القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الخامس والسادس بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات

 


رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الخامس والسادس بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات





رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الخامس والسادس بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات

 



الرهينه


بقلم هبه ابو الفتوح 


الفصل الخامس و السادس


الرهينة الفصل الخامس)


نزل الجميع خلف راغب، وضع الحقائب في الحقيبة الخلفية للسيارة، ثم صعد إلى المقدمة، بينما قررت يارا أن تجلس بجوار شذى في الخلف.


استدار راغب لينظر إلى يارا، التي كانت تمسح دموعها بصمت. زفر بضيق قبل أن يقول بصوت هادئ لكنه صارم:


ـ خلاص بقى يا يارا، ما فيش حاجة تستاهل الدموع دي…


أجابت بصوت متهدج:


ـ أنا مش ببكي علشان المكان… ببكي علشان كل حاجة… علشان اللي ضاع، واللي راح، واللي جاي…


نظر إليها راغب قليلًا، لكنه لم يعلّق، بل أدار محرك السيارة، بينما كانت شذى تراقبه من مقعدها الخلفي بصمت، عقلها يعجّ بالأفكار. لم تستطع منع نفسها من التفكير في كلماته داخل الغرفة، عن صابرين… وعن إحساسه بالخيانة لمجرد أنها دخلت غرفتها. هل كانت تلك المرأة زوجته حقًا؟ أم أن هناك قصة أخرى خلف ذلك الاسم؟


قطعت أفكارها نظرة يارا التي رمقتها سريعًا قبل أن تبتسم بخبث خافت، ثم تميل نحوها هامسة:


ـ إيه يا بنتي، سرحانة في إيه؟ باين إن تأثير راغب بدأ يشتغل؟


تجمدت شذى للحظة قبل أن تجيب ببرود مصطنع:


ـ بتهيألك… أنا بس بفكر في اللي مستنينا قدام…


لكن في الحقيقة، كان عقلها يعمل في اتجاه آخر تمامًا. إذا كانت ستبقى معه لفترة، فلمَ لا تعرف عنه كل شيء؟ ولمَ لا ترد له إهانته بذكاء، بدلًا من أن تبقى مجرد رهينة؟


كانت السيارة تتحرك بسلاسة وسط الظلام، لكن بين جدرانها كانت لعبة أخرى تبدأ…


بعد أكثر من ثلاث ساعات، توقفت السيارة أمام منزل يقع وسط أراضٍ زراعية خالية. كان تصميمه الخارجي رائعًا، يشي بالفخامة، لكنه بدا مريبًا بسبب عزلته التامة على أطراف البلدة.


نزل راغب أولًا، ثم تبعته الفتيات، بينما تحرك إلى الداخل بخطوات واثقة. عند المدخل، كان هناك رجل مسنٌّ ينتظرهم، ألقى السلام على راغب والفتيات، ثم أخذ المفتاح منه وبدأ بإدخال الحقائب واحدة تلو الأخرى إلى الداخل.


مع نهاية اليوم، حصل كل منهم على غرفة، وجميعها كانت في الطابق نفسه. مرّت الساعات حتى حلّ المساء، واجتمع الثلاثة حول طاولة الطعام، حيث بدأوا في مناقشة خطتهم للقضاء على جواد وأعوانه.


كان راغب أول من تحدّث، ونظر إلى يارا بنبرة حازمة وهو يقول:


ـ يارا، انتِ مش معانا في الخطة دي، يعني هتقعدي وتسمعي اللي هنقوله وخلاص، لكن مش هيكون ليكي أي دور. انتِ أبعد ما يكون عن القصة دي كلها، ومش عايز أي أذى يصيبك.


