة.


جلس بجوارها، وضع يديه على رأسه، غرق في دوامة التفكير، حتى قطع شروده صوت مألوف، صوت يحمل في طياته عتابًا وألمًا دفينًا.


ـ برده عملت اللي في دماغك يا راغب؟ دخلت حد غريب بيتنا؟ مش كنا اكتفينا باللي حصل لنا زمان؟ ليه مصمم تفرق بينا تاني وتدخل الوجع في حياتنا؟


رفع راغب رأسه ببطء، عيناه المتعبتان التقتا بعيني يارا، شقيقته الصغرى، ذات التسعة عشر عامًا. رغم صغر سنها، كانت تحمل في ملامحها أعباءً أكبر من عمرها، أعباء صنعتها الحياة القاسية التي عاشوها معًا.


لم يتحدث في البداية، فقط أمسك بيدها برفق، جذبها لتجلس أمامه، ثم مال بجسده إلى الأمام، ووضع رأسه على قدميها، كأنه يبحث عن ملجأ وسط العاصفة.


ـ كانت قدامي يا يارا… وصعب عليا أسيبها تموت أو أخليه يأذيها. كفاية اللي حصل لها منه…


صوته كان واهيًا، متعبًا، مليئًا بصراعات لم يتحدث عنها من قبل.


ـ مش عارف هيكون رد فعلها إيه لما تصحى… عارف إن الفترة اللي جاية هتكون صعبة، بس مش عايز حاجة غير إنك تكوني معايا… تدعميني…


صمَت لبرهة، قبل أن يهمس بصوت متهدج، وكأنه يخرج كل ما يكتمه بداخله منذ سنين:


ـ أنا تعبت يا يارا… تعبت… محتاج أرتاح… وقبل ما أرتاح، لازم أخليهم يرتاحوا في تربتهم.


ابتسمت يارا بتعب، لكن نظرتها كانت دافئة، مليئة بالود والحنان، كأنها تحاول أن تمنحه الأمان الذي افتقده طوال حياته. رفعت يدها وبدأت تمسح على رأسه برفق، وكأنها تواسيه بطريقة لم يعهدها منذ سنوات.


ـ حبيبي يا راغب… ربنا هينصرك قريب، عارف ده؟ ده تكفير عن ذنوب الماضي بتاعتك. عقاب ربنا كان قاسي عليك، بس ده أمره، وما فيش منه مرجع. عليك بالصبر والاحتساب عند الله، واللي عند ربنا عمره ما بيروح.


كانت كلماتها مزيجًا من الإيمان والتصديق بأن النهاية لم تأتِ بعد، وأنه ما زال هناك أمل.


لكنها لم ترد أن تتركه يغرق في حزنه أكثر، فابتسمت بمكر وأضافت بصوت مرح، تحاول التخفيف من ألمه ولو قليلًا:


ـ وبعدين… ارفع راسك كده وبص لي، إحنا هنعمل إيه في القتيلة اللي انت جبتها دي؟ يا مصيبتي، لحد يكبس علينا ويقول إحنا اللي عملنا فيها كده! تبقى فضحتنا ببلابل.


نظر إليها راغب باستغراب للحظة، قبل أن يدرك مزاحها، فابتسم لأول مرة منذ فترة، ثم ضحك قائلاً بسخرية:

ـ على أيامي كانت جلاجل، جبتِ بلابل دي منين بقى؟


ضحكت يارا، قبل أن تعطيه ضربة خفيفة على كتفه وقالت:

ـ يا أخي انت في إيه ولا في إيه! بلابل ولا جلاجل، في الأول وفي الآخر فضايح!


ضحك راغب بصوت خافت، شعر للحظة أنه ليس وحده، أن هناك من يحمل عنه بعضًا من هذا العبء. لكنه لم ينسَ الحقيقة التي تنتظره… الحرب لم تنتهِ بعد، بل ربما كانت هذه مجرد البداية.


كانت شذى تتنفس بصعوبة، شهقاتها تتلاحق كأنها تغرق في بحرٍ من الألم والصدمة. نظراتها تائهة، يداها ترتجفان، وجسدها ينتفض تحت وطأة الذكرى المريرة. لم تكن هنا، بل كانت هناك… حيث الكابوس لا يزال حيًا في عقلها.


اقتربت يارا أكثر، ضمتها إلى صدرها بحنان، تحاول بث الطمأنينة في جسدها المرتعش، لكن شذى لم تستجب. كانت تصرخ وتبكي وكأنها تحاول طرد الألم بالصوت:


ـ كسرني… الحقير كسرني!!


حاولت يارا أن تهدئها، تمرر يدها على شعرها برفق وتهمس بحنو:


ـ اهدي يا حبيبتي… انتي بخير دلوقتي، ما تعمليش في نفسك كده، كل حاجة هتعدي… فوقي يااا….


توقفت فجأة، عقدت حاجبيها ونظرت إلى راغب وكأنها تطلب تفسيرًا، تريد اسمًا لهذه الفتاة التي جلبها دون أن يخبرها من تكون. لكنه هز كتفيه، وكأنه هو الآخر لا يعلم. نظرت إليه بخيبة أمل، ثم عادت إلى مواساة الفتاة المجهولة بين ذراعيها:


ـ فوقي يا حبيبتي… انتي في أمان دلوقتي، محدش هيأذيكي، متقلقيش.


لكن شذى لم تستطع التوقف، كانت تبكي وكأنها تحاول طرد ما زرعه جواد في داخلها… الألم، القهر، الانكسار. ولم يكن هناك سوى أمر واحد يملأ رأس راغب في هذه اللحظة… الانتقام.


وقف راغب بغضب، عيناه تلتمعان بحدة، وزفر بقوة قبل أن يصرخ فيها بصوت جهوري:

ـ فوقي! فوقي كده معايا! مش لازم تضعفي بالشكل ده، لازم تبقي قوية! جواد مصايبه كترت قوي، ولازم نحط له نهاية!


كان يعلم أن ما تمر به شذى موجع، لكنه أيضًا لم يكن أقل ألمًا منها. لم يكن هناك متسع للضعف، لا في خطته، ولا في معركته، ولا حتى في قلبه. كان بحاجة إلى قوة توازي شراسته، لا إلى دموع قد تعيق خطوته التالية.


نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالغضب والقهر، كأنها تقاتل مشاعرها المتضاربة. هي لا تريد أن تكون ضعيفة، لكنها أيضًا لم تعد تعرف كيف تكون قوية. لم يعد شيء كما كان… لم يعد أحد كما كان.


ارتجفت للحظة، تنظر إلى راغب بتوجس، كلماتها خرجت هامسة كأنها نداء من قاع الألم:


ـ جواد… لازم يموت… قريب… جواد…


كانت جملة بسيطة، لكنها حملت بين طياتها نيران انتقام لا تنطفئ. لم يكن وعدًا عاديًا، بل قسمًا مكتوبًا بالدم والدموع.


نظر إليها راغب بابتسامة داعمة، عيناه تعكسان تفهمًا لقسوتها ورغبتها في الانتقام، وقال بثبات:


ـ ليكي حق عند جواد، وهتاخديه قريب إن شاء الله. لكن دلوقتي، أنا محتاجك معايا تكوني قوية، محتاجك كل دليل معاكي يكون معايا، عشان أقدر أقف في وشه وأنهيه للأبد.


ازدردت ريقها، نظراتها تمعنت في ملامحه وكأنها تحاول اختراقه، تبحث عن صدقه، ثم همست بتوجس:


ـ وأنا إيش يضمني إنك معايا… مش معاه؟ ما بقاش عندي ثقة في حد!


شعر راغب بالغضب للحظة، قبضته انغلقت لا إراديًا، لكنه تدارك نفسه قبل أن ينفلت عليها بعصبيته المعتادة. لم تكن هذه اللحظة مناسبة للانفجار، فهي مجرد روح ممزقة تبحث عن مأوى وسط العاصفة.


اقتربت يارا سريعًا، أمسكته من يده برفق، وكأنها تقول له بصمت: ـ اهدأ… إنها في صدمة.


زفر راغب بضيق، مرر يده في شعره ثم قال بنبرة حازمة ولكن أخف حدة:


ـ بقول لك إيه… أنا مش عندي وقت أقعد وأقنعك تثقي فيا. اللي خلاني أجيبك بيتي وأدخلك على أختي اللي ما حدش يعرف عنها حاجة، هيخليِني أساعدك وأجيب لك حقك. عايزة تنتقمي من جواد؟ على كل اللي عمله فيك؟ حطي إيدك في إيدي، وما تسأليش مين أنا. لو مش عايزة، أقدر أرجعك لحد بيتك، وتتحملي العواقب اللي بعد كده.


سكت راغب، منتظرًا قرارها، بينما كانت شذى تنظر إليه وكأنها ترى شيئًا آخر غير الرجل الذي أمامها… ترى مصيرها القادم، حيث لا رجوع.


هزّت رأسها بالموافقة، وكأنها تعلن الولاء والدعم لذلك المنقذ المجهول، ذلك الرجل الذي انتشلها من بين أنياب الموت، لكنه لم يكن أقرب إلى ملاك منه إلى شيطانٍ يحارب بوحشيته.


تفهم راغب صمتها وعجزها عن الحديث، فأشار بإصبعه إلى الداخل قائلًا بحزم:

ـ خُديها جوه يا يارا… شوفيها هتعمل إيه، واديها هدوم من عندكم يعني.


تفهمت يارا ما يريده، فاقتربت من شذى وسندتها بحذر. كانت شذى بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها، كل خطوة كانت تزيد ألمها، وملامح وجهها التي لم تفارقها الكدمات كانت دليلًا على المعاناة التي تحملتها. نظر راغب إلى يده التي حملها بها، شعر بانقباض غريب في قلبه، لكنه تجاهل الأمر بغضب وتركهما.


بعد عناءٍ شديد، استطاعت يارا أن تساعد شذى على الوصول إلى الحمام، وأعدّت لها حمامًا دافئًا علّه يخفف من آلامها ولو قليلًا. كان الماء الدافئ يلامس جسدها المرهق، لكنها لم تشعر بأي راحة، وكأن الألم لم يكن جسديًا فقط، بل كان أعمق من ذلك بكثير.


حين خرجت، كانت يارا قد أحضرت لها ملابس نظيفة، وساعدتها على ارتدائها. لم تتحدث شذى، ولم تسأل عن أي شيء، فقط كانت تتحرك كأنها آلة فقدت إرادتها في الحياة.


وضعت يارا رأسها على الوسادة بتعب، يوم طويل أنهكها بالكامل، ولم تمر سوى لحظات حتى استسلمت للنوم العميق، تاركة خلفها تلك الفتاة المكسورة التي ظلت جالسة على المقعد لساعات، تحدّق في العدم، تحتضن حزنها وحدها، بلا كلمات.


حتى جاء صوت الفجر…


كان صوته كأنه إعلانٌ لبدايةٍ جديدة، نسمات الهواء الباردة تسرّبت إلى قلبها، كأنها تحاول إيقاظها من غيبوبة الألم التي تعيشها. تحاملت على تعبها ونهضت بصعوبة، ثم دلفت إلى الحمام لتتوضأ. الماء البارد جعلها تستفيق أكثر، لكنها لم تعرف كيف تُصلّي هنا، لم تعرف اتجاه القبلة، ولم تكن تعرف حتى إن كان قلبها يستطيع أن يصلي بعد كل هذا الألم.


خرجت من الغرفة ببطء، تبحث عن مكان للصلاة، وفجأة وقع نظرها على سجادة صلاة موضوعة في زاوية الغرفة، وكأنها كانت تنتظرها. اقتربت منها، وحين نطقت بأول كلمة من القرآن…


انهارت تمامًا.


تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع