القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الهجينة عروس الالفا الجزء الثاني حلقه خاصة بقلم ماهي احمد

 رواية الهجينة عروس الالفا الجزء الثاني  حلقه خاصة بقلم ماهي احمد 





رواية الهجينة عروس الالفا الجزء الثاني  حلقه خاصة بقلم ماهي احمد 


الــهَجــينه

[حلقه خاصه ]

ظرف عتيق 

عشرُ سنواتٍ مرّت منذ أفَلَتت شمسُ روحها، لكنّ حرارتها ما زالت تحرقُه في ليالي الوحدة ، كأنّ الذاكرة ترفضُ أن تُعتِقه من لحظة الوداع، يقفُ عاجزًا أمام هذا الفقد، لا يَملكُ سوى بقَايا اسمَها يهمسُ في صَدره يُناديها في ظلمة الصمت، فَيرتدُّ صوته باكيًا، يُذكّره بأنَّ الشَمس تَغيب كُل يوم… بينما شَمسُه ترفضُ أن تَغيب.


                          🍂


الحياةُ لا تزالُ تمضي كعادتها، تُوهمنا أنَّ لديها المزيد، كأنَّ ما مضى لم يكن سوى موجةً صغيره في بحرٍ لا نهاية لهُ

هناك كلمات تُحيي، وأخرى تُطفئ ،  ليالٍ تبدأ بها الحِكايات، وأُخرى تُنهيها… كَهذِه الليله ... ليَله لاَ ننسَاها أبداً.. تترك فِي القَلب أثرًا لا يُمحى  


انتهى حفل عيد الميلاد أخيراً بأطفاء الشموع وتقديم الهدايا ، وتوجه الجميع ناحية البهو بينما "فريده" زوجة " عمار " جذبت أحدى الأطباق المرصوصه بجانبها وسألت : 


" تحبي ياماما تاخدي انهه اللي بالشيكولاته ولا البيضا " 


كَانت تعني بها  " الخاله " التى هزت رأسها بِتعب وقالت : 


" اي حاجه يافريده مش فارقه خليني اطلع انام " 


تَحدثت " غدير " باعتراض قائله : 


" لا ، ياخاله تنامي ايه ده احنا لسه سهرتنا طويله"


ساندتها "ساره " مؤيده لحديثها قائله : 


" استني بس احنا مش هنخلي اليوم يعدي كده احنا هنلعب لعبه حلوه اوي شوفتها على النت " 


"مراهقين احنا بقى عشان نلعب زي التلاميذ في الفصل " 


هكذا علق "ياسين" على حديثها وأثارت سخريته غضبها فَقررت أن تُبرر : 


" استنى بس أنتَ فهمت ايه دي لعبه الكُبار اصلاً " 


جَذبت تِلك الصغيره بِنطاله تنبهه بوجودها أسفله قائله :


" عمو ياسين ، عمو ياسين " 


غَمز لها يُهز رأْسه مستفسراً وهو يقوم بِحملها بين ذراعيه مستجيباً : 


" عيون عمو ياسين "


وضَعت كفها الصغير على صدرها وتفننت لكي تستعطفه بعيونها : 


" عشان خاطري ياعمو تعالى نلعب ، دي لعبه حلوه اوي وماتنفعش تتلعب غير لما نبقى كلنا  سوا"


لمَ يستطع الرفض مع تلك النظرات البريئه وزاد الأمر تعليقها البسيط الذي جعله يبتسم وهو يَهز رأسه باستسلام : 


" ومين يقدر يرفض طلبك قدام العيون الحلوه دي ياشمس  " 


رَفعت "شمس" رأْسَها بأبتسامه صافيه تَخبرهُ بِصدق : 


" انتَ حبيبي ياياسين " 


ودعمت حديثها بطبع قُبله رقيقه علىَ وجنتيه جَعلته سَعيد بما يَكفي ، اقتَرب " داغر " من اِبنه وأطعَمه قِطعه مِن الكَعك وَهو يَسأل  : 


" هي هدير فين ، انا هفضل أأكل الواد اللي مجنني ده  " 


أتت "هَدير " مُسرعه وهي تَحمل مَقعد بينَ يَديها تَشير لِلخاله بٓحماس مُفرط تَحثها على الجلوس قائله : 


" بصوا بقى " 


أنتبها لها الجميع ، والتفتت لها " غرام " وهي تعطى قِطعه الكعك الى " عز " فاسترسلت "هدير" حديثها بِقول : 


" الخاله هتقعد هنا وتدينا ضهرها واحنا هنتفق على كلمه كلنا نقولها وهي تقول اسم كل واحد فينا ايه رأيكم " 


تَحمست " مارال " وهي تُضيف : 


"الله لعبه حلوه اوي ، واللي ماتعيفش اسمه هو اللي يبقى مكانها " 


اقترب " بربروس" من "مارال" يزيح بِكفه  خُصلاتها الأماميه بداخل حجابها يُحدثها بِهمس : 


" أحكمي حجابك ياجميلتي فقد ظَهر حُسنك مِنه " 


"ايه الفلح ده لاء طبعاً اللي ماتعرفش اسمه يتعاقب ، كل واحد فينا يضربه قفا جامد " 


هكذا عَلقت "ميرا " ودعمها "ياسين" بقوه : 


"موافق بس مش هنضربه قفا بقى احنا نرميه من فوق السطوح ولو ماماتش


رَبت على معدتهُ بِكف يدهُ مُبتسماً بِمكر : 


" هشرب من دمه عشان عطشان اوي بصراحه " 


هكذا علق "ياسين " ولاحظ "عمار " خوف"فريده " من حديثه الساخر فنطق يبرر : 


"مالك يافريده أنتِ خوفتي كده ليه ده ياسين بيهزر " 


أشار " عمار " برأسه لـ" ياسين " لدعم حديثه : 


" مش كده ياياسين مش أنتَ بتهزر " 


رد "ياسين" وهو يضحك بِتسليه : 


" بصراحه لاء " 


طالعتهُ بِغير تَصديق وأول ما جاء لِرأسها بِأنه يمزح 

فجاء صوت " الطبيب" من خلفها يَتناول قِطعه كِعك من على الطاوله ضاحكًا: 


" لو ماقلبتهاش تريقه يحصلك حاجه قولي تاني ياهدير   .. اللعبه دي ازاي  " 


ولم تنتظر هي ، أخبرتهُ بِكل ما في جَبعتِها وانتهت عند : 


" بس كده كلنا هنقف ورا الخاله وهي تميز اصواتنا ، صعبه دي " 


ونهاها "عز" عن الاسترسال بِقول : 


" انا شايف ان احنا نروح ننام احسن عشان تعبان اوي من الصبح " 


عارضت " غرام " طلبه ثُم هَتفت : 


" نوم ايه بس ياعز ، ماتبقاش رخم " 


أشارت بعينيها لشقيقتها ونطقت : 


" ولاء هاتي يوسف ونادي على شريف يلا ،عشان كلنا نقف ورا الخاله" 


رَمقت "عز" بِحده تَجذبُه من يَده : 


" يلا بقى ياعز عشان خاطري " 


تَحركت "هدير " ناحية " داغر " تحذره : 


"اعترض ، انا عايزاك تعترض وهسيبلك غالب تأكله اسبوع " 


وعارضته قبل ان يتفوه : 


" ولو اتكلمت كلمه كمان هيبقوا اسبوعين " 


جَذبتهُ منِ كَف يَدهُ بِحماس : 


" يلا بقى " 


وقف الجميع خلف " الخاله " فَتحدث "يزن " يَلقى عَليهم التعليمات : 


"بصوا ، كلنا هنقول بنحبك ياخاله تمام واللي الخاله تعرفه ييجي شمال واللي تغلط في صوته ييجي يمين تمام"


وافق الجميع وقبل البدأ اوقفتهم "زهره " بِقول : 


"استنوا حسان دخل الحمام ولسه ماطلعش " 


اتى حسان على استعجال بِقول : 


"انا جيت اهوه يا امي " 


ابتَسمت " زهره " فاتحه ذراعيها لهُ تضمه اليها بِحنان ، اقترب " الطبيب" اليهم واصبح الجميع جاهزاً فأشار " يزن " الى الطفله "شمس"  بالتحدث فقَالت بِصوت طفولي ضاربه بقوانين اللعبه عَرض الحائط : 


" بِنحبك ياتيته " 


ابتَسمت "الخاله" تَشير بيدها على شكل قلب هاتفه : 


" الغاليه بنت الغالي شَمس حفيدتي وحته مني "


اِعترض الجَميع في صوتٍ واحد : 


" لااا ، كده مش هينفع احنا قولنا كلنا نقول بنحبك ياخاله ما اكيد هتعرفها " 


التفتت " الخاله " الى تلك الصغيره تَضع قُبله صَغيره على وجنتها قائله بِحنانٍ مُفرط : 


" حتى لو قولتي بِنحبك ياخاله ، ده انا اعرف صوتك من وسط مليون طفل زيك يابنت الغالي " 


ابتَسم الجميع وانتقل الدور على حسان فهتف : 


" بِنحبك ياخاله " 


فارتفع صوت الخاله وتعرفت عليه على الفور بِقول : 


" حسان ، تربيه ياسين ، عشان كده طالع مترباش"


ضحك الجميع فاعترض "ياسين " قائلاً : 


" وهو في أحلى من أن الواحد يطلع ماترباش ياما"


نطقت " فريده " قائله بِصوتها الرقيق : 


" بنحبك اوي ياخاله " 


فردت "الخاله" بتنهيده تحمل ما بصدرها : 


" زينه عيله الصاوي اللي من وقت ما دخلتها وهي بقت بنتي التانيه مش مرات ابني وبس " 


"ايوه برضوا ماقولتيش اسمها ايه " 


هكذا علق "عمار" فقررت الا تترك مجالاً للمراوغه وردت : 


" فريده مراتك يا اهبل ، ارتحت " 


ابتسم الجميع وهكذا جاء الدور على "زهره " و "الطبيب" معاً فردت "الخاله" وهي تبتسم : 


" زهره ، بنتي مش بس مرات ابني اللي عيشت معاها ايام وليالي حلوه ومن غيرها حياتنا مكانتش هتحلى  ، وعلي " البكري بتاعي ، حته مني ، مش بس ابني ، قلبي شاله قبل حجري وقفل عليه " 


اقترب " الطبيب" وقَبل يَدها امتناناً بينما احتضنتها " زهره " قائله بتأثر  : 


" ربنا مايحرمنا من وجودك ابداً ياخاله " 


فجاء دور "بربروس" : 


" أحببناكِ كثيراً أيتها الخاله " 


جاءه الاعتراضات ، وتعالت اصواتهم على طريقته في قول كلمته ولكنها ردت تُبرر: 


"حتى لو مكانش قالها بطريقته بربروس صوته مميز زيه بالظبط ، من وقت ما بقى في حياتنا وياسين وعلي اجتمعوا من جديد وبقى اخوهم التالت مش بس صديق " 


فقالت "ساره " برقه : 


"بنحبك ياخاله " 


ضَحكت " الخاله "بمكر : 


"ساره المتسربعه عالجواز ، هتموت وتتجوز ، واخيراً نالت مرادها "


اعترضت "ساره" فوراً  : 


" كده ياخاله ، ده هو اللي كَان هيموت ويتجوزني"


رَمقت " يزن" بنظره وعيد فرفع يديه مستسلماً: 


" مش كده يايزن "


" ايوه ، ايوه ، هي صح ياخاله انا اللي كنت متسربع على الجواز " 


عمّت لحظة صمت خفيفة بعد اعتراف "يزن"، لكنه سرعان ما تلقّى ضربة خفيفه على كتفه من "سارة"، فضحك وهو يتراجع خطوة للخلف وكأنه يهرب منها، بينما ارتفعت الضحكات في الأرجاء.


تقدمت "مارال"، بصوتها العذب يتردد في الغرفه، فابتسمت "الخاله" وكأنها تتذوق الدفء في حروفها، وأجابت بحنوّ:


"مارال… نقاء البحر في روحها ، والهديه اللي جت تنور حياة بربروس"


حاول "بربروس" إخفاء ابتسامته وهو ينظر إليها، لكن يديه امتدّت تلقائيًا نحو خصلاتها ليعيدها تحت حجابها كما اعتاد، وكأنها طقس خاص به لا يكتمل دون لمسة حب


جاء "رعد"، صوته ثابت كالعاده، لكنه يحمل دفئًا نادرًا، فهزّت "الخاله" رأسها وقالت وهي تضع يدها على قلبها:


"رعد… حنية المطر، اللي حضوره في حياتنا أضافلنا كتير "


تقدمت ابنتهُ المتبناه بخطوات حذره ، وكأنها تدرك أنها الأصغر بينهم، لكنها رفعت وجهها الصغير وقالت بصوت خجول:


"بنحبك يا تيته"


تفتحت ملامح "الخاله " كما لو أن قلبها اتسع أكثر مما كان، مدّت ذراعيها بسرعه تحتضن الصغيره، ثم قبلت جبينها قائله:


"ودي بقى زينة الدنيا… بنت ميرا ورعد، الحلاوه اللي لما بتضحك، الكون بيحلوّ معاها."


انطلقت ضحكه صغيره من "عز"، لكنه لم يكملها حين نطقت "الخاله" مباشرةٍ، وكأنها كانت تنتظره:


"عز… اللي عامل فيها جامد، وهو أحنّ واحد على الأرض "


رمقتهُ "غرام" بنظره ساخره قبل أن تهمس بمكر:


"شايف ، حتى الخاله شايفه اللي أنا شايفاه"


لم يتمالك "عز" نفسه، فمدّ يده يعبث بخصلات شعرها مدّعيًا الضيق، بينما التفّتت "الخاله" إلى "شريف" و"ولاء"، تراقبهما وهما يتبادلان نظرةً سريعه قبل أن ينطقا معًا بصوتٍ واحد


ارتسمت على شفتيها ابتسامه ، وكأنها تقرأ ما في قلوبهما دون أن يحتاجا للنطق:


"عاشقين… بس عاملين نفسهم مش فارق معاهم، بس القلب بيشهد قبل اللسان"


كتمت "ولاء" ابتسامتها وهي تشيح بوجهها، بينما لم يستطع "شريف" إخفاء ضحكته الصغيره، وكأنّهما قد ضُبطا متلبسين بحقيقتهما


انطلقت "غدير" بكامل حيويتها، وقبل أن تنطق حتى، قاطعتها "الخاله" وهي ترفع حاجبًا ماكرًا:


"غدير، لسان سليط، قلب دافي… وضحكتها اللي تغطي عالشمس"


ضحكت "غدير"، قبل أن تتشابك يدها مع يد "هدير"، التي لم تنتظر طويلاً قبل أن تكرر الجمله لكن "الخاله " لم تحتج أكثر من ثانيةً قبل أن تعلن بثقه:


"هدير، الجدعه اللي قلبها مليان حُب، ودايمًا كتفها جاهز لأي حد يحتاجه"


دَس "داغر" يديه في جيوبه، وكأنه يحاول إخفاء خجله من هذه الأجواء العاطفيه، لكن "الخاله" لم تتركه، فقالت بحنانٍ دافئ:


"وداغر… الجبل اللي محدش يقدر يهدّه، إلا لما هدير تهمس باسمه"


ارتفعت أصوات التصفيق والهتاف من حولهم فَغمز 

"يزن" بعينيه بِمزاح : 


"ايوه ياعم يســهلــوا " 


 ابتسم داغر ، بينما وضعت "هدير" يدها على صدرها، وكأنها تعترف بصمت أن هذا صحيح


وجاء "عمار"، خطواته تحمل هدوءه المعتاد، لكنه ما إن نطق، حتى تنهدت "الخاله" وكأنها تحمل له مكانًا خاصًا في قلبها، وقالت بصوت يملؤه الفخر:


"عمار… الظهر والسند، اللي شايل همّ الكل قبل همه"


لم يقل "عمار" شيئًا، لكنه مدّ يده بهدوء ليقبّل يد "الخاله" بإمتنان ، قبل أن ينسحب للخلف.


ثم كان "يزن"، وحين نطق، لم تستطع "الخاله" سوى الضحك قائله:


"يزن، الذكي ، اللي الدنيا مهدتش إلا لما لقى ساره وربطته بحبال من حرير"


استدار إليها الجميع في لحظه واحده، بينما "ساره" وضعت يديها على خديها، متظاهره بالصدمه، قبل أن تهتف بمبالغه:


"ياخاله ده هو اللي كان هيموت ويتجوزني ، انتِ مش مصدقاني ليه "


التفتت إلى "يزن"، عيناها تحملان وعيدًا من جديد

فهتف "يزن "  مُسرعاً للمره الثانيه  : 


"ما انا قولت والله اقول ايه تاني " 


ضجّ بيت "ال صاوي " بصوت ضحكاتهم ، وسرعان ما انضمّ الصغار "غالب" و"يوسف" بحماس، يرددان الجمله بحروف غير منتظمه ، فربتت "الخاله" على رأسيهما بحب، وقالت وهي تضحك:


"دول بقى الأشقياء اللي ربنا يدي أهلهم الصبر عليهم"


امتلأت الغرفة بدفء لا يُوصف، وكأن الجدران نفسها تتسع لتحتضنهم جميعًا، كان الوقت قد توقف للحظات، ليحفظ هذه الذكرى في قلوبهم، كأنها كنز ثمين سيعودون إليه كلما احتاجوا إلى هذا الشعور النادر… شعور الانتماء، والحب الذي لا يشوبه شيء ، التفت الجميع نحو "الخاله"، وكأنهم ينتظرون منها الإشاره التاليه ، لكن بدلاً من أن تلتفت إلى أيٍّ منهم، أراحت كفّها على ركبتها، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تهزّ رأسها ببطء ، كان هناك شيء ما ينقص… شخصٌ لم ينطق بعد، وكأن المشهد كله لم يكتمل الا بهِ ، رفعت عينيها أخيرًا، لتقع على الشخص الوحيد الذي لم ينطق "ياسين"


ابتسمت، تلك الابتسامه التي تحمل من الحب ما يعجز عنه الكلام، ثم هتفت بصوتها المليء بالشجن، وكأنها تنادي قلبه لا أذنه:


"الكل نطق… إلا أنت، يا بن قلبي"


لم تكن كلماتها مجرد جمله عابره، بل إعلانٌ يحمل من الحقيقه أكثر مما توقعه الجميع  لم يكن مجرد فرد في العائله، بل كان الامتداد الحيّ لنبضها، الشخص الذي حين تحزن، يشعر بها قبل أن تتكلم، وحين تضيق به الدنيا، تجد أنه يحاول حملها على كتفيه دون أن يطلب منه أحد.


حمل "ياسين" نظرات الجميع، لكنه لم يستطع أن يزيح عينيه عن  "الخاله"  التي كانت دومًا وطنه الأول ،  شعر وكأن كل الأحاديث والضحكات التي ملأت المكان تلاشت فجأه ، ولم يتبقَّ سوى صوتها، الذي غاص عميقًا في قلبه دون استئذان


ابتلَع غصةً في حلقه، شعر بها ثقيلةً أكثر من أي وقت مضى ، حاول أن يبتسم، لكنه لم ينجح سوى في رسم ظلّ ابتسامه ، بينما عيناه فضحتا كل شىء  التعب، الامتنان، والحب الذي لم يُقال


لم تنتظر " الخاله " أكثر ، كانت تعرفه أكثر من نفسه أشارت إليه بكفها، وكأنها تريده أن يقترب. وحين فعل، لم تتردد لحظه في أن تضع يدها على وجنته، تمسح بها آثار السنين التي عانى فيها دون أن يشكو، وقالت بصوتٍ لا يشبه سوى صوت الأم حين تخاطب قلب ابنها:


"الناس تقول السند يبقى الأخ… وأنا أقول السند يبقى ياسين"


لم يستطع "ياسين" أن ينطق بكلمه واحده، شعر وكأن الكلمات خانته حين احتاجها ، لكنه لم يكن بحاجه إليها، فقد رأتها "الخاله" في عينيه، في ارتجافة شفتيه، وفي الطريقه التي مدّ بها يده ليقبّل كفها ببطء، وكأنه يشكرها على شيء أكبر من أن يُقال


ساد الصمت مرةً أخرى، لكن هذه المره لم يكن صمت الانتظار… بل صمت الامتلاء.


لحظةٌ تجسّد فيها كل شيء ..الحب..العائله.. والانتماء.


                              𝑀𝒜𝐻𝐸𝐸


يَمر الوقت ومعهُ تَمر حياتنا أمامنا وتكشف لنا اسرارها دون استئذان 


جَلس "ياسين" أمام البحيره التي طالما أحبها،  ساكنه كأنها مرآه  تعكس له وجهه المتعب، وروحه المُثقله بما لا يُنسى ، الى جواره، جلس "عم نصير" يتأمل الماء هو الآخر، قبل أن يقول بصوتٍ هادئ، امتزج بشجن المساء:


"من يوم ما القريه اتبنت وأبوك مسكها، وانتَ وعلي صممتوا يكون في بحيره في وسطها ، أنا فاكر يوم ما حفرتوها بأيديكم، وأبوك كان معترض، بس أنتَ صممت، فاكر يا ياسين"


صمت "ياسين" ، يُطالع المياه وگأنه يبحث فيها عن إجابه، ونبس دون أن ينظر إليه:


"فـاكـر"


ابتسم بسخريه ، ولكنها ابتسامه قصيره سرعان ما تلاشت :


"فاكر يا عم نصير... يمكن ده اللي منغص عليَّا دنيتي، إني فاكر ومش قادر أنسى... ساعات بتمنا أنسى ، مع إني مش عايز أنسى... أو يمكن مش عارف انسى "


فَهم "نصير" مَقصده وتنهد تنهيده طويله ، وكأنه يشارك "★ياسين" حمل ذاكرته، ثم قال بصوت يحمل رجاءً:


"لازم تنسى يا ياسين... بكره الأيام تنسيك يا بني"


انتفض ياسين واقفًا، نظر إليه بعينين مليئتين بالوجع، وكأنه يسأله عن أمرٍ يعرف جوابه مسبقًا:


"عندك حق، الأيام بتنسّي، صح .. أنا حتى نسيت عدد الأيام اللي عدت من غيرها... تقريبًا 4483 يوم ، مش كتير، مش كفايه ، صح .. أو يمكن يادوبك 87678 ساعه... برضه مش كفايه"


ضحك بسخريه مرةً أخرى، ضحكه تحمل وجعًا، قبل أن يلتفت إليه :


"بس أنا في الآخر أكيد هنسى، مش معقول هفضل طول عمري كده، فاكرها في كل نفس ، وفي كل مكان  قُولي يا عم نصير... هنسى، صح"


صمت "عم نصير" للحظات، ثم وضع يده على كتف "ياسين "، ونظر إليه بعينين أنهكهما الزمن والذكريات، قبل أن يقول بهدوء:


"يمكن تنسى يا ياسين... ويمكن تفضل فاكر اللي يفرق هو إزاي بتفتكر"


قَطع حديثُهما هذا دخول " الطبيب" فَتوجه لشقيقه ، يبادره بِسؤال قلق  : 


" مــالــك ياياسين " 


مسح على وجهه بتعب وحاول التبرير بقول: 


" مافيش حاجه ياعلي "


وقع بصره على ظرف قديم يحمله "علي" بين كفه 

لم يكن مجرد ورقه مطوية داخل غلاف قديم، كان أكثر من ذلك... كان أشبه بشيء نُسي في قلبه، ثم عاد لينبض من جديد


دون وعي، شردت نظراته إليه، وكأن بينه وبين الظرف خيطًا غير مرئي يشده نحوه ، تسارعت أنفاسه، شعر "ياسين" بقلبه يضرب صدره بضربات غير منتظمه ، كأن داخله طَريقٍ خافت ينبعث من الماضي يداه تجمدتا، لكنه شعر برعشه خفيفه تسري في أوصاله، كأنها رجفه اعتراف لم يطلبه لكنه حضر


امتدت أصابعه لا إراديًا، لكنه لم يمسكه بعد  اكتفى بالنظر إليه، يتأمله كما يتأمل شخصًا عائدًا من الموت ، كأنه يعرفه... كأنه شعر بها فيه... كأنه منها ولها


مرر لسانه على شفتيه الجافتين قبل أن يهمس بصوتٍ خرج مرتجفًا رغمًا عنه:


"ايه الظرف اللي في ايدك ده " 


شعر بربكته ، واهتزازه وقبل أن يعطيه لهُ طالبه  "الطبيب" : 


" هتعرف لما نوصل ، تعالى معايا دلوقتي  " 


فَعل " ياسين " ما طلبه منه شقيقه ورحل معهُ وبمُجرد أن رَحل سأله : 


" مجاوبتش على سؤالي برضوا ايه الظرف اللي في ايدك ده  ، واحنا رايحين فين " 


انتبه لهُ "الطبيب" جيداً وتابع وهو يَقص عليه ما أرسله : 


" المكان اللي وصتني اديك فيه الرساله  " 


ابتسم بِحيره قبل أن يسأله : 


" تُقصد .... " 


"ارتجف قلبه ما إن همس له خاطره بأنها قد تكون منها... رساله عبرت الزمن لتصل إليه الآن. والنتيجه .. أنه هنا ، واقفًا أمام المكان الذي لم يتوقعه ، المكان الذي احتفل معها فيه عندما أتمت عامها السادس عشر


عينيه تجولتا ببطء، وكأن ذاكرته تعيد تشكيل المشهد من جديد... كانت هنا .. كانت بِجواره ..كانت أقرب من أي وقت مضى ..رفع نظره إلى "حظيرة المواشي" وحينها، اجتاحه طوفان الذكرى، واستعاد لقائهما  بكل ما فيه من دفء ووجع كأنه يسمع صوته يتردد بين الجدران القديمه حينَ سألها :


" طيب لما الجاموسه بتولد الطور بيحزأ ليه " 


أفاقه صوت "الطبيب" ، حين لمح الدموع في عينيه دون أن تسقط تعثر "الطبيب"  قليلًا قبل أن يقول بصوت متردد:


" انا مش عارف اقولك ايه اترددت كتير قبل ما اقولك ، بس في الأخر برجع واقول دي وصيتها اللي وصتني بيها قبل المعركه "


تجمد "ياسين" في مكانه، وكأن الزمن توقف ونجح " الطبيب" بأثارة فضوله أكثر وقبل أن يسأل أرضا " الطبيب" فضوله بقول : 


"قبل المعركه بيوم شمس بعتتلي غدير عشان كانت عايزاني وقالتلي انها مستنياني فوق سطح مزرعه داغر "


قطب "ياسين " حاجبيه باهتمام وشرد 

" الطبيب "بذكرياته الى ذلك اليوم حين استدعتهُ 

" شمس" وهي تخبره بِصوتٍ مهزوز  : 


"اجلس بجواري هنا ايها الطبيب" 


فعل كما طلبت، لكنه لم يستطع منع نفسه من سؤالها، محاولًا إخفاء قلقه:


" ايه اللي مقعدك على السور كده مش خايفه لا تقعي " 


ابتَسمت بسمه قصيره سرعان ما تلاشت تطالع الفراغ أمامها : 


" ومم أخاف ، اهناك اسوأ مما هو قادم بالغد " 


حاول" الطبيب" تخفيف التوتر بأبتسامه زائفه  : 


" لاء  ، بس هيبقى في أسوأ لو موتي قبل ما العربي يموت ، حافظي على حياتك بقى لحد بكره بس " 


ابتسمت تطالعه بعيون بان بها تأثرها قبل أن تَهمس بِصوتٍ خافت : 


" معك حق ، فيجب علينا جميعًا المحافظه على حياتنا لحين الغد ، وبعد ذلك لم تعد لحياتي معنى"


حاول التبرير : 


" شمس .. أنا كنت بهزر انتِ حياتك مهما جداً عندنا ووجودك وسطنا.. " 


بترت حديثه واسترسلت : 


" ما هو الا مشكله " 


سألها بِعدم فِهم : 


"ليه بتقولي كده ياشمس ، أنتِ عارفه ومتأكده أنتِ مهمه ازاي في حياتنا كلنا " 


ردت بما هو بعيداً عن سؤاله ، تطمئنه بِقولها : 


" لا عليك ، فأنا لم استدعيك للحديث عن ذلك ، ولكن لكي أخبرك بشىء " 


أنصت اليها " الطبيب" باهتمام فأردفت بِصوتٍ ثابت رغم رعشه خفيفه في حروفها : 


"لقد استمعت إلى كل شيء، وعرفت كم أحبني ياسين... منك، ومن الجميع، ومن نظراته حتى وهو صامت ، وكأنني عشت كل لحظه معه، كل شعور، حتى في غيابه ، لقد ضحى من أجلي، اختار أن يبقى معي حين كان بإمكانه النجاه

 اختار أن يموت بدلاً من أن يتركني وحدي ، لا أعلم إن كنت أستحق هذا أم لا ، لكني أعلم أنه كثير... كثيرٌ حدّ الألم"


"وعمار..."


توقفت للحظه، وكأن الاسم وحده حمل ثقلاً فوق قدرتها على الاحتمال أغمضت عينيها  قبل أن تتابع، ونبرتها تحمل رعشه خفيه:


"عمار سيموت من أجلي دون ذنب... لم يكن عليه أن يدفع الثمن لكنه فعل، والآن سيقتله العربي غدًا، وسأقف أنا هنا، عاجزه، أنتظر النهايه وكأنها قدر محتوم"


رفعت عينيها نحوه، طالعتهُ بِنظره خاليه من الألم ، بل قرارًا... يقينًا لا رجعه فيه توضح لهُ ما عندها بقول :


"لن أسمح أن يُصيبهما مكروه... لن أسمح بذلك غداً"


عاد "الطبيب" من ذاكرته يقص عليه ما حدث، تردد قليلًا وهو ينظر إلى الظرف القديم بين يديه، ثم رفع عينيه إلى "ياسين"، الذي كان يقف أمامه، مزيج من القلق والارتباك يكسو ملامحه ، تنهد  قبل أن يقول، بنبره مُبطنه بالتردد:


"شمس... قبل المعركه، أدتني ظرفين، واحد ليك، والتاني لعمار، وقالتلي إن اللي هيقدر يعيش من غيرها وينساها، لازم أحرق جوابه وما أوصّلهوش، واللي حياته هتقف من بعدها، هو اللي يستحق رسالتها ، عشر سنين عدّوا زي ما وصت ... وانت الوحيد اللي واقف لسه في نفس المكان، مش عمار"


مد كف يده بالظرف لـ "ياسين"، لكن قبل أن يلمسه، استوقفه "الطبيب" بنظره جاده، قبل أن يضيف بصوت أعمق:


"وصّتني بحاجة أخيره... قالتلي الجواب تستلمه هنا بس ما يتفتحش غير لما أوديك عند التل اللي في الشجره ، المكان اللي بتعتبره انتَ وهي بتاعكم انتوا بس... وقالتلي لما تقف هناك، هتعرف ليه"


وما هي إلا دقائق حتى وصلَ كل منهما عند المكان المحدد، خفق قلب "ياسين" بعنف، كأن أحدهم أيقظه من حلم طويل لم يكن يدرك أنه غارق فيه، حدّق في المكان للحظه ، ثم إلى الظرف الذي ظل معلقًا بينهما ،  لم يمد يده بعد، لكنه شعر بأن حراره تسري في أوصاله، وكأن الذكرى نفسها عادت للحياه بين أصابعه قبل أن يمسكها حتى.


لم يكن مجرد ظرف... كان قطعه من شمس، عادت إليه بعد عشر سنين من الغياب.


امتدت يده ببطء، تردد " ياسين " للحظه، ثم أمسك بالرساله أخيرًا، عندها فقط، أدرك أن الزمن لم يأخذ شمس منه بالكامل... بل ترك له منها شيئًا أخيرًا، تركه " الطبيب "بين طيات هذا الورق ، واقفاً عند الشجره العتيقه ، تلك التي لم يكن يدرك قيمتها حتى هذه اللحظه ، في يده الورقه التي أرسلها إليه القدر، أو ربما روح شمس، ليقرأ كلماتها الأخيرة ،  كان الهواء يعبث بأطراف الورقه، وكأنه يحمل صدى صوتها، ذلك الصوت الذي افتقده:


عزيزي ياسين:


لطالما تمنيت لو أستطيع أن أخطّ بيدي هذه الكلمات، لكنني لم أكن أعرف كيف، فاستعنتُ بـ"الخاله " لتكتب لك ما لم أستطع أن أقوله من قبل...


"كم أتمنى أن تكون حاضراً بجوار شجرة التل الآن، حينها، وبنفس اليوم، نكون معًا، أنتَ وأنا.. كان قلبي يخفق لأول مره بمعنى لم أكن أدركه تمامًا حينها.. هل ترى الأطفال حولك؟ هل ترى تلك الصغيره بجوارك.."


رفع رأسه يطالع الجوار، وقعت عيناه على تلك الطفله الصغيره التي أخذ منها الطائره الورقيه يومها، تجمد مكانه للحظه، ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئه ، عيناه تمتلئان بالدموع.


"عمو ، الطياره عجبتك.."


سألته الطفله ببراءه وهي ترفع الطائره إليه.


ابتسم "ياسين" بحزن، مدّ يده ليلامس الطائره بحنان، وكأنه يلمس ذكرى بعيده تسكن أعماقه قائلاً:


"جدا.. عجبتني جدا"


تركته ورحلت في سعاده  بينما هو عاد ليقرأ كلماتها تخبرهُ بما يراه الآن:


"أكاد أجزم بأنك رأيت تلك الطفله التي تركض بطائرتها الورقيه ، ورأيت الفرحه التي تملأ عينيها وسمعت ضحكتها العاليه وهي تهتف بسعاده 


أنتَ أعطيتني هذه اللحظه يا ياسين، أنت من جعلتني أشعر كما شعرت هي الآن، خفيفه، حره، وكأن العالم صار مكانًا أكثر دفئًا لمجرد أنك فيه


أتعلم، كنتَ تقف هنا يومها، على هذه الأرجوحه، وتُمرجحني كأنني أميره صغيره، تضحك وأنا أضحك، ثم تتوقف فجأه وتبدأ بتمشيط شعري، كنت تصنع لي السُنبله من خُصلات شعري، وتقول إنها تليق بي "


حينها تقدم "ياسين" نحو الأرجوحه بِخطواتً بطيئه ، جلس عليها، ومرر أصابعه على الحبال القديمه، شعر بوقع الذكرى في قلبه، كأن يديه لا تزالان تلامسان خصلات شعرها ، أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا.. وفجأه، شعر بها..


فتح عينيه ببطء، كان المكان هادئًا، لكنه شعر بشيء يتحرك أمامه، ربما مجرد إحساسه... ربما كانت شمس هنا 


تقف على بُعد خطوه منه ، تنظر إليه بذلك البريق الذي لم يفهمه يومًا، لكنه الآن يراها أمامه … حنين، حب، ووداع.


قلبه ضرب صدره بعنف، رفع يده ببطء، أصابعه امتدت نحو وجهها، يريد أن يشعر بها، أن يتحسس ملامحها، أن يتأكد أنها هنا، ليست مجرد وهم…


لكن الهواء عبر بين أصابعه، خفيفًا، باردًا وقاسيًا كذلك ..


شفتاها تحركتا، وصوتها وصل إليه كنسيم خافت، بالكاد لامس سمعه، لكنه اخترق روحه، تسلل إلى قلبه كجرح أبدي:


"أنا حبيتك يا ياسين"


اشتدت الرياح في لحظه، وبدأت ملامحها تتلاشى، شعر بأن الهواء يسحبها منه ، حاول أن يتمسك بها، أن يبقيها هنا، أن يقول شيئًا، أي شيء، لكن صوته لم يخرج… كانت تختفي أمامه، تتناثر كذرات غبار في ضوء الشمس، تتلاشى كما لو أنها لم تكن يومًا.


أغمض عينيه بقوه ، كأن ذلك قد يعيدها، وحين فتحهما... لم يجد سوى الفراغ


وقف هناك للحظه ، تجمد جسده، لكن داخله ينهار.  فتح الورقه بيده المرتعشه من جديد، عيناه تبحثان في السطور كالغريق ، حتى توقف عندها… عند تلك الجمله الأخيره ووجدها تخبره بين أسطرها : 


"أنا لا أكتب لك لأذكّرك بالماضي، بل لأحكي لك عن اللحظه التي كنا سنعيشها معاً تحت هذه الشجره، فوق هذه الأرجوحه، وبين ضحكاتنا التي سرقتها منا الأيام ولكى أخبرك 


وختمت كلماتها بقول:


"أنا حبيتك يا ياسين"


لم  يستطيع التماسك أكثر، سقط على ركبتيه، والورقه بين يديه تهتز كقلبه الذي لم يعد يحتمل، انهمرت دموعه بغزاره ، لم يعد يبالي بشيء، لم يعد يعرف كيف يتنفس، كيف يوقف هذا الألم الذي مزقه للتو 


لقد شعر بها… رآها… سمع صوتها… لكنه أدرك حينها أنه فقدها للأبد.


أغمض عينيه بقوه ، محاولًا أن يدفن هذه الحقيقه في أعماقه، لكنّها كانت صارخه كالشمس في منتصف النهار ، كانت أقوى من أي إنكار، من أي محاولة للنسيان ، لماذا عليه أن يستمر ، ما الجدوى من العيش في عالم لم تعد فيه ،  ما الفائده من كل هذا الألم إن كان لا يؤدي إلا إلى المزيد منه؟


ببطء، رفع رأسه، نظراته ضائعه ، تائهه،  وقف على قدميه كان الهواء حوله ساكنًا، لكن داخله كان إعصارًا لا يهدأ نظر إلى الحافه ، إلى التل الذي كان سيشهد على ضحكاتها ذات يوم، وشعر أن النهايه قد تكون هنا، عند النقطه التي بدأ منها كل شيء.


تقدم خطوه ثم أخرى ، لكنه لم يصل أبدًا إلى الحافه ، في اللحظه التي كاد فيها يتقدم أكثر، شعر بلمسه دافئه تمسك بيده، صغيره، ضعيفه، لكنها حملت كل الثقل الذي أبقاه على الأرض.


كانت "شمس الصغيره"، ابنة عمار، تنظر إليه بعينيها البريئتين، تعقد أصابعها حول أصابعه، كأنها تحاول جذبه بعيدًا عن الهاويه دون أن تفهم تمامًا ما كان على وشك فعله هاتفه :


"عمو ياسين... عايزه اطير طياره "


اهتز جسده، وكأن صوتها أعاده إلى الواقع ، طالعها وكأن القدر وضعها هنا لتذكره بشيء نسيه وسط كل هذا الألم ، مسح دموعه فور رؤيتها وقال :


" شمس ، ايه اللي جابك هنا " 


التفت، ووجد الجميع حوله الخاله ، وعمار، ويزن، والطبيب، وزهرة... كلهم بلا استثناء ، يراقبونه بعيون ممتلئة بالقلق والرجاء.


تقدم "عمار "خطوه ، صوته كان عميقًا، لكنه مهزوز:


" لاقيناك اتأخرت قولنا نيجي نشوفك ، ونبقى معاك .. أنتَ مش لوحدك ياياسين "


لم يعرف ياسين كيف يرد، شعر أن الكلمات لم تعد تكفي، أن لا شيء يمكن أن يشرح هذا الفراغ الذي يملأ صدره مسح دموعه سريعًا، كأنه يخشى أن يراها أحد، ثم قال بصوت مرتعش:


"أنا... أنا كويس، مفيش حاجه ، مش عارف الوقت اخدني ولاقيت نفسي هنا ازاي  "


 اقتربت منه " الخاله "، وضعت يديها على وجهه، كما لو كانت تبحث عن الطفل الذي ربّته في هذا الرجل المنهار أمامها.


 "إنت كنت هتعمل إيه، يا ابني"


تجمّد، لم يعرف ماذا يقول، كيف يشرح أنه لم يكن يريد الموت بقدر ما كان يريد الخلاص،  لكن الحقيقه كانت واضحه، لا تحتاج إلى تفسير


ثم، دون أي كلمة إضافيه، سحبته "الخاله" إلى أحضانها لم يقاوم، فقط أغمض عينيه، شعر بذراعيها حوله، كأنها تحاول أن تلم شتاته، أن تعيد إليه شيئًا فقده منذ زمن بعيد فسألها وهو مازال بداخل حضنها : 


" شمس كانت سايبه ايه لعمار ياخاله " 


همست في أذنه بقول : 


" كانت بتقوله يعيش حياته وانه يستاهل واحده احسن منها بكتير لو كان لسه مش قادر ينساها بس طالما نسيها يبقى مالهوش لازمه جوابها ضنايا"


مسحت "زهره"  دموعها، تنظر إليه بقلب مثقل، بينما وقف "عمار" و "بربروس" إلى جواره، لم يقل شيئًا، فقط رفع يده وربّت على كتفه


ثم جاءت شمس الصغيره ، تلك التي لم تفهم ما كان يحدث، لكنها شعرت أن هناك حزنًا ثقيلًا يُخيّم على الجميع نظرت إلى "ياسين"، ثم إلى الطائره الورقيه التي تحملها، ومدت يدها إليه:


"تعالى ياعمو ياسين نطير الطياره سوا  بقى"


نظر "ياسين" إلى الطائره، ثم إلى "عمار"، ثم إلى الجميع لم يكن يعلم ماذا يفعل، لكنه شعر بأنه بحاجة للهروب


أخذ منها  الطائره ، ثم بدأ يركض معها بين الأطفال، كأنه يحاول الهروب من كل شيء، من وجعه، من نفسه .. فعل " عمار" ويزن " المثل وأخذ "رعد" طائره لأبنته ، الجميع أخذ يهرول وتحول المشهد الى سعاده غامره بينهم يحركون الطائرات الورقيه فيما بينهم يضحك الجميع وهو معهم 

 يهرول معهم، يلهو، لكنه كان يعلم أن الضحك هذه المرة ليس إلا قناعًا، قناعًا واهنًا يخفي خلفه كل شيء لم يستطع قوله


وهنا سمع صوت اغنيه تأتي من الخلف قام حسان بتشغيلها بمحض الصدفه وكأنها تتحدث عنه بقول : 


"انا دلوقتي عايش فتره مش سهله بحاول فيها اتعود على بعدك ، بصبر قلبي وبقول هي مستاهله 

يومين اتنين وهنساكي وهعيش بعدك "


لفتت كلمات الاغنيه انتباهه وكأنها تعبر عن حاله ، أخذ يجذب الطائره يطالعها بعينيه ولكن انتباهه كان مع تلك الكلمات التي تشرح حاله فسأله الطبيب للمره التي سأم من عدها بقول : 


" انت كويس دلوقتي ياياسين صح " 


ابتسم وهو يشير برأسه مع ابتسامه تفنن في صدقها بقول : 


"  مرتاح الحمدلله " 


لتأتي كلمات الاغنيه في الخلفيه تكذب كلماته بقول : 


" عايش في عذاب ، بقول مرتاح وانا كداب ، ده انا بعدك بموت سيباني بس لمين " 


 نظر إلى الأرض للحظه ، شعر كأن صوت الأغنيه يضرب صدره مباشرةً لم يعد يشعر بشيء ،أو ربما شعر بكل شيء دفعه واحده لكن قبل أن يغرق في دوامة أفكاره، جاءه صوت " شمس ابنه عمار " الطفولي، صادقًا، نقيًا، يمد له يدًا صغيره وسط هذا الظلام : 


" الحق ياعمو ياسين الطياره هطير " 


رفع رأسه إليها، ليرى عينيها تلمعان بذكاء، عرفت أنها تكذب عليه فقط لجذب انتباهه، لكنها كانت أجمل كذبة قد يسمعها اليوم فقال : 


" بتكذبي عليا يابنت عمار ، طيب تعالي بقى " 


انطلقت الصغيره تركض ضاحكه، تضع يدها على فمها كأنها تخشى أن يُمسك بها، فركض خلفها يضحك هو أيضًا، ركض دون أن يفكر، دون أن يحمل وزنه الثقيل فوق كتفيه


وحين لحق بها، أمسكها بين ذراعيه، رفعها عاليًا، ثم بدأ بالدوران بها في دوائر، وضحكاتها تتعالى مع كل دوره، وكأنها تحلق فوق العالم


ضحك الجميع، وحتى ياسين


لكنه وحده كان يعلم أن ضحكته هذه، مثل الطائره الورقيه التي تطير في السماء، جميله من بعيد، لكنها هشه... قد تسقط في أي لحظه


ممكن طالما وصلت لحد هنا مجرد لاف اذا امكن يبقى متشكره جدا ليكي 🎀

تعليقات

التنقل السريع