هزّت يارا رأسها بتفهم، وقررت التزام الصمت وعدم التدخل في الحديث. لكن شذى لم تستطع كبح فضولها، فالتفتت إلى راغب وسألته بقلق:


ـ طيب… دلوقتي جواد مش هيعرف مكاننا؟ وإحنا هنمشي إزاي؟ هنتحرك إزاي وإحنا مش ضامنين إنه ممكن يكون مراقبنا؟


تنهد راغب وأجابها بثقة:


ـ بصي، على ما جواد يفكر إنه يوصل لينا هنا، هنكون إحنا قربنا من نهايته. أما بالنسبة لحركتنا، فإحنا بكره الصبح هنروح لسوق قريب من هنا… مش قريب قوي بس مش بعيد للدرجة. هتشتري نقاب وحاجات تخفي ملامحك، وأنا كذلك، علشان نتحرك بأمان. لكن قبل أي حاجة، لازم نتفق على كل التفاصيل من دلوقتي.


أخرج من جيبه ورقة، وضعها أمامه، ثم بدأ في شرح خطته بدقة، محددًا الأدوار والمسارات التي سيتبعونها. استمر النقاش لوقت طويل، وكل منهم يحاول استيعاب المخاطر المحتملة وما يمكن أن يحدث.


ومع مرور الوقت، انسحب كل منهم إلى غرفته، مثقلًا بالتفكير فيما ينتظرهم غدًا… يومٌ جديد، بمخاطر جديدة، وربما أيضًا… بنهايات غير متوقعة.


في صباح اليوم التالي، استيقظ الجميع، وكان أول من تجهّز للخروج شذى وراغب.


نزل الثلاثة إلى الصالون، وقبل أن يتحرك راغب وشذى نحو الباب، قفزت يارا بمرح وقالت بعبث:


ـ إيوه بقى، يعني انتوا هتخرجوا دلوقتي وتسيبوني لوحدي هنا؟ أنا زعلانة منكم.


ابتسم راغب واقترب منها، ثم بعثر خصلات شعرها بمرح وهو يقول:


ـ يا عمري انتِ، متخافيش، عم محمود قاعد بره، يعني لو احتجتِ أي حاجة، هو هيبقى معاكي وهيسلّيكِ، لا تقلقي.


رفعت يارا رأسها، وحدقت فيه بصدمة وهي تهتف:


ـ أوعى تقول قصدك على عم محمود اللي قابلنا إمبارح وإحنا داخلين؟!


هزّ رأسه بالإيجاب، فضربته على كتفه بغيظ، ثم صاحت بصوت ساخط:


ـ لااا! ده لما هيجي يسلّيني، هيعملها إزاي؟ بكيفية بناء التُرَب وكشف المقابر؟! بتهزر يا راغب؟! المهم، ما تتأخروش عليا وخلاص.


ضحك راغب، ثم أكّد لها بعدم تأخّره، وخرج هو وشذى بعد توصية كبيرة لعم محمود بالبقاء مع يارا والانتباه لها.


صعدت شذى بجوار راغب في المقدمة، وتحركت السيارة باتجاه وجهتها. كان الطريق طويلاً، والهواء البارد يتسلل عبر النوافذ المفتوحة قليلًا. وبينما كانت تحدّق في المنظر الممتد أمامها، قررت كسر حاجز الصمت ونظرت إليه قائلة بهدوء:


ـ على فكرة… انت طيب، عكس ما بتبيّن.


نظر إليها عبر المرآة، ورسم على وجهه ابتسامة ساخرة وهو يقول:


ـ عرفتيها لوحدك، ولا حد قال لك؟


تضايقت من رده البارد، ثم ردّت بسخرية مماثلة:


ـ لا… بس اللي يعامل أخته بحب وخوف بالشكل ده، يستحيل يكون قاتل.


تنهد راغب، وعيناه تحدّقان في الطريق أمامه، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل مرارة عميقة:


ـ الدنيا دي فيها 100 وش… وعشان تقدر تعيش، لازم تكون بالـ 100 وش في وقت واحد.


بعد وقت، وصلت السيارة إلى السوق، وترجل منها الاثنان، وبدأا البحث عن كل ما يلزمهم.


لم تسلم تلك الخروج من عبث شذى وغضب راغب عليها، فكان يحاول الابتعاد عنها قدر المستطاع، لكنها كانت تمتلك شيئًا ما يسحبه نحوها دون إرادته.


وبعد أكثر من أربع ساعات من التجول، قرروا العودة.


في طريق العودة، جلست شذى وهي تتفحص الأكياس بسعادة، ثم التفتت إليه وقالت بفرحة:


ـ أنا مبسوطة شوية عشان جبت حاجات حلوة… وكمان مبسوطة إنك جبت حاجات ليارا هي كمان.


ابتسم راغب ابتسامة باهتة، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل مشاعر عميقة:


ـ يارا دي مش أختي… يارا دي بنتي، أكيد هفكر فيها قبل ما أفكر في نفسي.


بعد وقت ليس بكبير، صفت السيارة أمام المنزل، ونزل الاثنان منها، واتجهوا إلى الداخل، لكن فجأة توقفت خطواتهما بصدمــة…


تساقطت الأكياس من يديهما، وتجمدا في مكانهما، بينما كان المنزل غارقًا في صمت ثقيل…


وفجأة، تحرك راغب كالمجنون، ركض نحو الداخل وهو يصرخ بصوت هزّ جدران المكان:


ـ يارااااااااا… ياراااااااا… انتي فين؟!


ركضت شذى خلف راغب، تبحث عن يارا، لكن شهقة قوية هربت من بين شفتيها عندما وقعت عيناها على المشهد أمامها. وضعت يديها على وجهها بخوف وصراخ، ثم صاحت بصوت مرتجف:


ـ راغب!!… الحقني!!


انتفض راغب من مكانه واتجه إلى مصدر صراخها بسرعة جنونية، ليجد الرجل المسن الذي كان يثق به مفارقًا للحياة، مستلقيًا على الأرض بملامح هادئة، وكأن روحه قد غادرت بلا مقاومة.


جثا راغب على ركبتيه بجواره، وهز جسده في محاولة يائسة لإفاقته، لكنه لم يكن هناك أي استجابة. كان السر قد ذهب مع صاحبه.


لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ راغب يبحث عن يارا بجنون، يتنقل من غرفة لأخرى، يفتح الأبواب، يقلب الأثاث، يركل الجدران بغضب، لكن لا أثر لها…


وفي تلك اللحظة، ارتج هاتفه في جيب بنطاله، تناثرت الإشعارات واحدة تلو الأخرى، وكأنها سهام تمزق قلبه قبل أن يرى محتواها.


اقتربت شذى منه بسرعة، وهي تلهث بقلق شديد، ثم أشارت إلى الهاتف قائلة بتوتر:


ـ شوف… شوف الرسائل دي… جاية من مين؟!


بحركات متوترة، سحب الهاتف وفتح إحدى الرسائل، وعيناه تتسعان مع كل ثانية تمر. كانت الرسالة تحتوي على مقطع فيديو، ضغط عليه بيد مرتجفة، وكأنه يعلم أن القادم سيكون كارثة…


وما إن ظهر المشهد أمامه، حتى انتفضت أنفاسه بعنف، وتقلصت ملامحه بين الصدمة والغضب.


ظهر جواد في الفيديو، يقف بكل شموخ، يضع يديه في جيوبه، وابتسامة نصر باردة ترتسم على شفتيه، ثم قال بصوت هادئ لكنه مغموس بالشماتة:


ـ عارف إنك زي التايه دلوقتي… وعارف إنك يا عيني صعبان على نفسك، بتدور على الريحة الأخيرة اللي باقية لك من العيلة السعيدة اللي راحت… لكن للأسف، على ما الفيديو ده يوصل لك، هتكون القمر الجميلة دي حصلتهم.


ثم استدارت الكاميرا…


وهنا تلقى راغب الضربة القاضية.


كانت يارا مستلقية على الأرض، فاقدة الوعي، ووجهها مزين بالكدمات الدامية، شعرها مبعثر حولها كأنها عصفور سقط للتو من السماء، ويدها مسترخية بجانبها وكأنها استسلمت لمصيرها.


ركع جواد بجوارها، ثم بدأ بمد أصابعه ببطء نحو وجهها، يوزع لمساته القذرة على وجنتيها، ثم رفع رأسه لينظر إلى الكاميرا مباشرةً، عينيه تضجان بالحقد، قبل أن يقول بسخرية لاذعة:


"شاهد قبل الحذف… العدو يضرب من جديد ويرد الصاع صاعين… ولكن هذه… القاضية."


ثم، وكأنه تعمد غرس سكين في قلب راغب، أمسك بحجاب يارا ومزقه بقسوة، فانكشف عنقها الأبيض، فانخفض جواد برأسه قليلًا نحوه…


وهنا… توقف الفيديو.


لكن النيران التي أشعلها لم تتوقف أبدًا.


ظل راغب يحدق في الشاشة، أنفاسه تتسارع، قبضته ترتجف، وعيناه تشتعلان بلهب الانتقام، ثم فجأة… انفجر الهاتف بين يديه على الجدار المقابل، وتحطم إلى قطع متناثرة.


(الرهينة الفصل السادس)


"بعض اللحظات تمر كأنها طعنة مباشرة في القلب… لحظات لا تستوعب فيها ما حدث، ولا كيف حدث، فقط تدرك أن شيئًا ما انكسر بداخلك، وأنك لن تكون كما كنت قبلها أبداً."


كان كل شيء يسير وفق الخطة… أو هكذا ظنوا.

لكن الصمت المخيف في المكان، والهاتف الذي ظل يرن دون إجابة، كانا كافيين ليؤكدا أن هناك كارثة وقعت.


عينا راغب كانت مسمرة على الباب المفتوح، على الغرفة الخالية، على السرير الذي كان يجب أن تكون عليه يارا، لكنها لم تكن هناك.

الهواء في الغرفة بدا أثقل… وكأنه يحمل رائحة الخطر، أو ربما رائحة الخيانة.


"يارا!" صرخ باسمها، لكن الصدى كان الرد الوحيد.

لم يكن يحتاج إلى دليل ليعرف…

لقد أخذوها.


مرت الأيام كالسكاكين تمزق قلبه ببطء… لا جديد، لا أثر، لا خيط يقوده إلى يارا… وكأنها ذابت في العدم.


كل الخطط التي وضعها انهارت، كل خطوة فكر بها تحطمت أمام خوفه عليها… لم يعد يعرف ماذا يفعل الآن.


كان جالسًا في غرفته، ظهره مسند إلى الحائط، وذراعه تتدلى بجانبه، بينما تحمل عينيه حملاً أثقل من السنين. ملامحه ازدادت عمرًا فوق عمره، وكأن الأيام سرقت منه شبابه في لحظات معدودة.


كان شريط الماضي يمر أمامه بلا رحمة… صوت والده المريض في المستشفى يتردد في عقله كأنه لعنة لن تزول. تذكر كلماته الأخيرة، تذكر الوعد الذي قطعه على نفسه… „احمِ أختك، يارا أمانة في رقبتك، إياك تخليها تحتاج لحد غيرك…“


أين ذهب كل ذلك الآن؟ كيف تحولت تلك الأمانة إلى ألم يمزق أحشاءه؟ كيف اختفت يارا وهو عاجز عن إنقاذها؟


شعر باختناق رهيب، قبض على شعره بيد مرتجفة، يريد أن يقتلع هذا العجز من داخله، لكن الواقع كان أقوى من أي مشاعر ثائرة.


في تلك اللحظة، دُق الباب بخفة، لكنه لم يلتفت… لم يكن في حالة تسمح له بالحديث مع أحد.


بعد لحظات، فُتح الباب ببطء، وظهرت شذى وهي تحمل صينية بها بعض الطعام، أصناف بسيطة لكنها كانت كافية لتكشف قلقها عليه.


