القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل التاسع والعاشر بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات

 


رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل التاسع والعاشر بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات




رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل التاسع والعاشر بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات

 


الرهينه 


بقلم هبه ابو الفتوح 


الفصل التاسع و العاشر 


(الرهينة الفصل التاسع)


خرج راغب من الغرفة واتجه مباشرة نحو غرفة يارا، لكنه صُدم عندما وجدها غارقة في نومٍ عميق. اقترب منها بحذر، ثم جلس بجوارها وربت على كتفها برفق محاولًا إيقاظها.


ـ قومي يا أميرة، يا نائمة، يعني أنا محضر الخروجة دي علشانك وفي الآخر تقولي عايزة تنامي؟


فتحت يارا عينيها بصعوبة، ونظرت إليه بنصف وعي وهي تهمس بصوتٍ يغلب عليه النعاس:


ـ اخرج انت يا راغب… يارا عايزة تنام.


نظر إليها بحزن، ثم حاول مجددًا أن يوقظها وهو يقول بلطف:


ـ معلش يا روحي، بس ما يصحش كده، ده أنا كنت عايز أفرحك بالخروجة دي.


لكنها تنهدت بصوتٍ ناعس، وغمغمت دون أن تفتح عينيها تمامًا:


ـ معلش يا راغب… أنا جيت من المدرسة عايزة أنام كتير. الدادة فاطمة هتيجي تقعد معايا بعد ما انت تمشي، زي كل مرة. أنا آسفة يا راغب، بس يارا عايزة تنام كتير… اخرج أنت وصابرين… وابقى هات لي حاجة حلوة وانت جاي.


كاد أن يعترض، لكنه أدرك أنها بالفعل مجهدة، خاصة مع إغلاق جفونها الثقيلة مرة أخرى، فابتسم بحنان، ثم انحنى ليقبل جبينها برفق، وقام بتغطيتها جيدًا كي تشعر بالدفء.


عندما خرج من الغرفة، وجد الدادة فاطمة تقف مع صابرين عند باب المنزل. تقدم نحو الدادة وأمسك بيديها بحزم وهو يوصيها بجدية:


ـ خلي بالك منها كويس يا دادا. إحنا بإذن الله مش هنتأخر، بس لو حصل أي حاجة، انتِ عارفة هتتصرفي إزاي. رني عليّ على طول وأنا هجيلك فورًا، بإذن الله خير.


لاحظت صابرين توتر راغب البالغ، فوضعت يديها على يديه، تمسكهما برفق، محاولة أن تبث الطمأنينة في قلبه. نظرت إليه بقلق وقالت بصوت حنون:


ـ في إيه يا راغب، يا حبيبي؟ لو حاسس إنك مش كويس، إحنا ممكن نأجل الخروجة دي لوقت تاني، تكون يارا معانا.


حاول راغب إخفاء القلق الذي يعتصر قلبه، كما تجاهل النغزة التي شعر بها في صدره، ثم ابتسم لها بودّ، وقال بصوت هادئ:


ـ لا، ما فيش حاجة يا حبيبتي. بس أنتِ عارفة إن أنا بقلق على يارا كتير. يلا بينا عشان ما نتأخرش، ونلحق نيجي بدري.


أومأت صابرين برأسها متفهمة، ثم أمسكت بيده، وسارت بجانبه وهما يتبادلان حديثًا دافئًا، حتى وصلا إلى الكورنيش. هناك، وقف الاثنان، يتأملان البحر الممتد أمامهما، والهواء يداعب وجوههما، حاملاً معه عبق الذكريات الأولى.


تنهدت صابرين بسعادة، وقالت وهي تبتسم بحنين:


ـ عارف يا راغب، المكان ده بالنسبة لي كنز… بحبه لأنه كان أول مكان التقينا فيه. بحبه لأنه شهد بداية حبنا.


نظر إليها راغب بعينين يملؤهما العشق، ثم أمسك بيدها بلطف وقال:


ـ وعارف يا صابرين أنا ناوي على إيه؟ بس بعد ما أخلص شغلي، ناوي نطلع عمرة… أنا وأنتِ ويارا والضيف الجديد، شكرًا وحمدًا لربنا على كل النِّعَم اللي إحنا فيها. قد إيه أنا مبسوط… أنتِ مش حاسة باللي أنا حاسس بيه دلوقتي. بعد موت أهلي، قدرت أكون بيت صغير دافئ، وإن شاء الله يكبر… الفكرة لوحدها جميلة.


نظرت إليه صابرين بامتنان، وعيناها تلمعان بالسعادة، وكادت أن تتحدث، لكن فجأة قاطع حديثهما صوتٌ مألوف يهتف بدهشة:


ـ إيه ده؟ راغب المهدي؟! مش معقول… عاش من شافك يا راجل!


التفت راغب بسرعة إلى مصدر الصوت، وعيناه تتسعان بذهول، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة دهشة:


ـ حمودي العراقي؟! إيه ده؟! صاحبي!


اقترب الرجل منهما بخطوات سريعة، بينما مدّ راغب ذراعيه ليحتضنه بحرارة، في لقاء لم يكن في الحسبان.


ابتعد الاثنان عن بعض بعد العناق، وحدّق راغب في صديقه القديم بسعادة، قائلاً بمزاح:


ـ بقولك إيه، اليوم بتاعك هيكون معايا النهاردة، تمام؟ تعالَ بقى على مكان سري محدش يعرفه غيري أنا ومراتي صابرين اللي معايا دي، وممكن تكتفي بسلام الكلام عشان اللمس ممنوع يا صديقي.


ضحك حمودي العراقي وهو ينظر إلى صابرين بابتسامة ودودة، ثم قال باحترام:


ـ طبعًا، طبعًا… ده من زمان وأنا سامع عن الست المحترمة دي، من كتر ما راغب بيتكلم عنكِ. تشرفت بمعرفتك أخيرًا، يا مدام صابرين.


ابتسمت صابرين بخجل، وردّت بتحية مقتضبة، ثم أكملوا طريقهم سيرًا على الأقدام، بينما انشغل راغب وحمودي في الحديث، يسترجعان ذكرياتهما القديمة. بدأ حمودي يسرد على راغب تفاصيل حياته منذ أن غادر مصر، والأحداث التي مر بها حتى عاد إليها من جديد. بدوره، حكى له راغب عن ظروف زواجه، وكيف فقد والديه، ومسؤوليته عن تربية شقيقته الصغيرة يارا، وأخيرًا، عن حمل زوجته صابرين الذي غيّر حياته تمامًا.


كان الحوار بينهما عفويًا، مليئًا بالضحك والحنين، حتى وصلا إلى ذلك المكان الخالي من البشر… المكان الذي كان دائمًا يجمعهما في الماضي، دون أن يعرف أحد عنه شيئًا. وقفوا هناك، يتأملون المكان بذكريات قديمة، وكأنهم عادوا بالزمن إلى الوراء.


جلس الجميع على الأرض بعدما انتهوا من تجهيز الفراش، ورصّوا الطعام والتسالي، وبدأوا في الحديث عن مواضيع مختلفة وسط أجواء يملؤها المرح والسعادة. قطع حمودي حديثهم فجأة بسؤال مستفز بعض الشيء:


ـ هي المدام قربت تولد ولا إيه يا راغب؟


قهقه راغب بسخرية، وردّ عليه وهو يهز رأسه:


ـ تولد إيه يا عم؟! ده أنا لسه عرفت النهاردة إنها حامل! أعتقد إنها في الشهر الثاني، أو شهر ونص في المتوسط.


ابتسم حمودي بسعادة عارمة، وقال بحماس:


ـ إيه ده؟! وأخيرًا هبقى عمو طيوب! الله، نفسي أجرب الشعور ده قوي!


ضحك راغب وهو يربت على كتفه قائلاً:


ـ يا عم، هتبقى عمو إن شاء الله، وأحلى عمو كمان! بس خد بالك، لو الواد زعل منك، أو حتى لو زعلته أنت، هخليك تصالحه بنفسك!


ضحك الثلاثة، بينما كانت صابرين تتابع حديثهم بصمت، وابتسامة دافئة تعلو وجهها. لأول مرة منذ زمن طويل ترى راغب يندمج في حديث ودي مع أحد، دون حذر أو توتر. وضعت يديها على خديها، وظلت تتابع كل حركة منه بنهم شديد، لم تكن مهتمة بمحتوى الحديث بقدر ما كانت تستمتع بمشاهدته وهو سعيد.


لكن هذه اللحظات لم تدم طويلًا، إذ رنّ هاتف راغب، كان المتصل هو أحد رجاله من العمل. اعتدل في جلسته، وأصبح أكثر جدية وهو يستمع للطرف الآخر، ثم قال بصرامة:


ـ تمام… أنا جايلك دلوقتي، ما تتحركش من مكانك.


أنهى المكالمة، والتفت إلى حمودي، ثم قال بنبرة منخفضة:


ـ المهمة اللي كنت شغال عليها قربت تخلص… إحنا على وشك الإيقاع بالمتهم.


نظر إليه حمودي بتركيز، وسأله باهتمام:


ـ المتهم مين؟ وعرفتوا إزاي توصّلوا له؟


بدأ راغب في شرح تفاصيل المهمة، وكيف استطاع جمع الأدلة ضد الرجل المطلوب، بينما ظلت صابرين تتابعه في صمت، لكن هذه المرة بقلق متزايد، فكلما تحدث راغب عن عمله، شعرت أن هناك خطرًا يقترب أكثر…


حاولت صابرين أن تتجاهل ذلك الشعور السيئ الذي بدأ يتسلل إلى قلبها، فابتسمت وقالت بصوت مرح، محاولة تغيير الأجواء:


ـ طب يلا يا جماعة ناكل بقى، بسم الله، قبل ما الأكل يبرد… الكلام عن الشغل مش هيخلص.


هزّ راغب رأسه موافقًا، ثم التفت إليها يسألها بجدية:


ـ يلا بسم الله… بس، أخدتي العلاج يا صابرين؟


اتسعت عيناها بتذكر، وضربت جبهتها بيدها قائلة بتذمر:


ـ أوف! بجد نسيت… شنطة العلاج على الكومودينو في أوضة يارا وأنا بجهزها.


زفر راغب بأنفاس ثقيلة، وهز رأسه بخيبة أمل قبل أن ينهض قائلًا:


ـ طيب، أنا هخطف رجلي بسرعة وأروح أجيب لك العلاج من الصيدلية، لأنك مش هينفع تاكلي من غيره… مش هتأخر.


كاد حمودي أن ينهض ليذهب معه، لكن راغب أوقفه بيده، وقال بنبرة حازمة:


ـ خليك أنت هنا يا حمودي، مرات أخوك في أمانتك يا ض، أنا عارف إنها مش هتقدر تمشي كتير، فخليك معاها لحد ما أرجع.


نظر إليه حمودي بتردد، لكنه في النهاية أومأ رأسه موافقًا،

 نظر إليه حمودي بثقة، وربّت على صدره قائلاً بحزم:


ـ عيب عليك يا أخوي، بتوصّيني على أختي؟ ده أنا أفديها بروحي.


ابتسم راغب بحرارة وربت على كتفه قبل أن يقول:


ـ تسلم يا حبيبي… مش هتأخر.


ثم استدار ورحل بخطوات سريعة، متوجّهًا إلى سيارته ليختصر الوقت، فكان يعلم أن الطريق إلى الصيدلية يستغرق قرابة خمسة عشر دقيقة مشيًا، لكنه أراد العودة بسرعة، فاستقل السيارة وانطلق مسرعًا.


بعد أن غادر راغب، التفتت صابرين إلى حمودي بابتسامة لطيفة، ثم قالت بمودة:


ـ أستاذ حمودي، واضح أن علاقتك أنت وراغب ما شاء الله جميلة جدًا.


أطلق حمودي ضحكة قصيرة وهو ينظر إلى الأفق وكأنه يستعيد ذكرياته، ثم قال بابتسامة صادقة وسعادة تغمر ملامحه:


ـ راغب مش مجرد صديق، ده أخ من الطفولة… عارفه يا مدام صابرين؟ كان دايمًا بيحكي لي عنك وعن حبه ليكي من زمان أوي، هو قد إيه كان مستني الفرصة المناسبة عشان يتقدم ليكي.


نظرت إليه صابرين باندهاش خفيف، فتابع حديثه وهو يتنهد بأسف:


ـ وعلى فكرة، أهله كانوا موافقين، وكانوا ناويين يجو يخطبّوكي رسمي، بس للأسف… قبل موتهم بأسبوع كانوا مقررين ييجوا، لكن النصيب كان له رأي تاني سبحان الله… كل حاجة بتمشي بقدر.


كادت صابرين أن تتحدث، لكنها تفاجأت بمجموعة من الرجال يلتفون حولهم، ملامحهم قاسية، وأعينهم تضج بالإجرام. تسارعت دقات قلبها، وابتلعت ريقها بخوف وهي تقترب أكثر من حمودي.


أما حمودي، فقد تملّكه التوتر فور رؤيتهم، لم يكن بحاجة إلى أن يسأل من يكونون، فقد عرفهم على الفور. شدّ على يد صابرين ونهض بسرعة، مجبرًا إياها على الوقوف خلفه، محاولًا أن يجد طريقًا للهرب، لكن الرجال أحكموا حصارهم حولهما، ليقطعوا أي محاولة للفرار.


وضعت صابرين يديها على بطنها المرتجفة، وكأنها تحاول حماية جنينها الغالي من الخطر الذي بدأ يحاصرها، ثم نطقت بصوت مرتجف، بالكاد خرج من حلقها:

ـ أنتم مين؟


تلاقى نظرها بنظرة حمودي، الذي حذّرها بنظرة صارمة حتى لا تتحدث أكثر، ثم واجه الرجال بقوة مصطنعة، رغم أنه كان يعلم تمامًا من هم، فسألهم بحدة وهو يخفي قلقه:

ـ عايزين إيه؟


في تلك اللحظة، تقدم رجل يبدو في منتصف الثلاثينيات، طويل القامة، عيناه تضجان بالشر، ابتسامته مليئة بالغطرسة، ثم قال بصوت قوي، وهو يحدّق في حمودي بشماتة:

ـ مش قلت لك إن نهايتك هتكون على إيدي؟ وإنك مش قد اللعب مع الكبار؟ كنت فاكر إنك تقدر تهرب؟ نهايتك قربت يا حضرة العميل السري.


تصلّب جسد حمودي بالكامل، كأن صاعقة ضربته في مكانه، البرودة سرت في عروقه كأن دمه تجمد. شدّ قبضته أكثر على يد صابرين، وكأنه يحاول أن يستمد منها القوة، بينما نطق اسمه بصوت مخنوق، وكأن مجرد ذكره يجلب الدمار:

ـ جـ… جواد الجبالي؟!


ضحك جواد الجبالي بصوت عالٍ، وكأن كلام حمودي كان نكتة سخيفة، ثم نظر إليه بعينين تضجان بالخبث، قائلاً بسخرية:

ـ الله! ما أنت طلعت شطّور أهو! ما توقعتش إنك هتعرفني يا راغب المهدي بسرعة كده… سهلت عليّا الموضوع.


ثم مال برأسه قليلًا، محاولًا تجاوز حمودي بعينيه، ليقع نظره على صابرين التي كانت ترتجف خلفه، تتشبث به وكأنها تحاول الاختباء في ظله. عندها ارتسمت على وجهه ابتسامة مستمتعة وهو يضيف بنبرة ساخرة:

ـ مش تقول إن المدام معاك؟ والله يا راغب، أنت مسهّل عليّا حاجات كتير قوي، يعني بدل ما أتعب نفسي في التدوير، هتبقى النهاية مرة واحدة!


اشتعلت عروق حمودي بالغضب، لكن عقله ظلّ يعمل بسرعة، كان بإمكانه القتال، لكن وجود صابرين غيّر كل شيء، أي حركة خاطئة قد تضعها في خطر. كان محاصرًا، ومهما كان بارعًا في القتال، فهو يعلم أن الاحتمالات ضده تمامًا. ازدرد ريقه بتوتر، وحاول أن يتفاوض بصوت ثابت، رغم أن قلبه كان يدق بجنون:

ـ مالكش دعوة باللي ورايا، ركّز معايا… سيبنا نمشي من هنا، أوعدك إن القضية بتاعتك هتنتهي، ومش هيكون في أذى ليك نهائي!


تحولت نظرة جواد الجبالي من السخرية إلى الغضب المفاجئ، وأصبح صوته أكثر حدة وقسوة، وكأن الكلمات التي يخرجها من فمه كالسكاكين الحادة:

ـ هو أنت مفكر إن أنا مستني العفو منك؟! لاااااا! ده أنا جواد الجبالي، أقدر أنهيك دلوقتي، وده اللي أنا هعمله فعلاً، لأن أنا هددتك مرة وبعت لك إنذار، وانت عارف إن كلمتي مش بكررها مرتين. كان لازم تكون عارف حجم اللي انت وقعت فيه، ودلوقتي قول على نفسك يا رحمن يا رحيم!


نظر حمودي إليه بنظرة مليئة بالغضب، وعيناه تشعّان بحقد متراكم على الرجل الذي أمامه، ليعلم في لحظة واحدة أن محاولاته للتفاوض قد باءت بالفشل. ثم حدث ما كان في ذهنه لحظة الخطر، ففي حركة سريعة وقوية، أخرج حمودي سلاحه من حزامه، ووجهه مباشرة نحو جواد، قائلاً بحزم وبصوت لا يعرف الخوف:

ـ لو كنت أنت جوالي تجيبه لي، فانا راغب المهدي، وهكون معاك لآخر لحظة في عمري. فوق! لسه ما جاش اللي يهددني!


تجمدت صابرين للحظة وهي تستمع لما قاله حمودي، فتعجبت من ذكره لاسم "راغب المهدي" بدلاً من "حمودي العراقي"، كان ذلك مفاجئًا لها. لكن صدمتها كانت أكبر حينما شعرت بألم مفاجئ في بطنها، فوضعت يديها عليها، وتحولت أنينها إلى صوتٍ مؤلم وصل إلى مسامع جواد، الذي ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يراها تضع يدها على بطنها. وقال بتهكم:

ـ تؤ تؤ تؤ، هو النونو تعبك ولا إيه يا مدام؟ ما تقلقيش، هريحكم أنتم الإتنين قريب...


ثم نظر جواد إلى السلاح الذي وجهه حمودي نحوه، فابتسم ابتسامة شريرة، وقال بنبرة تهديدية وهادئة:

ـ بص وراك كده يا راغب.


(الرهينة الفصل العاشر)


تحولت نظرات محمود إلى صدمة شديدة عندما التفت خلفه ليكتشف أن صابرين كانت بين يدي أحد الرجال، وسلاح مصوب إلى رأسها. كان يوشك على التحرك لإنقاذها، لكن لحظة اندفاعه قوبلت بإمساك رجلين له، حيث انهالا عليه بالضرب المتواصل وسط صرخات صابرين القلقة التي طالبت بالإنقاذ.


في تلك اللحظة، اقترب جواد الجبالي من صابرين، ووقف أمامها بابتسامة ماكرة، وهو يقول بنبرة قاسية:

 ـ ليه حق راغب يستقيل من شغله بعد المهمه دي؟ بصراحة، أنتِ حلوة قوي، ومحتاج الواحد يكون متفرغ لك، ويقعد يقدر جمالك ده.


كاد جواد أن يضع يديه على وجهها، لكن صابرين لم تتحمل هذه الإهانة، فبصقت عليه باشمئزاز وقالت بعنف: 

ـ أبعد يدك عني يا حقير!


لكن ابتسامة جواد تحولت سريعًا إلى غضب شديد عندما أمسك بشعرها بعنف، ثم دفع بها أرضًا بجوار حمودي. سقطت صابرين على الأرض بشدة، وألمٌ مرير اجتاح جسدها. أمسكت بطنها بشدة، شعرت بألم شديد في أسفل بطنها، ولاحظت شيئًا يسيل منها.


صرخ محمود بشدة وهو يتألم من رؤية ما حدث لصابرين، وقال بصوت مليء بالصدمة والفزع: 

ـ صااابرين لااااا!


حاول محمود الإفلات من قبضة الرجال، لكنه لم يستطع، بل ازدادت ضرباتهم عليه ضراوة، وكأنهم ينهالون عليه للقضاء عليه تمامًا. شعر بجسده ينهار، لكن قلبه لم يتوقف عن النبض بالغضب، عينيه لم تتوقفا عن البحث عن صابرين، التي كانت تعاني وحدها أمام وحش لا يعرف الرحمة.


اقترب جواد ببطء، ووقف أمام صابرين التي استلقت أرضًا، يديها تضغطان على بطنها بألم رهيب، والدم بدأ يسيل أسفلها، يلطخ الأرض بوحشية وكأنه يعلن عن فاجعة قد وقعت بالفعل. نظر إليها جواد بسخرية، ابتسم وهو يمسح على ذقنه وكأنه يستمتع بالمشهد، ثم قال ببرود قاتل: 

ـ مش معقول... للأسف، النونو راح، وأنتِ لازم تحصليه.


فتحت صابرين عينيها بصعوبة، لم تعد تقوى على الحركة، وكأن روحها تغادر جسدها ببطء شديد، الألم ينهشها، لكنه لم يقتل فيها العزيمة. نظرت إلى جواد بنظرة منهكة، لكنها مليئة بالإصرار، وتحدثت بصوت ضعيف، لكنه حاد كسكين يخترق أعماقه بسخرية خافتة:

ـ أنت مفكر لما تخلص عليَّ أنا وهو، مش هيجي اللي يخلص عليك؟ لا يا جواد، لااا والف لا... نهايتك هتكون موجودة حتى لو بعد مية سنة... هتنتهي يا جواد... قريب، ما تفكرش بموتنا انتصرت... لااا... هيجي اللي هيخلص عليك بعدنا!


ضحكت صابرين بسخرية رغم ألمها، رغم ضعفها، وكأنها تتحداه حتى اللحظة الأخيرة، وكأنها ترى مصيره المحتوم أمامها. شعر جواد بالغضب من كلماتها، من ضحكتها التي أيقظت داخله إحساسًا بالنقص والضعف، فأخرج سلاحه بسرعة وصوبه نحوها مباشرة. رفع حاجبه قليلًا، ثم مال برأسه وهو يقول بصوت هادئ لكنه محمل بالتهديد القاتل: 

ـ طالما مش خايفة كده... يبقى لازم تخافي من الموت... ولا مش خايفة منه كمان؟!


نظر محمود إليها وهو مستلقٍ على الأرض، جسده مثقلٌ بالضربات التي تلقاها، رأسه ينبض بألم يكاد يُفقده الوعي، لكنه لم يهتم بألمه، كان كل ما يشغل باله هو صابرين، التي كانت تقف عاجزة، والدماء تنزف منها بلا توقف. حاول أن يتحرك، أن يقف، أن يوقف ما يحدث، لكن جسده خانَه، صوته بالكاد خرج، ضعيفًا، مرتجفًا، لكنه يحمل كل الاستغاثة التي تسكن قلبه.


ـ سيبها يا جواد... هي ملهاش ذنب... مشكلتك معايا أنا... مش معاها...


نظر إليه جواد ببرود، رفع سلاحه ببطء، صوبه نحو صابرين، بينما زاوية فمه ترتفع بابتسامة ساخرة، وكأن المشهد بأكمله لا يعني له شيئًا، ثم قال بصوت يحمل نبرة قاتلة:

ـ للأسف... أنا ماشي بمبدأ "الحسنة تخص... والسيئة تعم".


ثم أطلق الرصاصة.


توقفت اللحظة، وكأن الزمن تجمد عند تلك الطلقة التي اخترقت الهواء بسرعة قاتلة، متجهة إلى قلب صابرين. لم تستطع حتى الصراخ، فقط شهقت، عيناها توسعتا، يدها تحركت تلقائيًا إلى صدرها حيث استقرت الرصاصة، وسقطت على الأرض ببطء شديد، وكأن جسدها يرفض أن يغادر الحياة.


محمود، الذي كان يشاهد كل شيء أمامه، شعر بروحه تتمزق، حاول أن ينهض، لكن قدميه لم تعد تستجيب، عينيه امتلأتا بالدموع، شهق بأنفاس غير مكتملة، وكأنها تحتضر معه. لم يستطع حتى أن ينطق باسمها، فقد تحجرت الكلمات في حلقه، لكنه لم يكن بحاجة إلى الكلام، فعيونه كانت تنطق بكل شيء.


نظر جواد إلى محمود، رفع سلاحه مرة أخرى، وقال بصوت خالٍ من أي شعور:

ـ أنا قلت لك... ما بسيبش حقي، واللي بيدوس لي على طرف... بدوس له على مية، وبنهيه نهائي. اتشاهد على روحك.


لم يُمهله، أطلق عليه رصاصتين استقرتا في صدره، ارتعش جسده للحظة، ثم هدأ، وكأن روحه تغادره شيئًا فشيئًا. وقف جواد للحظة يراقب المشهد، جثتان ممددتان على الأرض، الحياة تغادرهما ببطء، ثم أخرج ورقة صغيرة، وضعها بجوارهما، واستدار لينصرف مع رجاله، تاركًا خلفه الموت والرائحة الثقيلة للدماء.


ظل محمود يحدق في صابرين، عيناه تدمعان بصمت، الألم في صدره كان هائلًا، لكنه لم يكن أقوى من الألم في قلبه. أراد أن يلمسها، أن ينادي عليها، لكنه لم يستطع. كل شيء كان يتلاشى من حوله، وبدأ وعيه يخفت ببطء، حتى كاد يرحل تمامًا...


لكن فجأة، وسط هذا السكون القاتل، شق صوته أذنيه...


ـ صااااابرين! لاااااا!


كان راغب.


ركض بجنون، عيناه كانتا تشتعلان بالرعب، بالكفر بما يراه، بصعوبة تصديق أن أقرب شخصين له، زوجته وأخيه، يسبحان في بركة من الدماء. سقط بجوار صابرين، أمسك بوجهها، هزها برفق، ناداها بصوت مبحوح:

ـ صابرين! ردي عليا، بالله عليكي افتحي عنيكي!


لكنها لم تجب. كانت قد غادرت.


تحولت نظراته إلى محمود، الذي كان بالكاد على قيد الحياة، شعر أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. كاد أن ينهض ليحمل صابرين، لكن يدًا ضعيفة أمسكت بساقه.


كان محمود.


جثا راغب على ركبتيه بجواره، أمسك بوجهه، شعر بدموعه تختلط بالدماء التي كانت تغطي ملامحه، قال بصوت يرتجف:

ـ حمودي! لاااااا... صابرين... لاااااا...


حاول محمود أن يتحدث، لكن صوته كان ضعيفًا، يكاد يكون همسًا، لكنه تمكن من نطق آخر كلماته، تلك الكلمات التي ستحفر في ذاكرة راغب إلى الأبد:

ـ جواد... الجبالي... السبب...


ثم لفظ أنفاسه الأخيرة.


نظر راغب إلى شذى، التي كانت دموعها تنساب بصمت، دون أي محاولة منها لإخفائها. كان يرى في عينيها حزنًا لم يكن يريد رؤيته، شفقة لم يكن يحتملها. هو لم يطلب العزاء، لم يطلب نظرات المواساة، ولم يكن يريد أن يكون موضع تعاطف أحد.


كان واقفًا أمامها، لكنها لم ترَ الرجل الذي اعتادت رؤيته، بل شبحًا لإنسان تحطم تحت وطأة الخسارة. لم يستطع البكاء، كيف يبكي وقد جفت دموعه؟ كيف يُخرج ما بداخله وقد صار الألم جزءًا منه، لا يمكن فصله عنه؟


نظر إليها مجددًا، رأى تلك النظرة التي كان يهرب منها، فأشاح بوجهه بغضب، ثم عاد ليواجهها، بصوت حاد، بنبرة تحمل كل القهر الذي بداخله:

ـ أنا مكنتش عايز حد يعرف عني حاجة، بسبب نظرة الشفقة دي! أنا مش ضعيف...


توقف لثانية، وكأن كلماته تخونه، ثم تابع بصوت أكثر مرارة، كمن يتحدث مع نفسه أكثر مما يخاطبها:

ـ أنا بس... الدنيا جت عليا وكَسرت ضهري... ورجولتي... بخطف حرمة بيتي…


لم تكن تدرك ما تفعله، لم تخطط للحظة التي نهضت فيها فجأة واقتربت منه، فقط كان هناك شيء أقوى من التفكير دفعها لذلك. احتوته بين ذراعيها، ولم تعلم كيف استجاب راغب لها، كيف سمح لنفسه بأن ينهار بهذه الطريقة، لكنه فعل.


وكأن حضنها كان الإشارة التي انتظرها لينهار تمامًا. لم يعد راغب المهدي، الرجل الصلب القاسي، بل تحول إلى إنسان محطم، متألم، لم يعد يملك سوى كلماته المبعثرة بين شهقاته المتتالية، التي امتزجت بصوت بكائها المرير.


ـ يارا... أختي… راحت مني… وأنا ضعيف… ضعيف… ضعيف…


كان يكرر كلمته الأخيرة وهو يضرب صدره بقهر، قهر الرجال حين يعجزون عن حماية من يحبون، حين يخسرونهم أمام أعينهم دون أن يستطيعوا فعل شيء. حاولت شذى أن توقفه، أن تسيطر على حالته، لكنها كانت عاجزة أمامه، فرق الحجم والقوة بينهما كان واضحًا. فكيف لجسدها الضئيل أن يتحكم في جسد أكبر منها بأضعاف؟


نهضت فجأة، نظرت إليه بغضب، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفعل شيئًا لم تفكر في نتائجه. رفعت كفها، وهوت به على وجهه بصفعة قوية، أرادت أن تعيده إلى وعيه، أن تخرجه من هذه الحالة التي ينهار فيها بلا توقف.


تجمد في مكانه، صمت للحظة، ورفعت رأسها لتنظر إليه بدموع غاضبة، بصوت يملؤه الألم والقوة في آنٍ واحد:


ـ فوق يا راغب! فوق، انت مش أول واحد يخسر حد غالي عليه، مش أول واحد يتوجع… لكنك الوحيد اللي بتضيع كل حاجة بإيدك!


تقدمت خطوة أخرى نحوه، وكأنها تحاول أن تهزه بكلماتها كما هزته بصفعتها:


ـ فوق! يارا لسه عايشة، وجرح الماضي انت تخطيته، متزودش على نفسك جرح جديد في الحاضر، متضيعش اللي باقي لك… يارا محتجاك، متسيبهاش!


ثم أكملت بصوت ضعيف، بنبرة لم تستطع أن تخفي ما في قلبها:


ـ وأنا كمان محتجاك…


لم يكن راغب يعلم ماذا يريد الآن، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد… أن هناك قلبًا يرجوه أن يكون معه، أن يبقى، أن يحارب لأجل شيء لم يفكر به من قبل. تذكر أنها ما زالت على قيد الحياة… أو ربما هذا ما كان يحاول أن يوهم عقله به حتى يتمكن من الاستمرار في هذه الحياة القاسية.


قال بصوت ضعيف، وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما يتحدث إليها:


ـ أنا فاضل لي بس خطوة واحدة وهكون انتهيت… بس لازم أكمل للنهاية، وأنفذ الوعد اللي قطعته لأهلي… بحمايتها لآخر نفس في عمري.


ثم رفع عينيه ونظر إليها مباشرة، تلك العيون التي لمعت بشيء لم تستطع تفسيره، وأضاف بحزم:


ـ وحمايتك إنتِ كمان… لأنك بقيتِ مسؤوليتي من يوم ما دخلتِ البيت ده.


شعرت للحظة برجفة في قلبها، لكنها لم تسمح لها بالسيطرة عليها. ابتسمت له بأمل، بدعم وقوة، وقالت بثقة:


ـ وأنا معاك يا راغب… وواثقة فيك، لكن لازم نتحرك دلوقتي، لأن كل ثانية بتعدي بيحصل حاجات إحنا في غنى عنها. يلا معايا، نرجع خطتنا، ونحط نقطة النهاية للحكاية دي، لأنها طولت جدًا.


نهض معها… بعد أن ترك لها كيانه بأكمله. لم يكن راغب المهدي الذي اعتاد أن يكونه، بل رجلٌ تحركه الأيام كما تشاء، رجلٌ يحمل في داخله صراعات لا تنتهي. لم ينكر أن وجودها معه كان دافعًا قويًا للاستمرار، لكنه لم يستطع الهروب من الشعور بالخيانة الذي كان يلاحقه كلما التقت عيناه بعينيها، كلما شعر بقلبه ينبض مجددًا بعد أن اعتقد أنه مات مع صابرين.


لقد عاش سنواته الماضية ينوح على أطلالها، يدفن شبابه تحت رماد الماضي، يحمل وحدته كقدرٍ محتوم، ويعيش فقط من أجل حماية تلك الصغيرة التي من دمه، حتى يطمئن عليها مع رجلٍ يعشقها ويحافظ عليها كما كان سيفعل هو… لكن أين وصل به الحال الآن؟


فقد كل شيء، حتى أنه بدأ يشعر أنه يفقد وعده لمعشوقته الراحلة… وبدأ يميل لتلك الفتاة…


ولكن ما نهاية هذه المشاعر؟ هل سيسمح لها بالنمو؟ هل يستطيع تجاوز ماضيه؟ أم سيبقى مخلصًا لوعده، لعهده، لحبه الأول والأخير؟


أما هي، فلم تكن تعلم كيف تصارع الأمر بينهما، كيف خانتها مشاعرها ونبضت بذلك الشخص الذي اكتشفت أن عشقه لزوجته لا يزال نابضًا، حتى بعد رحيلها. أدركت جيدًا أنها، مهما فعلت، لن تنال جزءًا صغيرًا من هذا العشق الطاغي.


لكن ماذا تفعل الآن؟


كل ما يدور في ذهنها هو إنقاذ تلك الفتاة البريئة الواقعة في قبضة ذئبٍ بشري لا يعرف الرحمة، وترك الأمور تسير كما ينبغي. لكن هناك سؤالًا لم يكفّ عن مطاردتها…


لماذا لم تتركه حتى الآن؟


هل خوفًا من جواد؟ أم أنها استغلت الفرصة للبقاء بجانبه؟


هل لأنها رأت داخله رجلًا حنونًا، رجلًا إذا عشق بصدق لم يعرف في عشقه كبرياء أو كرامة؟


وهذا ما تراه الآن في حبه الخالص لتلك المرأة التي لم تعد على قيد الحياة…


بعد مرور يومٍ آخر، وقف راغب أمام المنزل، منتظرًا قدوم شذى.


كان يرتدي تلك الكتلة السوداء التي اعتاد عليها، لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفًا… عهد في داخله أن تكون هذه آخر مرة يرتدي فيها هذه الملابس المشؤومة، الملابس التي في كل مرة ارتداها، فقد شيئًا من روحه… واليوم، لا يعلم ماذا سيفقد.


نظر إلى ساعته، كانت تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل. زفر ببطء وهو يرفع عينيه نحو المنزل، فلمح شذى تقترب منه بخطوات ثابتة. لم يستطع رؤية ملامحها بوضوح بسبب القناع الذي يغطي رأسها، لكنها سرعان ما نطقت بصوت هادئ، تحمل نبراته شيئًا لم يستطع تفسيره:


ـ معلش، اتأخرت عليك، بس كان في حاجة لازم أعملها قبل ما أمشي.


هز رأسه بتفهم دون أن يسألها، ثم أشار نحو السيارة وبدأ بالتحرك نحوها، قائلاً بصوت منخفض لكنه يحمل ثقلًا من المشاعر المكبوتة:


ـ طيب، يلا بينا عشان ما نتأخرش… جاهزة؟


ابتسمت رغم التوتر الذي تشعر به، ورفعت عينيها نحوه قائلة بثقة هادئة:


ـ حتى لو مش جاهزة… هكون جاهزة، لأنك معايا.


ثم حاولت كسر التوتر بابتسامة خفيفة، وهي تضيف مازحة:


ـ احم… احم… يلا بينا يا راغب.


نظر إليها راغب للحظة، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه عيناها خلف المزاح، لكنه لم يقل شيئًا… فقط فتح باب السيارة، ودخلا معًا، نحو ليلةٍ قد تكون النهاية… أو ربما البداية.


تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع