القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الثالث والرابع بقلم هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات


رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الثالث والرابع بقلم  هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات 




رواية الرهينة و العاشق المنتقم الفصل الثالث والرابع بقلم  هبة أبو الفتوح حصريه في مدونة قصر الروايات 




الرهينه


للكاتبه هبه ابو الفتوح

الفصل الثالث و الرابع 


(الرهينة الفصل الثالث)


بدأت بالبكاء بقهر، شهقاتها تتعالى، كأن كل الألم الذي صمتت عنه انفجر في تلك اللحظة. لم تعد تستطيع الاحتمال، ولم تستطع أن تكون قوية أكثر، لم تستطع أن تخفي تلك الجروح التي نزفت داخلها أكثر مما ينبغي.


في تلك اللحظة، أدركت أنها لم تكن بحاجة إلى انتقام… بقدر حاجتها للعدالة، للسلام، وللنجاة من هذا الجحيم الذي سقطت فيه.


جلس راغب في شرفته، تتلاعب أنفاسه مع نسمات الهواء الباردة، فيما اجتاحت ذاكرته تلك الذكريات القديمة التي لم تفارقه منذ خمسة عشر عامًا. أغمض عينيه قليلاً، وكأنه يسافر عبر الزمن، ليعود إلى تلك الليلة التي لم تمحَ من ذهنه أبداً…


عودة إلى الماضي…


خرج راغب من الكافيه ممسكًا بيد امرأة جميلة، لم تكن فقط فاتنة الملامح، بل كانت تحمل في نظرتها سحرًا لا يقاوم. كانت تقاربه في العمر أو تصغره بقليل، تنظر إليه بعشق طفولي، وكأنها وجدت في يديه وطنها الوحيد. سار معها على الكورنيش تحت ضوء المصابيح الخافتة، تتراقص حولهم أصوات الأمواج، قبل أن يقطع الصمت قائلاً:


ـ إيه رأيك يا صبرنتي نتمشى شوية ونأجل المرواح شوية؟


توقفت قليلًا وكأنها تفكر، ثم نظرت إليه بعينين لامعتين وقالت بدلال:

ـ بصراحة… وأنا كمان مش عايزة أروح، عايزة أفضل معاك أكتر.


أنهت حديثها بنبرة ناعمة، فابتسم راغب، لكنه سرعان ما جمد تعابيره وردّ بنبرة جادة قليلاً:

ـ لا، اظبطي كده، احنا في الشارع يا حبيبتي، ها! مش ناقص غير ياخدونا على بوليس الآداب، فا برا تبقي عشماوي معايا!


ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، لكنها سرعان ما غلفتها بدلال أكبر وقالت:

ـ وعيون حبيبك… عايزاك دلوقتي يا عمري، بس بلاش العصبية والتحول ده! احنا خارجين نفك عن نفسنا شوية يا راغب، ليه بقى العصبية؟ وبعدين محدش كان سامع صوتي بجد، كل مرة بتزعلني وتخليني أخاف منك.


زفر بضيق، وكأنه يحاول كبح أعصابه، ثم مرر يده على وجهه وقال باعتذار حقيقي:

ـ حقك عليّا والله، بس فعلاً أنا الفترة دي أعصابي تعبانة من الشغل، ممكن أكون شدّيت عليكِ غصب عني يا بابا… متزعليش.


نظر إليها بحنان، وكأنه يريد أن يعوضها عن كلماته السابقة، ثم اقترب منها فجأة، وأمسك يدها برفق وقبلها أمام الجميع، في جرأة لم تعهدها منه من قبل. حدقت فيه بصدمة، بينما تعالت حولهما همسات الفتيات المارين بجوارهما، بين معجبة تتمنى لو كانت مكانها، وحاقدة تشتعل غيرة مما رأته.


شعرت بحرج شديد، وسحبت يدها بسرعة وهي تهمس بغضب:

ـ عجبك كده يا سي روميو؟! أهم أعجبوا بيك!


ثم استدارت وتركته وذهبت، بينما ظل هو ينظر إليها باندهاش ممزوج بضحكة مكتومة. رفع رأسه قليلًا، فرأى نظرات الفتيات الأخريات المليئة بالإعجاب، لكنه سرعان ما عبس، وكأنه أدرك الخطأ الذي ارتكبه. لم ينتظر أكثر، وتدارك الأمر فلحق بها، يحاول تهدئتها، وكسب رضاها مرة أخرى. كان يعلم أنها صغيرة على تحمل مزاجه المتقلب، لكنه كان يعشقها، ويرفض أن يراها غاضبة منه. كانت طريقه إليها شاقًا، ولن يسمح لنفسه بأن يخسرها بسبب لحظة طيش.


وفي داخله، كان راغب يدرك جيدًا…

أن هذه المرأة لن تكون مجرد حبيبة، بل ستكون أم أولاده، وأكبر حب في حياته.


 عودة…

أفاق راغب من شروده على صوت شهقات متقطعة وبكاء مكتوم، زفر بضيق وهو ينهض ليرى من في الخارج، لكنه تفاجأ عندما وجد شذى جالسة على سجادة الصلاة، منكفئة برأسها تبكي بحرقة، وملامحها يكسوها الألم.


وقف للحظة يراقبها بصمت، ثم تنهد بأسى، ممزوج بالحزن على تلك الفتاة التي دخلت في دوامة مظلمة، يعلم جيدًا أنها لن تخرج منها دون خسائر. كانت عالقة بين ألمها وخوفها، وأي محاولة للنجاة لن تكون سهلة.


انتظر حتى انتهت من صلاتها، ثم اقترب منها وجلس بجوارها، مسندًا ظهره للحائط، ونظر إليها بطرف عينيه قبل أن يقول بصوت هادئ يحمل شيئًا من المزاح:


ـ على فكرة، أنا خلصت صلاتي قبلك من بدري… وانتي لسه بتعيطي!


رفعت رأسها ببطء، نظرت إليه بعينين حمراوين من كثرة البكاء، وكأنها كانت تغرق في بحر من الألم، ثم همست بصوت خافت متقطع:


ـ تقبّل الله…


نظر إليها راغب للحظة، وتعجب من نفسه… لماذا يشعر برغبة في الحديث معها؟ لماذا يشعر بأنه مسؤول عن إخراجها من حالتها هذه؟ زفر بخفوت ثم قال، محاولًا استكشاف حقيقتها:


ـ عرفيني عن نفسك… وإيه سبب معرفتك بجواد؟


وبمجرد سماعها لاسمه، ارتجف جسدها بعنف، وانقبضت أنفاسها كأنها تلقت صفعة غير مرئية، وضمت ذراعيها حول جسدها وكأنها تحاول حماية نفسها من شبح ما.


أدرك راغب أنه أخطأ بذكر اسمه، فبادر بسرعة لطمأنتها، ونبرته هذه المرة كانت أكثر لينًا:


ـ متخافيش… أنا معاكِ، هو مش هنا، ومفيش حد هيقدر يؤذيكِ طول ما أنا موجود.


ظل يراقبها، محاولًا أن يمنحها الأمان الذي فقدته… لكن السؤال الحقيقي، هل ستتمكن من الوثوق به؟


أستمر راغب في صامتًا تام وهو يستمع إليها، يراقب حركاتها، نبرات صوتها، وحتى ارتجاف يديها الخفيف وهي تتحدث. كانت كلماتها تنبع من جرح غائر، أعمق بكثير من مجرد قصة صحفية أو مطاردة رجل أعمال فاسد.


تنفست شذى ببطء، وكأنها تحاول استجماع ما تبقى من قوتها، قبل أن تبدأ بالكشف عن الماضي الذي دمرها:


ـ أنا اسمي شذى العمراني، عندي 27 سنة، صحفية في قسم الجرائم والأبحاث. عرفت جواد من حوالي خمس سنين في بداية شغلي. وقتها، كانت فيه ترقية كبيرة جدًا لأي حد يقدر يجيب أخبار عنه. كنت شايفة إن الموضوع مش صعب، في النهاية، هو مجرد رجل أعمال سمعته كويسة… إيه اللي ممكن يكون غريب في حياته؟


تنهدت، تذكرت لحظة اتخاذها لهذا القرار، اللحظة التي لم تكن تعلم أنها ستغير حياتها للأبد.


ـ بدأت أراقبه وأجمع معلومات عنه، لحد ما قدرت أوصل للناس اللي كانوا معاه، أو بمعنى أدق… أعداؤه. ومن هنا، بدأت أكتشف الجانب المظلم من حياته، شغله القذر، التجارات اللي بيديرها في الخفاء. حاولت وقتها أجمع أدلة كتير، وتحالفت مع ناس كانوا عايزين يوقعوه، ولحد ما قدرت أمسك عليه ملفات لو كانت وصلت للمكان الصح، كان زمانه ميت دلوقتي.


بلعت ريقها، ثم أكملت بصوت مرتعش، وكأن الذكريات تطاردها بلا رحمة:


ـ مش بس كده، قدرت أوصل لناس أكبر منه، ناس هم اللي مشغلينه لحسابهم… مصالح تانية، جرائم أكبر. كنت فاكرة إني خلاص، وصلت للحظة اللي هحقق فيها العدالة… لكن اللي حصل كان العكس تمامًا.


في هذه اللحظة، أغمضت عينيها، كأنها تحاول منع دموعها من السقوط، لكنها فشلت.


ـ حياتي كانت هادئة وبسيطة… كنت مجرد بنت عندها أحلام وطموحات، لكن دلوقتي؟ أنا خرجت من الحرب دي وأنا خسرانة كل حاجة… خسرت شرفي، سمعتي… الحاجتين اللي كانوا أهم حاجة في حياتي.


رفعت رأسها، وعيناها تملؤهما نظرة حاسمة، نظرة لم يراها راغب من قبل، لم تكن نظرة استسلام، بل نظرة انتقام نقي، صافي، لا يحمل أي تردد.


ـ أنا عايزة القصاص، راغب.


ظل ينظر إليها للحظات، يحاول أن يستوعب عمق الألم الذي تحمله داخلها. لقد التقى بالكثير من الجروح، لكنه لم يرى جرحًا مثل هذا… جرح سرق منها كل شيء، وتركها مجرد ظل لإنسانة كانت يوماً ممتلئة بالحياة.


لكن السؤال الآن… هل سيكون راغب هو من يمنحها هذا القصاص؟ أم أن هذه الحرب لن تنتهي إلا بمزيد من الضحايا؟

في ذلك الوقت، استيقظت يارا على صوت خافت قادم من الخارج، شدّها الإرهاق لكنها لم تستطع تجاهله. نهضت من سريرها بتثاقل، متوجهة نحو ركن الصلاة، حيث اعتادت أن تؤدي صلاة الفجر كل يوم. خرجت من غرفتها ببطء، وما إن اقتربت، حتى تفاجأت بالمشهد أمامها.


راغب يجلس بجوار تلك الفتاة الجديدة… شذى. كانت الأخيرة تمسح دموعها التي لم تجف بعد، بينما هو بدا شاردًا، يفكر بعمق في شيء ما. عقدت حاجبيها بقلق واقتربت منهما أكثر، قائلة بصوت ناعس:


ـ صباح الخير… صاحيين بدري بتعملوا إيه؟ في حاجة يا راغب؟ أنت كويس؟


انتفض راغب من مكانه قليلاً، ثم نهض واقترب منها، وقبل رأسها كعادته، مما جعلها تطمئن قليلاً، لكن شعور القلق لم يغادر قلبها. قال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا داخليًا:


ـ أنا ما نمتش أساسًا، كنت صاحي… وشذى شكلها منمتش برضه وكانت بتصلي. المهم… إيه اللي صحّاكِ دلوقتي؟


نظرت إليه بتعجب، شعرت أن هناك أمرًا يخفيه عنها، فعادت تسأله بقلق:


ـ أنا كنت قايمة عشان أصلي الفجر… بس أنت، إنت كنت عايز تصحّيني ليه؟ في إيه؟


حاول أن يُطمئنها، لكنه لم يكن بارعًا في ذلك، فصوته كان يحمل توترًا غير معتاد:


ـ ما تقلقيش… كل حاجة بخير، بس… لازم نسيب الشقة دلوقتي، ومن غير ليه!


تجمدت يارا في مكانها، حدقت به وكأنها لا تستوعب ما قاله، ثم هتفت بانفعال:


ـ نسيب الشقة؟! ليه؟ إحنا هنا في أمان، مفيش مكان تاني نروح له، ده مخبأنا الوحيد، راغب!


أخفض عينيه للحظة، شعر بثقل الكلمات التي سيقولها لكنه لم يجد مفرًا من مواجهتها بالحقيقة:


ـ جواد على قرُب مننا، لاحظت وأنا ماشي النهارده إن حد من رجّالته كان متابعني… لازم نتحرك قبل ما يلاقينا، وإلا هنبقى صيد سهل ليه.


ابتلعت يارا ريقها بصعوبة، نظرت حولها كأنها تحاول استيعاب الأمر. يا للأسف، حتى هذا الركن الصغير الذي كان يُشبه الوطن، أصبح عليهم مغادرته، الحاضر يفرض قوانينه عليهم بلا رحمة، والمستقبل؟ لا أحد يعلم ما الذي يحمله لهم.


تنهدت بألم، ثم قالت بصوت مكسور:


ـ هنروح فين يا راغب؟ ده المكان الوحيد اللي باقي لنا…


اقترب منها ووضع يديه على كتفيها ليطمئنها، وقال بحزم:


ـ ما تقلقيش، أنا مجهّز مكان تاني، محدش يعرف عنه حاجة. كنت عارف إن اللحظة دي هتيجي، بمجرد ما أواجه جواد وأكشف نفسي، هيفرض علينا الوضع إننا نسيب أي مكان هو يعرفه.


نظرت إليه بعينين مرتجفتين، ثم استجمعت شتات نفسها وأومأت برأسها. شعر بالراحة لأنها بدأت تتقبل الأمر، فأكمل بنبرة عملية:


ـ يلا، خدي يارا وادخلوا جهّزوا حاجتكم، لمّوا كل حاجة هنا، وشوفي شذى هتحتاج إيه. مش لازم يجي علينا الساعة 7 الصبح وإحنا لسه في المكان ده… فاضل لنا ساعة ونص عشان نتحرك.


استوعبت يارا خطورة الوضع، لم تعد تملك رفاهية الاعتراض، بل سارعت لتنفيذ ما طلبه راغب، لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير… إلى متى سيظلون هاربين؟ وهل سيتمكنون من النجاة حقًا هذه المرة؟


دخلت يا را غرفتها في صمت تام قلبها يعتصره الألم، وعقلها يرفض تصديق أن هذه اللحظة قد حانت بدأت تجهز أشياءها بيدين مرتجفتين، لكن دموعها سبقتها، تساقطت بلا إرادة، كشهادة على الألم الذي يعتريها.


وقفت في منتصف الغرفة، تنظر إلى أرجاء المكان، تلمس جدرانه بأنامل مرتعشة، وكأنها تحاول أن تحفظ كل زاوية منه في ذاكرتها. هنا كبرت هنا ضحكت وبكت هنا كانت تشعر بالأمان... كيف لها أن تغادره الآن؟ وكيف لها أن تقبل بذلك بهذه الطريقة القاسية ؟! لكنها كانت مجبرة ... مجبرة على الهرب، مجبرة على أن تترك خلفها كل شيء كي تبقى على قيد الحياة.


كلما وضعت قطعة من ملابسها في الحقيبة، كانت نيران الغضب تشتعل أكثر داخلها ازدادت كراهيتها لذلك الرجل.... جواد، ذلك الحقير الذي دمر حياتهم وقلبها رأسا على عقب. كيف استطاع أن يطاردهم بهذا الشكل؟ كيف حول حياتهم إلى جحيم مستعر ؟!


قبضت يارا على إحدى قطع ملابسها بشدة، وكأنها تخنقها، تخيلت للحظة أن بين يديها عنق جواد نفسه. أقسمت في سرها أنه لو كان أمامها الآن لما ترددت لحظة واحدة في أن تفصل رأسه عن جسده بيديها العاريتين. ستنتقم... يوما ما ستجعله يدفع الثمن غاليا، تماما كما جعلهم يدفعونه الآن.  


في الخارج، وقف راغب للحظات، ملامحه توترت فجأة، كأن ذكرى مفاجئة اخترقت عقله وأجبرته على الانتفاض من مكانه والمغادرة دون أن ينبس بكلمة. شذى، التي كانت لا تزال جالسة مكانها، نظرت حولها ببطء، إحساس غريب بالتوجس يسيطر عليها. عيناها هبطت إلى يديها، حيث الجروح والخدوش التي خلفتها الأيام القاسية، ثم رفعت رأسها ونظرت إلى أنحاء المكان. شيء ما دفعها للتحرك… لم يكن لديها الحق في التجول، لكنها لم تستطع مقاومة الفضول الذي أخذ ينمو داخلها، كان أقوى من أي منطق.


سارت ببطء، تراقب المكان بعينيها المتعبة، حتى وقفت أمام باب غرفة مغلق. حدقت فيه للحظات، ثم دفعت الباب ببطء، صوت الخشب وهو يتحرك كان هادئًا لكنه حمل ثقلًا غريبًا. عندما دخلت، وجدت نفسها في غرفة واسعة، ألوانها ساكنة، حديثة التصميم لكن بلمسة فخامة واضحة. الأثاث منظم بعناية، والهدوء الذي يعم المكان كان مختلفًا عن التوتر الذي يسيطر على باقي الشقة. لم تستطع منع الابتسامة الباهتة التي ارتسمت على وجهها، رغم أنها لا تعلم لماذا.


أخذت تخطو ببطء داخل الغرفة، تمرر أصابعها فوق قطع الأثاث بسكون، ثم… فجأة، تعثرت بشيء صغير بجوار الكومود. انحنت قليلًا لتجد حقيبة صغيرة موضوعة على الأرض. نظرت إليها بفضول، ثم مدّت يدها وأمسكت بها بحذر. عقلها أخبرها أن تتركها وشأنها، لكنها لم تستطع كبح جماح الفضول الذي التهمها من الداخل. ببطء، فتحت الحقيبة، وعيناها اتسعتا في صدمة عندما رأت ما بداخلها…


كانت مجموعة من الأوراق، بعضها قديم ومُهترئ، وبعضها حديث، لكن أكثر ما أصابها بالذهول هو أن بينها كانت هناك الأدلة التي جمعتها عن جواد! كيف وصلت هذه الأوراق إلى يد راغب؟ كيف انتهت هنا؟ قلبها بدأ بالخفقان بسرعة، ورعشة خفيفة تسللت إلى أصابعها وهي تقلب الأوراق بيدين مرتجفتين. هل يمكن أن يكون راغب كان يعرف كل شيء عنها من البداية؟ هل كان يتتبع خطواتها منذ زمن؟!


يدها توقفت عند ظرف صغير أنيق، بدا مختلفًا عن بقية الأوراق. بتردد، فتحته، ثم سحبت الورقة المطوية داخله. نظرت إلى الكلمات المكتوبة، وعيناها أخذتا تتوسعان أكثر وأكثر مع كل جملة تقرؤها. أنفاسها أصبحت غير منتظمة، وبدأت شهقاتها تتعالى دون إرادة منها. قلبها كان يتألم وكأن الكلمات كانت تمزقه من الداخل. تلك الورقة… حملت شيئًا لم تكن مستعدة له أبدًا…


اتسعت عيناها في صدمة، والورقة كادت تنزلق من بين أصابعها المرتجفة. الكلمات كانت واضحة أمامها، لكنها رفضت أن تصدقها…


ـ قاتل مأجور…


الرهينة الفصل الرابع)


خرجت الكلمات من شفتيها كأنها لعنة، كأنها شيء غير حقيقي رغم أنه مكتوب أمامها بالوضوح القاتل ذاته. قلبها بدأ بالخفقان بجنون، وكأن رئتيها رفضتا استيعاب كمية الهواء التي تحتاجها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم عادت تنظر إلى الورقة التي تحمل سيرة راغب الذاتية… هل هي الآن في منزل قاتل مأجور؟ هل تركها القدر تهرب من مجرم لتقع في يد آخر؟


„راغب المهدي، يبلغ من العمر تسع وثلاثين عامًا، كان يعمل في منظمة سرية تابعة للجهاز الأمني، حاصل على العديد من الشهادات الأمنية، ويعد من أكفأ القتلة المأجورين في المنظمة بأكملها…“


كلمات جافة، حادة، كأنها شفرات تنغرز في عقلها بلا رحمة. لم تستطع منع جسدها من الارتجاف، تشنجت أصابعها على الورقة حتى كادت تمزقها، لكنها لم تكن تهتم. ما الذي تفعله هنا؟ كيف أصبحت في هذا الوضع؟ كان من المفترض أن تهرب من خطر يلاحقها، لا أن تقع في براثن شيء ربما يكون أسوأ.


شعور بالخيانة تسلل إلى قلبها، لكن مع الخوف كان هناك شيء آخر… شيء لا تستطيع تحديده. أعادت قراءة الكلمات مرارًا، كأنها تحاول أن تجد بينها خطأ، أن تكتشف أنها ليست الحقيقة… لكن لا فائدة. الحقيقة كانت واضحة، راغب المهدي قاتل مأجور.


شهقت بقوة، وألقت الورقة بعيدًا، كأنها أصبحت سامة بين يديها. وضعت يديها على وجهها، تحاول استجماع أفكارها، لكن عقلها كان عالقًا في نفس السؤال: ماذا تفعل الآن؟


شهقت بعنف عندما شعرت بقبضته القوية تحاصر معصمها، كأنها أغلال من حديد تمنعها من الفرار. جسدها تجمد بالكامل، وأنفاسها احتبست في صدرها وهي تراه أمامها… عينيه المشتعلة غضبًا، ملامحه القاسية التي ازدادت حدة، وصوته الذي خرج كزئير مفترس يوشك على الانقضاض عليها.


ـ ردي عليّا! انتِ إيه اللي دخلك هنا؟ وبتعملي إيه في ورقي؟


لم تستطع السيطرة على رعشة جسدها، لم يكن مجرد خوف… كان شيئًا أقرب إلى الرعب الصافي، الخوف الغريزي الذي يشعر به أي شخص عندما يكون في مواجهة مع قاتل. قاتل مأجور…


تذكرت الورقة التي سقطت أرضًا، المعلومات التي قرأتها منذ لحظات، كل شيء كان واضحًا… راغب المهدي لم يكن مجرد رجل غامض يساعدها، لم يكن مجرد شخص لديه ماضٍ مظلم… بل كان قاتلًا. قاتل محترف.


نظرت إليه بعينين مرتعشتين، بالكاد استطاعت أن تنطق وهي تهمس بصوت مهزوز:

ـ انت فعلاً قاتل مأجور؟


تجمدت ملامحه للحظة… وكأنه لم يكن يتوقع منها أن تسأل مباشرة بتلك الطريقة. لكنه سرعان ما استعاد بروده، وتحولت نظراته إلى شيء أكثر قسوة، أكثر تهديدًا… التفت إلى الورقة التي كانت تمسكها منذ لحظات، ثم أعاد النظر إليها، عيناه تحاصرانها وكأنهما يدرسان كل رد فعل صادر عنها.


ـ انطقي… قالها بصوت منخفض لكنه كان يحمل وعيدًا واضحًا.


بدأت أنفاسها تتسارع، حاولت التراجع، لكن يده كانت تشد قبضتها عليها أكثر، وكأنه لن يسمح لها بالفرار… شعرت وكأنها عصفور وقع في قبضة صقر لا يعرف الرحمة. حاولت أن تتكلم، أن تدافع عن نفسها، لكنها لم تجد الكلمات المناسبة… فقط شعرت أن نهايتها قد اقتربت.


ارتطم جسدها بالأرض بقوة، شهقت بألم وهي تشعر بوخز في كفيها من خشونة الأرضية، لكنها لم تتحرك… فقط استوعبت ما حدث للتو.


لقد ألقاها أرضًا… أهانها… تعامل معها وكأنها لا شيء!


خرجت يارا من غرفتها فور سماعها الضجة، عيناها كانتا تحملان تساؤلات كثيرة، لكنها لم تجد فرصة لتتكلم، إذ رفع راغب يده مشيرًا لها بالصمت، فأغلقت شفتيها على الفور.


أما هو، فكان يحدّق في شذى بغضب حارق، ملامحه أصبحت أكثر قتامة، كأن وحشًا بداخله استيقظ ولم يعد قادرًا على التظاهر بالهدوء. تقدّم خطوة نحوها، صوته خرج جهوريًا مشبعًا بالقسوة:


ـ اسمعي يا بنت، مش علشان دخلتك بيتي هتسوقي فيها، ولا علشان أنقذتك تفكري إن ليكي أي حق عندي… انتِ مجرد رهينة معايا لحد ما أوصل لمرادي! وعدتك إني هحميك من جواد واتباعه، لكن شكل الحسنى واللين ما ينفعش مع أشكالك!


صمته لثانية واحدة كان كافيًا ليجعلها تشعر برعشة برد حادة، كأن الغرفة تجمّدت حولها. عاد ليكمل، وهذه المرة صوته كان أعمق، أكثر تهديدًا:


ـ من النهارده، لحد ما أخلص المهمة دي، لو اتدخلتي في أي حاجة تخصني أو حاولتي تطلعي اللي شوفتيه جوه… قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم! ساعتها، هطبق عليك اللي توبت عنه من سنين.


استدار راغب ليغادر، لكن صوتها المتحشرج، الممتلئ قهرًا، أوقفه…


ـ ليه ما سبتهوش يقتلني؟


كانت كلماتها ضعيفة، لكنها خرجت بقوة كافية لتجعل الصمت يخيّم على المكان. لم ترفع رأسها، فقط حدقت في الأرض، وكأنها تتحدث إلى الفراغ، إلى القدر الذي سخر منها وجعلها تصل لهذه اللحظة.


ـ أنا مش مجبرة أعيش بعد اللي حصل… أنا كرهتكم كلكم! كرهت الدنيا اللي خلتني أوصل لكده… انت مش مجبر تحميني، كان لازم تسيبني أموت وخلاص… أنا مش ضعيفة، الدنيا جت عليّا، بس جوايا جبروت لو خرج هيهدّ كل اللي حواليّا!


التفت إليها راغب ببطء، عيناه تضيقان بسخرية باردة، ابتسامة جانبية ساخرة ارتسمت على شفتيه وهو يردّ بصوت هادئ لكن يحمل في طياته تهديدًا خفيًا:


ـ كل الكلام اللي قولتيه ده مش مبرر إنك تدخلي وتدوري في حاجتي… وطالما انتِ جبروت وكل ده، هحتاجه لما تقعِي في إيد جواد… ساعتها، هدي الدنيا باللي فيها على دماغه! لكن طول ما انتِ تحت حمايتي، ما أسمعش صوتك نهائي.


ثم استدار هذه المرة ليغادر دون أن يلتفت… أما شذى، فجلست هناك، تقاوم عبراتها، تدرك أنها علقت في فخّ أكبر مما تصوّرت.

لم تتحرك شذى، فقط ظلت صامتة، تحدّق في الفراغ كأنها تحاول استيعاب كل شيء… هذا ليس مجرد كابوس، بل مؤامرة حقيرة وجدت نفسها فجأة طرفًا فيها. متى سينتهي دورها كرهينة؟ متى ستتحرر من هذه الدوامة؟


اقتربت يارا منها، جلست إلى جوارها بخفة، نظرت إليها بحزن… كلاهما مخطئ، وراغب مخطئ، لكن القدر جمعهم في هذا الطريق، وعليهم التحمّل حتى النهاية. بصوتها الهادئ، قالت:


ـ معلش يا حبيبتي… غصب عنه كل اللي حصل. انتِ لو تعرفي اللي حصل له، هتعذريه… كل ده من خوفه عليكِ وعليّا. تعالي معايا بس، واهدي كده، واللي يجيبه ربنا كله خير… ما تزعليش منه، هو أطيب ما يكون، بس الدنيا جت عليه وأخذت منه أعزّ ما يملك… أنا حاسة إننا قربنا من النهاية، كلها فترة صغيرة والكابوس ده هينتهي، فلازم نستحمل.


لم تجبها شذى، لم تكن تملك الكلمات المناسبة، بل فضّلت الصمت… الصمت كان خيارها الوحيد لوضع حدود لكل شيء.


نهضت مع يارا، ودخلتا إلى الغرفة. بينما كانت يارا تجمع ثيابها بسرعة، قررت أن تخفف عن شذى قليلًا، فبدأت تتحدث عن راغب، بصوت يحمل مزيجًا من الحنين والأسى:


ـ عارفة يا شذى… راغب أكبر مني بسنين كتير، بس عمري ما حسّيت معاه بالفرق ده، بالعكس… كنت بحس إنه أبويا وأمي وكل حاجة ليا. أهلي توفوا بعد ولادتي بسنة في حادثة، ووقتها وقف حياته عشاني، مكنش عنده غيري، كان هو الدنيا كلها بالنسبة لي.


توقفت للحظة، نظرت إلى ملابسها في الحقيبة، ثم أكملت بابتسامة حزينة:


ـ كنت صغيرة، وكنت بقول له طول الوقت: محتاجاك يا ماما!… ساعتها، قرر يتجوز البنت اللي وقفت معاه من البداية، كان بيعشقها… مش ببالغ لو قلت لكِ إنه كان بيشوفها روحه، كان بيحبها بجد… بس، الحلو عمره ما بيكمل، صح؟


تنهدت يارا، ثم نظرت إلى شذى مباشرة، وعيناها مليئتان بالحزن:


ـ راغب من جواه طيب جدًا وحنون، لكن الدنيا ما أدّتلوش فرصة إنه يكون إنسان طبيعي… دايمًا كان في حاجة بتاخده بعيد… ومهما حاول، عمره ما كان يقدر يعيش زي الناس العادية.


سكتت يارا، بينما بقيت شذى تنظر إليها بصمت… هل ستتمكن يومًا من رؤية هذا الوجه الطيب الذي تتحدث عنه؟ أم أنها ستظل ترى في راغب القاتل المأجور فقط؟


زاغت عينا شذى قليلًا، تردّدت قبل أن تنطق بصوت متحشرج:


ـ طيب… هي البنت دي فين دلوقتي؟ يعني… يعني ليه مش موجودة؟ أنا من وقت ما جيت ما شفتش غيرك هنا…


رفعت يارا رأسها، نظرت إلى شذى للحظات قبل أن تزفر تنهيدة حارة وكأنها تحمل جبالًا من الأسرار على كتفيها، ثم قالت:


ـ تتوقعي يا شذى… المشاكل اللي إحنا فيها دي كلها سببها إيه؟ وإيه سبب كره راغب لجواد بالطريقة دي؟ كل ده دوّامة… وحلقة ملفوفة ببعضها، ما أقدرش أحكيها لكِ دلوقتي، لأن ده احترام لخصوصيته… بس مع الأيام، هتعرفي السبب الحقيقي، وهتعرفي إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد رجل أعمال فاسد وصحفية كانت بتجري وراه عشان تجمع أخبار وتنال الترقية…


سكتت لحظة، وكأنها تحاول اختيار كلماتها بعناية، ثم أكملت بصوت أكثر هدوءًا:


ـ إنتِ كنتِ بتدوّري في جزء صغير من بحر عميق… عايزة تعرفي كل حاجة؟ قربي من راغب، احتويه، واعرفي منه الحقيقة بنفسك…


نظرت يارا حولها للحظات، وكأنها تتأكد من أن لا أحد يسمع، ثم أردفت بصوت خافت لكنه حاد:


ـ البيت ده ما دخلوش غير ثلاث نساء فقط… أمي، وأنا، ومرات راغب… وكان بيرفض دخول أي ست تانية هنا. لكنه جابكِ بنفسه، بإرادته… كان يقدر يوديك الشقة التانية بتاعته، زي ما بيقولوا كده شقة المهام المستحيلة، لكنه جابكِ هنا، معايا… ده معناه حاجة واحدة…


توقفت لحظة، ثم نظرت إلى شذى نظرة مباشرة، وعيناها تعكسان يقينًا خفيًا:


ـ في حاجة من ناحيته ليكي… وده مش كلام فاضي، ده أخويا، وأنا متابعاه من زمان… واللي عرفته إنه كان بيراقب كل تحركاتكِ من فترة…


ابتسمت يارا ابتسامة خفيفة، ثم أكملت بهدوء:


ـ جربي… مش هتخسري حاجة… إحنا كده كده، باين إن هنطوّل مع بعض كتير…


كانت شذى تستمع، لكن عقلها كان يعجّ بالأفكار… هل يعقل أن يكون هناك شيء آخر خلف نظرات راغب؟ أم أن يارا تبالغ في تحليل الأمور؟


كانت شذى تراقب يارا بصمت وهي منهمكة في وضع اللمسات الأخيرة على الحقائب، بينما عقلها يشتعل بفكرة شيطانية صغيرة… لمَ لا تقترب منه؟ لمَ لا تكتشف من يكون هذا الراغب المتعجرف وترد له الصاع صاعين؟ لمَ لا ترد إهانته لها؟ وجدتها فرصة رائعة للانتقام… هزّت رأسها، وكأنها تثبت لنفسها أنها ستفعلها، لكن يارا لم تلحظ ذلك، فقد كانت منشغلة كليًا بتجهيز الأمتعة.


في تلك الأثناء، دخل راغب غرفته، لكن هذه المرة شعر ببرودة غريبة تسري في المكان… حاول أن يستنشق رائحتها المعتادة، رائحة صابرين، لكنها تبخرت تمامًا. لعن تلك الفتاة في داخله… هل أصبحت رائحتها تطغى على ذاكرته؟ هل مجرد دخولها إلى الغرفة كفيل بمحو أثر حبيبته؟ أغلق عينيه محاولًا استرجاع لمسات صابرين، لكنه بدلًا من ذلك، رأى ملامح شذى تتجسد أمامه كطيف شبح يطارد راحته.


فتح عينيه بصدمه وهز رأسه بعنف وهو يتمتم بغضب مكبوت:


ـ كل ده عشان دخلت الغرفة؟!… البنت دي لازم تلزم حدودها معايا… أنا آسف يا صابرين، آسف على خيانتي ليكي… على خيانتي لوعدي إن مفيش واحدة غيرك هتدخل الغرفة دي…


نظر إلى الأرجاء، تأمل الغرفة التي تحمل الكثير من الذكريات، ثم التقط حقيبته بين يديه… ابتسم ابتسامة حزينة وهو يودع المكان بعينَيْ عاشق… لكن عاشقٍ منتقم.


بعد مدة ليست بالطويلة، وقف الثلاثة أمام باب الشقة، بينما كان راغب يغلق الأبواب جيدًا، كأنه يعد المكان بعودته مجددًا.


في الخلف، كانت يارا تبكي بصوت مكتوم، تحاول أن تخفي دموعها بيدها المرتجفة… لاحظت شذى ذلك، لكن بدلاً من التعاطف، زفرت بضيق ورسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها، ثم اقتربت منها قليلًا، وضعت يدها على كتفها بلطف، محاولة تهدئتها، لكنها لم تنطق بكلمة واحدة.


التفت إليهما راغب وهو يحمل الحقائب، ثم قال بصوت هادئ لكنه صارم:


ـ يارا، يلا شيل الشنطتين اللي معاكي دول، أو استني لحد ما أنزل اللي معايا وأطلع أخد دول تاني…


مسحت يارا دموعها بسرعة، ثم تشهقت كالأطفال وقالت بصوت مبحوح، لكنه يحمل إصرارًا:


ـ انزل أنت يا راغب، أنا وشذى هنشيلهم، ما تقلقش…


نظرت إليها شذى بتعجب، لكنها قررت مساعدتها في صمت… تلك الفتاة منذ أن جاءت إلى هذا المنزل وهي تعاملها بلطف، ولا تستطيع أن ترد هذه المحبة بإساءة.


تكملة الرواية من هناااااااا 

تعليقات

التنقل السريع