تقدمت خطوة بخطوة، وعندما لاحظت أنه لم يعترض على دخولها، اقتربت منه أكثر، ثم جلست بجواره على طرف الفراش، تراقبه بعينين يملؤهما القلق.


وضعت الصينية أمامه، لكنها لم تقل شيئًا، فقط ظلت تراقب صمته القاتل، صمته الذي كان يصرخ أكثر من أي كلمات.


مرت لحظات من السكون، لم يتحرك خلالها راغب، وكأنه لم يرَ الطعام أمامه، أو كأنه فقد حتى الرغبة في الحياة.


أخذت شذى نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت هادئ لكنه يحمل شيئًا من العتاب:


ـ راغب… انت كده بتعاقب نفسك، بس ده مش هيجيب يارا… بالعكس، أنت محتاج تفكر أكتر، تتحرك أسرع… تلاقي حل بدل ما تضيع في دوامة الندم دي…


لم يرد… لم يرفع رأسه حتى… فقط ظل يحدق في الفراغ، وكأنه غير موجود في هذا العالم.


زفرت شذى بضيق، ثم مدت يدها وأخذت رغيف خبز صغير، وقسمته إلى نصفين، ثم وضعت أحدهما في يده قسرًا، وقالت بحزم وهي تحدق به:


ـ كل… أنا مش طالبة منك تعمل حاجة غير إنك تاكل، ولو حتى لقمة واحدة… مش عشانك، عشان يارا، عشان لما تلاقيها ما تلاقيش نفسك واقع من الجوع وقلة الحيلة…


نظر إليها أخيرًا… نظرة خاوية، نظرة رجل فقد كل شيء.


ظل راغب صامتًا للحظات، وكأن الكلمات تخنقه قبل أن تخرج، وكأن كل ما يريد قوله يحمل معه حملاً ثقيلًا لا يستطيع تحمله وحده.


لاحظت شذى تردده، فاقتربت منه أكثر وقالت بنبرة جدية لكن هادئة:


ـ اتكلم يا راغب… الكبرياء مش هيفيدك دلوقتي… احكي كل حاجة، الماضي لازم يتفتح علشان تقدر تبدأ صح… جواد أضعف من إنه يأذيها، هو عمل كده بس عشان يشوف ضعفك… عشان يشمت فيك، وأنت مش المفروض تديله الفرصة دي…


لم يرد، فقط ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه يقاتل شيئًا داخله، قبل أن يغمض عينيه بألم ويتنهد بعمق، ثم قال بصوت خافت لكن محمل بالوجع:


ـ جواد مكنش مجرد عدو… ده كان كابوس… كابوس حقيقي… عمل كل حاجة ممكنة علشان يقضي عليا، علشان ينهيني… كنت فاكر إن المعركة بيني وبينه ليها نهاية، لكن… شكلها عمرها ما هتنتهي… شكلها هو اللي هينتصر عليا في الآخر…


نظر إلى شذى نظرة متعبة، نظرة رجل يحمل أعباء أثقل مما يتحمله أي إنسان، ثم تابع بصوت مبحوح:


„أنا مش عايز أكتم جوايا أكتر… محتاج أتكلم… محتاج حد يفهمني، حد يسمعني، لأني تعبت… تعبت من كل حاجة غلط في حياتي، من كل قرار، من كل لحظة خسرت فيها جزء مني…


توقّف للحظة، أخذ نفسًا مرتجفًا، ثم قال بصوت يكاد يكون همسًا:


ـ أنا عارف إن جواد كسرني… ومش مرة واحدة… كسرني كذا مرة، وأول مرة كانت لما قتل مراتي وابني…


شهقت شذى بصدمة، كأن كلمات راغب كانت رصاصة أصابت قلبها، وحدّقت فيه بعينين متسعتين وهي تهمس بعدم تصديق:


ـ مراتك… وابنك؟! جواد… ازاي؟!!


لكن الصدمة لم تكن سوى البداية… فالقصة التي سيحكيها راغب كانت أكثر ظلمة مما تخيلت…


عودة إلى الماضي 


خرج راغب من المرحاض، قطرات الماء لا تزال تنساب على جسده، وهو لا يرتدي سوى بنطال فضفاض، بينما صدره العاري يكشف عن الندوب القديمة التي تغطي جسده كخرائط لألم لا ينسى.


ألقى نظرة سريعة على زوجته التي كانت تغط في سبات عميق، ثم تسلل بخطوات بطيئة إلى المرآة. حدّق في انعكاسه للحظات، ثم ركّز نظره على الجرح الكبير الذي يقطع صدره بجوار كتفه الأيمن، وعلى الندوب الأخرى التي تزين ذراعيه مثل وشوم من الماضي.


مدّ يده إلى عبوة الدهان العلاجي وبدأ في وضعه بحذر على الجرح، لكن الألم كان أشد مما توقع. حاول كتم أنينه، عضّ على شفتيه بقوة، لكن جسده كان يصرخ من الداخل. شعر بوخز في صدره وكأن الجرح يرفض الشفاء، وكأن الماضي يأبى أن يتركه بسلام.


في لحظة ضعف، أفلت منه أنين مكتوم، لم يستطع السيطرة عليه. التفت بلهفة خلفه، عيناه تبحثان بقلق عن زوجته، لكنه وجدها ما زالت نائمة، فتنهد براحة، وقرر تأجيل علاجه لوقت لاحق. مدّ يده ليلتقط قميصه، لكن فجأة، جاءه صوت شاهقة مذعورة من خلفه!


تجمّد في مكانه، وقلبه تسارع نبضه، ثم استدار ببطء، ليجدها واقفة هناك، عيناها متسعتان بالصدمة، ودموعها تتلألأ على وجنتيها. تقدمت نحوه بخطوات مرتجفة، نظراتها متشبثة بجسده وكأنها ترى كابوسًا لا تريد تصديقه.


وضعت يدها المرتعشة على صدره، فوق الجرح مباشرة، وهي تهمس بصوت مختنق:


ـ يا مصيبتي يا راغب… إيه اللي عمل فيك كده؟!! إيه الجروح دي، يا حبيبي؟!


اقترب منها راغب، يحاول إخفاء توتره خلف ابتسامة هادئة، ومدّ يده يلامس وجنتها بحنان، قائلاً بصوت دافئ:


ـ مفيش يا حبيبتي، كنت في شغل ووقعت بس، وبعدين الجروح دي كلها قديمة من زمان، يعني مفيهاش حاجة تستاهل القلق.


لكن كلماته لم تخدعها، عيناها كانت تمعنان النظر في الندوب، وكأنها تقرأ قصة صامتة محفورة على جسده. عقدت حاجبيها بعدم تصديق، ثم قالت بحزم:


ـ أنت بتضحك على مين يا راغب؟! وقعت إيه اللي هتعمل فيك كل ده؟!!


لم تمنحه فرصة للتهرب، اقتربت أكثر، ووضعت يديها على صدره، أناملها تلامس أثر الجرح العميق بجوار كتفه. أما هو، فأغمض عينيه للحظة، يحاول كتم أنفاسه تحت تأثير الألم الذي عاد يتردد كنبض في جسده.


لكنها لم تكتفِ بالملامسة فقط، ضغطت بحدة على الجرح، فجاء رد فعله سريعًا! شهق متألمًا، وتراجع خطوة للخلف، يضع يده على مكان الألم، ثم نظر إليها بعيون ممتلئة بالدهشة والعتاب، وقال بصوت متوجع:


ـ ليه كده يا صابرين… وجعتيني!!


حبست دموعها، لكنها لم تتراجع، بل نظرت إليه بعينين تشعّان بالغضب والحزن معًا، وقالت بصوت مرتعش:


„من امتى والجروح القديمة بتوجع كده، راغب؟! عشان كده كنت بعيد عني طول الفترة دي، مش عايز تقرب مني عشان ما اشوفش جسمك! وأنا اللي كنت بقول مضغوط وعنده شغل وتعبان… وفي الآخر تطلع كده! إيه اللي عمل فيك كده، راغب؟! وقعت إيه اللي تسيب في جسمك كل العلامات دي؟! وانت مش بتكلم واحدة هبلة… ده مكان رصاصة!“


قالتها وهي تشير إلى الجرح الكبير على صدره.


جلس راغب أمامها، ممسكًا بيديها بحنان، ينظر في عينيها العسليتين اللتين غلب عليهما الحزن، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل من الألم الكثير:


ـ عمري… عارفة يعني إيه عمري؟ يعني إنتِ روحي اللي لو فقدتها، مش هيفضل مني حاجة. مفكرتش أخبي عنكِ حاجة أو أكذب عليكِ، لكن دلوقتي… أنا مجبر، مش بإيدي، والله يا حبيبتي، في أقرب فرصة هقولك كل حاجة… بس سامحيني دلوقتي.


صمتت للحظات، عيناها تراقب ملامحه المتعبة، تدرك أن هناك سرًا يثقله، لكنه يرفض مشاركتها به. تنهدت ببطء، ثم قالت بصوت مكسور، يكسوه الحزن والخذلان:


ـ كده يا راغب… يعني في حاجة… وحاجة كبيرة كمان، إنت مخبيها عني. كل اللي هقوله لك، إني ما عنديش أي استعداد إني أخسرك… ومش هجبرك تحكي لي حاجة دلوقتي، لأني واثقة فيك وعارفة إنك مش هتأذيني أبدًا…


توقفت لوهلة، وكأنها تجمع شتات مشاعرها، ثم أكملت بصوت مخنوق:


ـ بس أنا كمان واثقة إن الحاجة اللي تخليك تبعد عني شهور كتير… أكيد أكبر مني ومنك، ومهما حاولت تطمني، مش هقدر أتجاهل إحساسي. عشان كده… مش هسألك عن حاجة، لأنك لو كنت عايز تقول لي، كنت قلت من بدري، ولو كنت شايف إن اللي بتعمله صح، ما كنتش خبيت كل ده…


رفعت عينيها إليه، والدموع تترقرق فيهما، ثم قالت بخفوت، وكأنها تعترف بشيء أعمق من العتاب:


ـ قلبي زعلان منك قوي يا راغب…


وقف راغب أمامها، أمسك وجهها بين يديه برفق، وضم جبينه إلى جبينها، محاولًا بث الطمأنينة في قلبها رغم العاصفة التي تدور داخله. تنهد بحزن عميق، وخرجت كلماته محملة بالندم والوجع:


ـ غصب عني يا حبيبي… والله غصب عني، لكن ما تقلقيش، وعد مني، مش هسمح لأي حاجة تئذيكِ. بس لازم تتحمليني الفترة دي، حتى لو كان الأمر صعب عليكِ…


ابتسمت بحزن، نظرت إليه بعينين حملا خيبة الأمل أكثر من اللوم، ثم ابتعدت عنه ببطء، واستلقت على الفراش بجسد منهك، كأن روحها مُثقلة بأعباء لا تستطيع احتمالها. أدارت وجهها عنه، وأغمضت عينيها لتخفي دموعها، ثم قالت بصوت واهن:


ـ تمام يا راغب… اللي يجيبه ربنا خير. سيبني أنام دلوقتي… تعبانة.


نظر إليها للحظات، أراد أن يقول شيئًا، أن يبرر، أن يعتذر، أن يحتضنها ليمنحها الأمان، لكنه كان يعلم أن أي كلمة لن تغير شيئًا الآن. تنهد بألم، ثم استدار وغادر الغرفة، يغلق الباب خلفه بصمت.


وقف في الممر للحظات، يشعر بثقل في صدره، وكأن أنفاسه تختنق من كل شيء يمر به. حرك عينيه في أرجاء المكان حتى وقعت على باب غرفة يارا، والذي كان ضوءه ما زال مضيئًا. اقترب ببطء، ورفع يده ليطرق الباب عدة مرات. لم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوتها الصغير من الداخل.

اقتربت الطفلة الصغيرة، التي لا تتعدى الخمسة أعوام، من راغب بحزن، وعقدت حاجبيها الصغيرين بطفولية غاضبة، ثم قالت بصوت حزين ممتزج بالعتاب:


ـ راغب… انت جيت ليه؟ يارا مخاصماك… علشان انت ما جيتش لي الصبح، وما جبتليش شيكولاتة. يارا مش بتحب راغب لما يكون كده… يارا مخاصماه وبس…


قالت ذلك بنبرة طفولية بريئة، لكن الحزن كان واضحًا في عينيها الصغيرتين. ابتسم راغب ابتسامة باهتة، ثم اقترب منها، وانحنى ليحملها بين ذراعيه، يرفعها برفق كما لو كانت أثمن ما يملك. اتجه بها نحو الفراش، وجلس وهو يضعها على قدميه، بينما كانت تضع يديها الصغيرتين على صدره، تتدلل عليه كما اعتادت. بدأ يمرر أصابعه بين خصلات شعرها الناعمة، وهو يقول برقة:


ـ حبيبة قلبي يارا… راغب ما يقدرش على زعلها، بس راغب كان عنده شغل كتير قوي النهارده، وانتي عارفة لما بيكون عندي شغل ببقى مشغول جدًا… لكن إن شاء الله هحاول أعوضك الفترة الجاية، وأجبلك أحلى شيكولاتة في الدنيا… إيه رأيك، كده الأميرة ترضى عني؟


نظرت إليه يارا بوجهها الطفولي، تعبس قليلًا محاولة التمسك بغضبها، لكنها لم تستطع مقاومة دفء راغب وحضنه الذي اعتادت عليه. عضّت شفتيها بتفكير، ثم قالت وهي تميل برأسها قليلًا:


ـ يعني هتعوض يارا بجد؟ مش هتسيبها تاني؟ ومش هتنشغل عنها بالشغل الوحش بتاعك؟


ضحك راغب بخفة، وقبّل رأسها بحنان، ثم قال:


ـ راغب عمره ما هيقدر يبعد عن يارا، حتى لو كان عنده الدنيا كلها على دماغه، يارا دي قلبي…


تألقت عيناها بفرحة صغيرة، لكنها لم تلبث أن اختفت حين وضعت يدها الصغيرة على وجهه، تتحسسه بحزن طفولي، ثم قالت بصوت خافت:


ـ بس راغب تعبان… وشك مش زي كل يوم، وراغب بيحاول يضحك بس عيونه زعلانة…


شعر بغصة في حلقه، كيف لهذه الصغيرة أن ترى داخله ما لا يراه الآخرون؟ حاول أن يتمالك نفسه، فابتسم لها وهو يشدها إلى حضنه قائلًا:


ـ راغب طول ما يارا معاه، عمره ما يكون زعلان…


عانقته الصغيرة بقوة وكأنها تحاول طمأنته بدلًا من أن يطمئنها هو، وتمتمت بحب:


ـ يارا بتحب راغب قوي، ومش عايزة حاجة من الدنيا غيره.


ضمها إليه أكثر، مغمضًا عينيه للحظات، وكأن هذا الحضن هو الشيء الوحيد الذي يمنحه بعض الراحة وسط العاصفة التي تحيط به. بعد دقائق، شعر بثقل جسدها عليه، فنظر إليها ليجدها قد غفت بين ذراعيه بملامح بريئة تمامًا. أنزلها بهدوء على الفراش، وسحب الغطاء عليها، ثم مرر يده على شعرها بحنان وهمس:


ـ يارا، أنتِ الحاجه الوحيدة اللي فاضلة في حياتي.


نهض بهدوء، ألقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يطفئ المصباح بجوارها، ثم خرج من الغرفة، و اغلق الباب خلفه بهدوء….


تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع